زيارة الملك سلمان وإعادة صياغة المستقبل بين البلدين لمواجهة تحديات جديدة وقصة جزيرتين

13/04/2016 - 2:09:55

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

يقوم حاليا العاهل السعودى جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، آخر أنجال الملك عبد العزيز آل سعود، مؤسس المملكة العربية السعودية، بزيارة تاريخية مهمة لجمهورية مصر العربية، وتنبع هذه الأهمية من عدة اعتبارات أولها أن الزيارة تتم فى توقيت فى غاية الأهمية للملفات الإقليمية، التى تهم مصر والسعودية مثل الملف السورى والليبى والعراقى واليمنى والبحرينى واللبنانى، وأخيرا ملف الإرهاب، الذى يعد ملفا عالميا يستوطن المنطقة العربية بدعم من قوى إقليمية ودولية وأذناب عربية مثل قطر، التى تبحث لنفسها عن دور فى عالم الغد لا تتيحه لها مكانتها العربية ولا قوتها فاستندت إلى قدراتها المالية، التى هى ملك للشعب القطرى وإلى قناة الجزيرة، التى فضحت دورها فى سوريا شركة جوجل مؤخرا


 ولم تتعظ قطر من تجربة سابقة قادها القذافى للبحث عن دور لبلاده، استنادا إلى الثروة المالية فقط، وثبت بالدليل القاطع أن دور أى دولة ينبغى أن يكون متزنا فى الاعتماد على عدة أدوات معا مثل القوة العسكرية والأداة الدبلوماسية والقاعدة الاقتصادية والقدرة التكنولوجية والإبداعية والفكرية معا، وأن الثروة لا يمكن أن تصنع بمفردها وفى صورتها الخام دورا إقليميا لأى دولة مهما كانت.


وثانى عناصر الأهمية للزيارة ينبع من تشكيل الوفد المرافق لجلالة الملك خلال زيارته لمصر، والذى يشمل ١٥ وزيرا هم الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولى ولى العهد، النائب الثانى لرئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، ووزير الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء الدكتور مساعد بن محمد العيبان، ووزير المالية الدكتور إبراهيم بن عبدالعزيز العساف، ووزير المياه والكهرباء المهندس عبدالله بن عبدالرحمن الحصين، ووزير التجارة والصناعة الدكتور توفيق بن فوزان الربيعة، ووزير الدولة عضو مجلس الوزراء الدكتور عصام بن سعد بن سعيد، ووزير النقل المهندس عبدالله بن عبدالرحمن المقبل، ووزير الثقافة والإعلام الدكتور عادل بن زيد الطريفى، ووزير الزراعة المهندس عبدالرحمن بن عبد المحسن الفضلي، ووزير الخارجية عادل بن أحمد الجبير، ووزير العمل الدكتور مفرج بن سعد الحقباني، ووزير الإسكان ماجد بن عبد الله الحقيل، ووزير التعليم الدكتور أحمد بن محمد العيسون، أى أن الوفد المرافق لجلالته يشمل الوزراء المختصين بجميع المجالات العسكرية والخدمية وجميع مجالات التعاون بين الدولتين، كما يضم ١٢٠ عضوا آخرين بينهم ٢٥ أميرا وعدد من كبار المسئولين بالديوان الملكى. 


وثالث عناصر الأهمية لهذه الزيارة ينبع من جدول أعمال الزيارةالذى يشمل التوقيع على ٢١ اتفاقية ومذكرة تفاهم سبق الاتفاق بشأنها، خلال اجتماعات المجلس التنسيقى المصري- السعودى.تتضمن اتفاقيات تعاون بين كل من مصر والسعودية فى مجالات: منع الازدواج الضريبي، الزراعة، الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، الكهرباء، الإسكان، التربية والتعليم، العمل، النقل البحرى والموانئ، الثقافة، والإذاعة والتليفزيون، فضلا عن اتفاقيات المشاريع الواردة ضمن برنامج الملك سلمان بن عبدالعزيز لدعم مصر، بمعنى أن هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم تستهدف إعادة صياغة العلاقات المصرية السعودية فى المستقبل لمواجهة تحديات المستقبل التى تشمل الانسحاب الأمريكى من الخليج لصالح التواجد فى آسيا ذات الثقل العالمى فى المستقبل، كما تشمل تحديات مابعد مرحلة النفط فى مجمل الدول الخليجية، خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار إعلان القاهرة الذى وقع بين البلدين فى نهاية زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولى ولى العهد السعودي، إلى مصر، فى ٣٠ يوليو الماضى


وتضمن عددا من المحاور، بينها الاتفاق على تطوير التعاون العسكري، والعمل على إنشاء القوة العربية المشتركة، وتعزيز التعاون المشترك، والاستثمار فى مجالات الطاقة والربط الكهربائي، والنقل، وتحقيق التكامل الاقتصادى بين البلدين.


واتساع نطاق التعاون بين المسئولين من مصر والسعودية هو المبرر الأول والأخير لزيادة وكثافة الاجتماعات الثنائية بين الدولتين فقد كانت هذه اللقاءات لقاءين فقط فى عام ٢٠١٣ فى ظل حكم الإخوان المسلمين ولكنها بلغت عام ٢٠١٤ حوالى ١٤ لقاءً ووصلت عام ٢٠١٥ إلى ١٩ لقاءً بينما وصلت إلى ٦ لقاءات فى الربع الاول من عام ٢٠١٦ فقط.


ولأن الصحف ووسائل الإعلام قد ركزت على تحليل القضايا الإقليمية فإننى سأركز على تحليل قضيتين بإيجاز هما قضية ترسيم الحدود وماذا تعنى ودور جزيرتى تيران وصنافير فيهما ومرحلة ما بعد النفط من منظور الصراعات التى مازالت مشتعلة فى منطقتنا العربية.


ففيما يتعلق بترسيم الحدود بين مصر والسعودية، فينبغى الاشارة إلى أن اتفاقية سايكس بيكو، التى وضعت حدود الدول العربية بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الخلافة العثمانية، التى تعد صورة من صور الاستعمار الذى سيطر على الدول العربية شأنه فى ذلك شأن الاستعمار المغولى والإنجليزى والفرنسى، وإن كان بدعوى الوحدة الإسلامية، طرأت عليها تحولات نتيجة عوامل كثيرة فى مقدمتها تطور قانون البحار وفقا لاتفاقية دولية أمكن التوصل إليها عام ١٩٨٢ بفضل جهود لجنة القانون الدولى للأمم المتحدة، والتى وضعت معايير للحدود البحرية للدول شملت تعريفا للحدود البحرية بوصفه الخط الفاصل بين دولتين على سطح مائى بينهما، كما أشارت إلى انقسام المياه لأى دولة إلى ثلاثة أقسام هى المياه الساحلية وتمتد من يابس الدولة إلى داخل البحر بعمق ٣ أميال وثانيها المياه الإقليمية المحددة باثنى عشر ميلا من ساحل لدولة، وأخيرا مياه الجوار وتحددت بأربعة وعشرين ميلا.


ولذا فجميع الدول العربية لديها مشكلات حدودية نتيجة تطور القانون الدولي، ومن ثم فترسيم الحدود بين مصر والسعودية أمر عادى لا يعنى وجود خلافات أو بيع جزر من طرف لآخر لأن المياه الساحلية والإقليمية جزء من إقليم الدولة التى تطل على هذه المياه وتخضع لسيادتها بشكل كامل، أى أنها غير قابلة للتنازل عنها أما المياه التى تخرج عن هذا الإطار فتسمى أعالى البحار وهى ملك لجميع الدول.


وهناك اعتقاد سائد أن ملكية الجزيرتين ترجعان إلى قبائل الدرعية السعودية، ولكن عام ١٩٤٨ ولدى الحرب العربية الصهيونية الأولى فقد أعطت السعودية لمصر حق استخدام الجزيرتين، وبعد حرب ١٩٦٧ احتلت إسرائيل الجزيرتين لأهميتهما الاستراتيجية، ولذا تم تحريرهما بعد حرب ١٩٧٣ وفى إطار مباحثات السلام المصرية الإسرائيلية تمت الإشارة للجزيرتين وكانتا ضمن المنطقة ج ذات التسليح الخفيف.


وفى عام ١٩٩٠ وخلال انعقاد اللجنة المشتركة المصرية السعودية برئاسة د عصمت عبد المجيد، نائب رئيس الوزراء، ووزير الخارجية والأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية السعودى، رحمهما الله، طلبت السعودية ما يفيد بسيادة السعودية على الجزيرتين مع استمرار استخدام مصر لهما عسكريا ومدنيا، وهو ما تمت الموافقة عليه من مصر.


ومن ثم فلا توجد لا عمليات بيع ولا شراء بين مصر والسعودية لأنهما دعامتين أساسيتين للأمن القومى العربى وتعاونهما ضرورة ملحة لصيانة الأمن القومى العربى، وكل ما فى الأمر إعادة ترسيم الحدود وقفل لقواعد سبق الاتفاق عليها.


أما مرحلة ما بعد النفط الخليجى فلها تأثيران مخلفان على الصراعات الموجودة فى المنطقة لأن مصادر الطاقة أى النفط لها تأثير مباشر على قوة الدول المستخدمة للنفط فعلى مستوى الصراعات بين الدول كالصراع السعودى الإيرانى مثلا فإن استمرار أسعار البترول عند هذا المستوى المتدنى فإن هذه الصراعات ستنخفض حدتها لأن دخل البترول سيكون محدودًا ولن يسمح بتمويل أى حروب فى الإقليم.


ولكن المشكلة فى الحروب الأهلية، التى تقع داخل دول الإقليم، وخاصة تلك الدول المصدرة للبترول لأن حدة هذه الحروب لن تنخفض فى حال استمرار تلك الأسعار المتدنية للبترول لأنها حروب تتم على حدود قبلية وإثنية وجهوية ومذهبية لأسباب تتعلق بطبيعة النظام السياسى وعدم مرونة مؤسساته بل وضعفها المستمر وعدم قدرتها على استيعاب المتغيرات ومن ضمنها ضرورة الإدراك بوقف الحرب، التى أتت على الأخضر واليابس فى هذه البلاد.


كذلك فإن خطط التنمية فى الدول العربية المصدرة للبترول فى ظل استمرار تدنى أسعار النفط للمدى المتوسط والبعيد تتأثر سلبا، مما يستدعى الاستعداد من اليوم، بل من الأمس لمرحلة جديدة من العمل العربى تقوم على تعاون اقتصادى فى عالم نجح فى عولمة جميع عناصر الإنتاج من رأس مال إلى أرض إلى عمل وإلى تنظيم وصار المعبر الأول عن هذه العولمة هو اقتصاديات المعرفة القائم على إنتاج المعلوماتية.


ولذا أكاد أجزم أن زيارة الملك سلمان هى زيارة ذات أبعاد استراتيجية تتعلق بصياغة المستقبل والانتقال به من الحقبة النفطية إلى حقبة جديدة غير نفطية أدركت جوهرها دول الخليج، وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية.. فأهلا بك جلالة الملك.