“الجسر .. ليس كأى جسر !!”

13/04/2016 - 1:47:38

  حمدى الكنيسى حمدى الكنيسى

بقلم - حمدى الكنيسى

استقبلنا كمصريين وسعوديين وخليجيين وعرب بصفة عامة نبأ القرار الذى اتفق عليه خادم الحرمين الملك سلمان مع أخيه الرئيس عبدالفتاح السيسى بإنشاء»الجسر البرى « الذى يربط بين مصر والسعودية، والذى اختار له الرئيس السيسى مسمى «جسر الملك سلمان»، وقد تداعت إلى الأذهان فوراً أفكار وآراء وتحليلات تجسد قيمة ومغزى ونتائج «الجسر» المنشود، إلا أننى أرى أنه يسبق عشرات الأهداف المضمونة، هدف وبعد آخر بالغ الأهمية عظيم الدلالة، وسوف أذكره بالتفصيل بعد أن أستعرض معكم النتائج المباشرة لزيارة خادم الحرمين لمصر، وهى نتائج مثيرة لكل اهتمام واعتزاز، وتكفى وحدها لتوضيح معنى ومغزى وقيمة هذا «الجسر»، لكنها لا تكتمل إلا بالتحليل الأخير الذى يوضح أن «الجسر ليس كأى جسر»، وهذا ماسوف ألقى عليه الضوء فى نهاية حديثنا وبعد استعراض النتائج والإنجازات الأولى كالتالى :


أولا : الجسر يربط بين قارتى آسيا وإفريقيا بما يعنيه ذلك من نتائج رائعة تتحقق لمصر والسعودية ولدول الخليج ودول المغرب العربى.


ثانيا : الجسر تتويج لانطلاق مشروعات سعودية استثمارية فى مصر بلغت ٢٥ مليار دولار .


ثالثا : الجسر تحقيق لحلم بدأ منذ عام ٢٠٠٠ وتعثر سنوات طوالا إلى أن كانت الإرادة المصرية المنبثقة من ثورتى يناير ويونيه، وجاءت القمة المصرية السعودية لتطلق العمل من أجل تحقيق هذا الحلم .


رابعاً : الجسر قبلة الحياة للسياحة والاستثمار حيث يحقق زيادة هائلة فى الحركة السياحية والتجارية بين البلدين، مما يجعله نقلة نوعية رائعة فى تجاوز السياحة لما تتعرض له من مؤامرات تستهدف ضربها، خاصة وأن الجسر يوفر للملايين من الإخوة السعوديين والخليجيين وغيرهم فرصة زيارة مصر والتمتع بما منحه الله لها من إمكانيات سياحية مختلفة، وعلى الجانب الآخر سيكون «الجسر» معبرا للحجاج والمعتمرين المصريين والإخوة فى دول المغرب العربى .


خامسا: سيكون للجسر كل الفضل فى تغيير فكر الاستثمارات التى تتسق مع السوق السعودى والعربى خاصة فى شرم الشيخ حيث يغير المستثمرون نوعية مشروعاتهم وأسلوب إدارتها .


سادسا : فى إطار النقلة النوعية التى سيشهدها «قطاع النقل»سيربط الجسر بين المشرق العربى والمغربى العربى بما يحققه ذلك من نتائج اقتصادية وثقافية واجتماعية.


سابعا : الجسر يفيد تماما فى تعمير سيناء حتى أن التوقعات تصل إلى إمكانية انتقال أكثر من ستة ملايين مصرى ليعيشوا فى سيناء .. كإضافة لجهود تعميرها، وحل لمشكلة تكدس الشعب فى مساحة صغيرة من أرض مصر.


ثامناً : الجسر ليس مجرد كوبرى حيث ستقام على جانبيه «مناطق لوجستية» ، وتمتد فوقه «كابلات كهربائية»تنقل أى فائض كهربائى للاتجاهين، كما تمتد داخله «مواسير وأنابيب البترول»من السعودية ودول الخليج إلى مصر والمغرب العربى والعالم ، وتتأكد بذلك الفائدة الكبرى التى تتحقق للتجارة العالمية أيضا بسهولة نقل البترول والبضائع والمنتجات المختلفة خاصة بعد إضافة خط السكك الحديدية فوق الجسر .


تاسعاً : الجسر يعيد من جديد «الرباط الجغرافى والإنسانى والعربى» بين الشطر الشرقى والشطر الغربى للأمة العربية بعد أن تم الفصل الاستعمارى بينهما بإنشاء إسرائيل


عاشرا : الجسر تتويج لإنجازات ونتائج هائلة حققتها زيارة خادم الحرمين الملك سلمان لمصر ، مثل توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم تتجاوز قيمتها خمسة وعشرين مليار دولار ، وإنشاء جامعة الملك سلمان فى سيناء ، وإقامة منطقة حرة فى شمال سيناء، وزيارة الملك للأزهر تأكيدا لوسطية الإسلام كما تراها وتتبناها مصر والسعودية، وتعهد خادم الحرمين بترميم وتطوير مبنى الأزهر واستكمال مدينة البعوث الإسلامية على نفقته حتى تستوعب أكثر من ٦٠ ألف طالب مسلم وافد من مختلف دول العالم . كذلك كان لاستقبال خادم الحرمين الشريفين للبابا تواضروس دلالة بالغة الأهمية من حيث تأ كيد مفهوم الدولة الوطنية فى مصر والسعودية .


حادى عشر : الجسر أيضا رمز لفشل فحيح الهمسات الخبيثة المعادية التي كانت تسعي للوقيعة بين مصر والسعودية فهمست كثيرا بأن الملك سلمان له توجه مختلف عن سلفه العظيم الملك عبدالله وأنه بالتالى ليس متحمسا لزيارة مصر، فإذا بالزيارة تتحقق فى توقيت مناسب تماما ، وتضم أكبر وفد سعودى يكفى أن يكون منه «١٦» وزيرا وعشرات المفكرين ورجال الأعمال ، ثم تكون الصفعة الأخرى لأولئك المتهامسين المتربصين بأن تمتد الزيارة خمسة أيام شهدت لقاءات واجتماعات وجولات مكثفة، تَوَّجها زيارُة خادم الحرمين الملك سلمان لمجلس النواب وإلقائه لكلمة تاريخية بليغة، أكدت عمق العلاقة بين الشعبين المصري والسعودي، وانطوت علي تقدير المملكة لنجاح مصر في “ثورة يونيه” و “استكمال خارطة الطريق”، ولعل الحفاوة البالغة التي استقبل بها النواب خادم الحرمين كانت تعبيراً جديداً عن حفاوة الشعب المصري كله بزيارته التي حققت قمة “الأخوة والخير”.


• تلك بعض الأمور والإنجازات والتداعيات التي يكفي أن نذكرها عما يعنيه ويرمز إليه الجسر البري - “جسر الملك سلمان”، لكن هناك بُعداً آخر يتجاوز في أهميته كل الأبعاد، كما أشرت في مستهل مقالي هذا، لأن الجسر - يا حضرات - يمثل عبور الأمة العربية من واقعٍ سياسيٍ واقتصادي وثقافي إلي واقع أفضل بكثير، فقد كان يحكمنا علي مدي عشرات السنوات فكر ضيقٌ جامد لا يقبل إلا “بالتطابق الكامل” في الرؤي والمواقف بين الدول العربية، وما دون ذلك “مرفوض مرفوض يا ولدي”، هذا بالرغم من استحالة “التطابق” في العلاقات بين الدول مهما كانت أواصر الارتباط بينها، بل إن هذا التطابق لا يتحقق بين فئات الشعب الواحد، بل لا يتحقق داخل الأسرة الواحدة، وهنا تظهر دلالةُ التطور الهائل في معني ومفهوم العلاقات العربية حيث نري في الجسر أيضاً رمزا لأهمية استيعاب “التباين” في الرؤي والمواقف بين المملكة ومصر ، حيث تخضع كل دولة لما تمليه عليها ظروفها وإمكانياتها وعلاقاتها الدولية، والغريب أن “المرونة” التي تحققت لمفهوم التعاون والترابط بين الدولتين ظهرت قبل ذلك دون أن نعترف بها، وننطلق إلي احترامها والقبول العملي بها، فمثلا اتخذت “سلطنة عمان” موقفا خاصا بها متمثلاً في علاقتها الوطيدة مع “إيران” بالرغم من مواقفها المستفزة لدول الخليج ومعظم الدول العربية، كذلك تحتفظ السعودية بعلاقات جيدة مع “تركيا” بالرغم من حالة العداء التي خلقها أردوغان ضد مصر، وينطبق ذلك علي علاقة المملكة ودول الخليج مع “ قطر” التي لا تُخفي عمالتها للغرب وتآمرها ضد مصر وسوريا وليبيا.


• هكذا اكتشفنا عملياً أننا من الممكن أن نختلف في بعض الرؤي والمواقف بعد أن عشنا سنوات وسنوات أسري لفشلنا في الاختلاف، ودفعنا لذلك ثمنا باهظا استغله أعداؤنا وهكذا كان أكبر وأعظم رمز للجسر الجديد هو “تقبل التباين في الرؤي والأفكار بين مصر والسعودية”،يتجاوز الاختلاف في الأزمة السورية حيث أعلنت المملكة إصرارها علي إسقاط نظام بشار، وأكدت مصر حرصها علي بقاء وتماسك سوريا الشقيقة وهذا - أخيراً - ما لا ترفضه المملكة، حتي لو تم تأجيل حسم مصير الأسد. كذلك تقبلت السعودية تحفظ مصر علي الاشتراك في عمليات بريّة ضد الحوثيين ورجال علي عبدالله صالح، مُكتفيةً.. بمشاركة قوات التحالف وقطر، تقبل السعودية باحتفاظ مصر بحريا وجويا بقدر ما تقبل مصر التقارب بين السعودية وتركيا بهامش من العلاقة مع إيران، وبقدر ما تتحفظ المملكة علي دور “روسيا” في الأزمة السورية، تقبل تنامي العلاقة بين القاهرة وموسكو.


• وأقولها مرة أخري: كثيرا ما وَصَمنا الآخرون بأننا نحن العرب “لا نعرف كيف نتفق، ولا نعرف كيف نختلف”، وها نحن نصحح هذه الصور التي عانينا منها، وها هي مصر والسعودية، جناحا الأمة العربية، ورُمانتا الميزان تطلقان مبدأ المرونة والتفهم الواعي العملي لأي تباينً في الرؤي والمواقف، وبهذا المبدأ سوف تُعوض الأمة كثيراً مما فاتها،وتحقق كثيراً من آمالها وطموحاتها،وتنجح كثيراً في مواجهة مخططات التقسيم والتفتيت المحيطة بها.


• وأهلا بجسر التفاهم واحترام “التباين” والعبور نحو المستقبل الذي يليق بأمتنا.