الأزهر وأفريقيا «رســالة خالــدة وتطـــوير منشـــود فى القوة المصرية الناعمة»

13/04/2016 - 1:41:41

أ.د.السيد فليفل

يعد الأزهر الشريف نافذة مهمة لدور مصر الثقافى فى العالم كله، والعالم الإسلامى بصفة خاصة، وأفريقيا بشكل أخص، وهو المعبر عن التوجه الإسلامى السنى الوسطى الراشد، كما أنه لم يغفل دراسة المذاهب الشيعية، ولا الإباضية «الخوارج» فى الجزائر وعمان. وتستعين أغلب دول العالم بالأزهر فى برامج حوار الحضارات، ومقاومة التطرف الديني، باعتبار الوسطية التى يمثلها، وبعده عن الغلو والتطرف، وطرح الدين الإسلامى سمحًا حنيفًا. وقد مثل دور الأزهر أحد أهم أدوات القوة الناعمة الداعمة لسياسة مصر الخارجية، بحكم أنه يفتح القلوب، وييسر بالتالى لصانع القرار المصرى قاعدة شعبية متعاطفة تساعد على إدارة العلاقات السياسية والاقتصادية، وذلك لما للدين من تأثير واسع المجال على الشعوب.


وبالنسبة لأفريقيا فقد أدى الأزهر دوراً مهما فى هذا الصدد، حيث مثلت أروقة الأزهر مجالا متاحاً للطلاب الأفارقة الوافدين للدراسة بساحاته الرحبة، ومن أشهر هذه الأروقة رواق السنارية ورواق الفور (شرق وغرب السودان)، ورواق الجبرتية (ارتيريا) والحبش


(إثيوبيا) ورواق البورنوية (تشاد) ورواق التكرور (غرب أفريقيا)، ورواق المغاربة (شمال أفريقيا) ورواق الزيالعة ( الصومال) ورواق الزنج (شرق أفريقيا) وغير ذلك من الأروقة.


وتعد القارة الأفريقية صاحبة أكبر عدد من الأروقة بين القارات كلها، وهذا يدل على عظم دوره الأفريقى على مر القرون. وهذه الأروقة لا تزال صالحة لإدارة حوارات فى رحاب الأزهر مع أبناء الدول الأفريقية، تحت إشراف الأساتذة الأجلاء حول القضايا المعاصرة وكيفية التعاطى معها من منظور الدين الحنيف.


وقد مثل الأزهر الشريف قوة وطنية فاعلة فى السياسية المصرية، بحيث كان شيوخه منذ عصور طويلة يتدخلون لصالح الشعب كلما جار عليه حاكم، كما كانوا يتفاعلون تفاعلاً خلاقًا كلما ضاق العيش بالمصريين، فكم من إمام وقف أمام حاكم جائر وكم من إمام رفض السياسيات الضريبية الجائرة ونجح فى قيادة الشعب صوب تعديل الأوضاع. وكان الأزهر قوة فاعلة فى الشأن الوطنى فى فترات الاستعمار وكان شيوخه أبطالا مناضلين عرفتهم ثورتا القاهرة الأولى والثانية وقت الحملة الفرنسية وعرفتهم المقاومة الشعبية فى معركة رشيد ١٨٠٧ كما عرفوا بمواقف فاعلة فى الحركة الوطنية أيام الاحتلال البريطانى. ومن ثم فإن المكانة التى حازها الأزهريون لم تقف عند حدود البراعة فى الفقة الإسلامى وتفسير القرآن وتدريس الحديث إنما امتدت إلى الواقع المعايش والمشاركة فى المقاومة الشعبية الفاعلة فى كل ما يواجه الوطن المصرى من صعاب، فضلاً عن احتضان القيادات العربية والإسلامية من كافة الأقطار والترابط معاها فى مجابهة الاستعمار، كما عاش الأزهر معبرًا عن جسم الأمة الإسلامية تعبيرًا حضاريًا سامقًا، كيف لا وقد كان بعض أئمته غير مصريين وكان آخرهم الإمام الشيخ محمد الخضر حسين التونسى الأصل، مع هذا فإن فترة الوجود العثمانى فى مصر والتى أنهكت المصريين أشد الانهاك نجحت فى جعل الإمام الأكبر فى العالم الإسلامى أعجميًا عثمانيًا كما فرضت ترتيبًا فى الأوضاع أنزلت الأزهر الشريف فى مكانة أقل إزاء السلطة الدينية فى السلطنة العثمانية، ومع هذا أئمة الأزهر يجاهدون الولاة والطغاة ويهتفون مع المصريين (يا رب يا متجلى إهلك العثمانلي). ويعجب المرء كيف واصل الأزهر الشريف دوره الدينى فى أرجاء القارة الأفريقية رغم الظلام الذى تعرض له خلال حقبة العنجهية التركية التى كانت سببًا فى تردى الأحوال كافة ومنها أحوال التعليم فى الأزهر الشريف.


والملفت للنظر أن الوالى محمد على جعل طلاب الأزهر هم المادة الخام التى بنى عليها الدولة الحديثة فى مصر ورفع أنقاضها من بين ركام الحكم العثماني، وبدأ الأزهر احتكاكًا فاعلاً ومتواصلاً بالحضارة الغربية ينتقى منها ويختار ويعدل فيها ويرفض ومن ثم فإن العائلات المصرية التى وجهت أولادها للأزهر الشريف سرعان ما وجدتهم ضباطا كبار ومهندسين وعلى أكتافهم نشأ الجيش المصرى والتعليم الحديث، وسعى توجه محمد على إلى أفريقيا على تطوير رسالة الأزهر الأفريقية ودفعها إلى الأمام.


وكان الأزهر تواقًا إلى التغيير والتجدد ونستطيع أن نتابع ذلك من تعدد القوانين التى صدرت لتطويره وتفعيله وربطه بالعصر.


ولا ينكر إلا مكابر أن قانون تطوير الأزهر لعام ١٩٦١ قفز بالأداء التعليمى والعلمى للأزهر الشريف قفزات هائلة، حيث بات الأزهر يضم إلى كليات التعليم الدينى كافة كليات الجامعات المدنية من طب وهندسة وزراعة وعلوم وتجارة وغيرها.


وفيما يخص الشأن الأفريقى فإن الأروقة الأفريقية آنفة الذكر والتى كان عدد طلابها لا يزيد عن عدة مئات من الطلاب قد استوعبت أضعافهم المضاعفة مدينة البعوث الإسلامية التى كان اسمها الأول والشعبى والإفريقى على السواء مدينة ناصر للبعوث الإسلامية.


وبذا أصبحت جامعة الأزهر بالقاهرة وفروعها بالأقاليم تعج بعشرات الآف من الدراسين من دول العالم كان أغلبهم من الأفارقة ولا شك أن العودة إلى اسم الرئيس عبدالناصر فضلا عن أنه صاحب الفضل فى التطوير الذى جرى فإنه يعيد الاعتبار للحقيقة والتاريخ كما يسبب لدى رجل الشارع فى مصر والرجل الأفرقيقي إحساسا بالرضا بالدور الرئيسى الذى لعبه الزعيم عبدالناصر.


ومن الملاحظ أن العصر الذى غير اسم مدينة ناصر هو نفسه العصر الذى فرض على المجتمع المصرى أنماطًا من التعليم الدينى غير الرسمي، وأنشأ نظاما موازيا للنظام الأزهرى الذى بات علماؤه يوصمون بعلماء السلطة، وصار بعض أنصاف المتعلمين أئمة يلتف من حولهم الناس لأنهم يعارضون أو يثيرون من قضايا ما يطاولون به العلماء الثقاة، والذين لا يملكون القدرة على العملى الشعبوى الدعائى التى راحت القنوات الممولة نفطيًا تروج له وهو ما أوصلنا من بين أسباب أخرى عديدة إلى برلمان قندهار لحكم الإخوان، واليوم لنا أن نتساءل كيف لنا نشبب رسالة الأزهر الأفريقية ونستعيد الأرض المفتقدة التى هيأت لمصر أن تؤدى رسالة علمية ودينية وأخلاقية لأشقائها الأفارقة وطدت ودعمت دور مصر التحرري.


وتستدعى الضرورة تفعيل دور الأزهر وتحديثها استجابة لمطالب كثيرة من الدول الأفريقية التى تعانى مشكلات جمة فى التعامل مع التطرف الدينى الذى تحولت بعض جماعاته الى الإرهاب كما يحدث فى كل من الصومال ونيجيريا ومالى بل والجزائر والمغرب، كما انتشر هذا الإرهاب فى قلب الصحراء الكبرى التى كانت يوما ما تصل بين مسلمى أفريقيا بشمال الصحراء ومسلمى أفريقيا جنوب الصحراء، بحيث نستطيع أن نرى الجماعات الإرهابية تمتد من المشرق العربى، حيث داعش والنصرة فى العراق والشام وتطلع برأسها فى سيناء وتقفز إلى غرب حدودنا فى ليبيا لتمد نفوذها إلى بلاد المغرب العربى الذى باتوا ينعتونه بالمغرب الإسلامى ثم تسعى فى دروب الصحراء لتفتك فى الاستقرار بشمال نيجريا ووسطها وتمتد إلى مالى وإلى تشاد وتطل برأس فى دارفور ووسط السودان كأنما تسعى لاستكمال تحزيم مصر من الغرب والجنوب فمن أولى بالوقوف أمام هذا الفكر المتطرف من الأزهر الشريف، وفى قلب الصومال وفى مناطق من شرق أفريقيا تزحف جماعات من الإرهابيين المتمسحين بالدين فى قلب منطقة حوض النيل والقرن الأفريقى ما يجعل أمن شعوب القارة معرضًا للخطر على جانب آخر، فإنه على الرغم من أن الاسلام هو دين أفريقا الأول إذ يدين به أكثر من نصف السكان فإن القارة تعج بحملات استقطاب تنصيرية غربية تعمل بدأب ليس فقط على منافسة الإسلام على قلوب الأفارقة من غير المؤمنين بديانات سماوية ولكن تحاصر المسلمين أنفسهم وتسعى إلى تنصير بعضهم أو على أقل القليل تأخذ نسبة منهم إلى دوائر تعليمهم الدينى – الكنسى – فتغير أفكارهم إن لم تستطع أن تغير عقيدتهم ويكفى لأى محلل أن ينظر إلى خرائط توزيع المبشرين الكنسيين من الدول الغربية كافة فى قلب القارة الأفريقية بما فيها الدول التى تزيد منسبة المسلمين فيها عن ٩٠٪ ليكتشف أن الغرب الذى بات لا يعبأ فى الدين لا يفكر إلا فى تغيير أديان غيره وبصفة خاصة لفت المسلمين عن دينهم ولا شك أن هذه الظروف قد تصاعدت منذ تبنى الولايات المتحدة نظرية صدام الحضارات وعسكرة السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحادى عشر من سبتمبر ٢٠٠١.


وقد باتت الدول الغربية تستخدم حرية الرأى والتعبير لمجابهة الإسلام على نحو فيه من الذكاء ما يمكن أن يوصف بالخبث كما دأبت على منح الجوائز لمتطاولين على الإسلام ورموزه من المسلمين بصفة خاصة كما كافأت بالمكان المرموق والدعاية الرخيصة كل من تطاول على هذه الرموز أو أهان شعبا مسلما أو أحط من شأن قيادته.


ولاشك أن ذلك كله يشكل تحديًا جسيما أمام سماحة الأزهر ورسالته الرفيعه.


التحديات العديدة التى يواجهها الأزهر الشريف فى أفريقيا ذلك المرض السرطانى للمد الشيعي/الفارسى الإيرانى المتوشح بحب آل البيت والذى بات يضرب فى جذور عقائد أهل السنة والجماعة فى مناطق من شرق أفريقيا ومن غرب أفريقيا منتهجاً نهج تحويل المتصوفة إلى متشيعة ضارباً القوى الإسلامية الكبرى فى نيجيريا والسنغال وفى مالى وغيرها مستنداً فى بعض الأحيان إلى مساندة الدولة الإيرانية لبعض النظم السياسية مثل ما حدث فى تجربة نظام الترابى رحمة الله عليه فى السودان الحبيب للتوجه شرقاً و فتح أبواب إيران للنخب الثقافية السودانية وتحويلها على اتجاهها الطبيعى إلى أم القرى شرقاً والأزهر الشريف شمالاً وبهذا فإن الأزهر بات يواجه التشيع فى عقر داره.


ويزداد الآخر خطورة وتدلهم خطوبه وإخطاره عندما نجد دولة كبرى للغرب الأوربى /الولايات المتحدة الأمريكية بتحفز رئيسها منحازاً لفرس إيران متهماً أهل السنة والجماعة الذين ينتمى اليهم أجداده بأنهم يورثون أولادهم ديناً خاطئً وإرهابا متملكاً من النفوس يخرجهم من الإنسانية إلى حالة مرضية من العنف لم يعد يملك سيادته أو فخامته إلا أن يوجه إلى الشعب الأمريكى خطاب وداع يقول فيه إنه فهم هذا بذكائه البارع وأنقذ الولايات المتحدة بأن ينقذ رعاياها من حروب معنا وأنه وصل الى ايداع تكليف لقتلنا البعض للبعض .هكذا وصلت بجاحة «الأوباما» مما لا تملك معه إلا أن نبادله ازدراء بازدراء.


وإن كنا نترفع عن مثل ما فعله الزيدى لسلفه القاتل بوش الابن فإن بحكم ما لدينا من مطالعة مستمرة لنصف قرن من أمثاله من الحكام سنعرف كيف سيحكم عليه التاريخ وأى منزلة متدنيه سيؤول إليها.


لهذا فإن الأزهر الشريف يظهر على خط المواجهه ليس فقط مع الإرهاب الذى يمارسه التكفيريون الذى يمثله الإخوان المسلمون ومن لف لفهم، بل أيضاً كافة الدوائر العاملة على تفتيت الأمه العربية وشد انتباه العالم الإسلامى بعيداً عن قلبه المركزى، حيث القدس وفلسطين المحتله. وهنا فإن دعوة المملكة العربية السعودية لتحالف إسلامى تفرض على الأزهر تفكيراً ذا طابع إستراتيجى ربما لم يواجه من قبل يفوق ذلك الذى عرفناه من جماعات التبشير التقليدى وبين عمائم سوداء وقوى وأساطيل كبرى.


وقد لا حظنا جميعا الدور الوطنى المرموق الذى أداه الأزهر الشريف خلال فتنة حكم الإخوان، حيث كان أمامه الدكتور أحمد الطيب، وله نصيب وافر من المعرفة بالغرب وتعليمه وأساليبه كان فى قلب المجابهة مع التطرف وفى صدارة المواجهين لاستخدام الدين ضد الوطن وتفريغه تحت مسمى عالمية الدعوة من الانتماء الوطنى وكان ثبات الرجل وصبره الطويل على المتطاولين الصغار ثم نجاحه فى الالتئام مع أبناء مصر الأقباط ما حفظ لمصر وحدتها وساعدها على تجاوز محنتها. ولاشك أن هذا كله يعطينا الحق فى أن نرجو من الأزهر التطلع إلى مرحلة جديدة من التنوير يكون هدفها التخلص من خبث الدعايات الرخيصة التى حاولت هدم الدولة باسم الدين وكذلك إعادة الاعتبار لدور مصر الثقافى وفى القلب منه الثقافة الإسلامية سواء داخل مصر أو فى قلب القارة الأفريقية ويملك الأزهر أن يلعب دورا مهما وأن يقدم لمصر وقارتها الأفريقية إضافات شتى لدعم الهوية الأفريقية وتكريس استقلال الدول الأفريقية وربط ماضيها الإسلامى بحاضرها المعاصر ومنع توجهات العولمة والتغريب من أن تسحب معاها هوية القارة وأن تجرف أمامها استقلال الأفارقة واعتزازهم بتاريخهم وبدورهم فى نشر الإسلام وتفاعلهم مع الأمة العربية، وبوسع الأزهر أن يعيد ترتيب الأوضاع الإسلامية فى القارة بالتعاون مع الدول العربية فليس معقولا أن تطلع هذه الدولة أو تلك إلى دور إسلامى يفوق قدراتها لكن الأمر المنطقى أن تأتلف جميعها لرسم سياسية موحدة مثلما تفعل الدول الأوربية التى تصطف خلف الدول البابوية على الرغم من تعدد عقائدها المسيحية وفى هذا الصدد فإن هناك عدة صناديق عربية تعمل فى مجال الدعوة الإسلامية فى دول الخليج وليبيا والمغرب وهى تمتلك من القوة البشرية والمادية ما يمكن بتنسيقه أن يساعد على الحفاظ على هوية القارة الأفريقية، ونحن لا نذهب بعيدًا إذا قلنا أن دور الأزهر فى دعم هوية مصر الإسلامية يدخل أيضا من باب دعم هوية مصر الأفريقية ودعم هوية أفريقيا كقارة مسلمة مستقلة فهذه ليست أدورا متعددة بل هى زوايا أداء متعددة لدور واحد.


وفيما يتعلق بدور الأزهر بدعم هوية مصر الأفريقية، فإن مصر دولة عربية وإسلامية بنص دساتيرها المتعاقبة، وعلى الرغم من أن دورها الأفريقى ظل يصعد حينا ويهبط أحيانا، حسب سياسات قد تكون قصيرة النظر، والأخطر أن الدساتير المصرية قد خلت من الإشارة إلى كونها دولة أفريقية. ويمثل النص على ذلك فى الدستور الأخير عامل طمأنة مهمة للأشقاء الأفارقة إلى تواصل الدور المصري، ومصداقية التعاون المشترك فى المستقبل، كما أن النص على أفريقية الدولة المصرية يعد تصحيحاً لهذه الهوية المنتقصة التى أدار لها بعض صناع القرار السياسى ظهورهم فى المرحلة السابقة.


ونقترح إصدار « وثيقة الأزهر الأفريقية» التى تأتى بعد وثيقة الأزهر الخاصة بالمبادئ الأساسية للدولة المصرية وعلى رأسها مدنية الدولة، والأخرى الخاصة بالحريات العامة، لتضع البعد الأفريقى فى بؤرة تحقيق مصالح الدولة المصرية فى أفريقيا، ورسالة توجه إلى الجميع بأنها عائدة إلى قارتها، وأنها مصرة على الوجود فى بعدها النيلى والحفاظ عليه، وأن رسالة الأزهر فى نشر السلام فى ربوع القارة مستمرة.


ويقترح أيضا أن تحمل الوثيقة الأفريقية للأزهر دعوة لبناء السلام والتعاون بين شعوب القارة ومجابهة مشكلات الفقر والتخلف والتبعية والحث على التنمية والتقدم ودعم فرص القارة للحاق بالعالم المتقدم، وأن تشير الوثيقة إلى الرفض البات للإرهاب وحمل السلاح ضد الأنظمة السياسة، وضرورة اقتصار العمل الإسلامي، على الدعوة والموعظة الحسنة، وحفز المجتمعات الإسلامية على العمل الخيرى والتنموي.


إن إصدار هذه الوثيقة تحمل الأزهر ومصر معه إلى صميم الموقف السياسى الأفريقى وفى طليعة القيادة الأفريقية لمواجهة الإرهاب.


وفيما يتعلق بدور الأزهر فى تفعيل الدور المصرى فى أفريقيا، فان على الأزهر أن يواجه واقعا تبشيريا صعبا وأن يقوم بمراجعة خرائط العمل الثقافي/ الدينى فى أفريقيا، وأن يلاحظ انتشار عدد كبير من المراكز التبشيرية فى القارة فى محورين:


المحور الأول: يمتد بطول القارة الأفريقية من جنوبها إلى شمالها متبعا خط القاهرة الكيب، وهو خط تهيمن عليه المراكز الإنجيلية والبروتستانتية والثقافة الانجلوسكسونية ( البريطانية / الأمريكية / الكندية).


المحور الثاني: يمتد من السنغال فى غرب القاهرة الى أقصى الشرق وهو خط تهيمن عليه المراكز الكاثوليكية والثقافة الفرنسية (البلجيكية والإيطالية والإسبانية). ويتقاطع المحوران فى جنوب السودان (جمهورية جنوب السودان الحالية) وشمالى أوغندا ويمر كذلك بكل من وسط نيجيريا والكاميرون وتشاد صانعا مناطق صراع ومجابهة مع الحضارة الإسلامية فى أفريقيا، مهددا الدول الثلاث الأخيرة بالتقسيم بعد أن تم فعلا فصل جنوب السودان، وهو ما يحمل بذرة خطيرة لتفتيت بقية الدولة السودانية بدعم من جوارها الكاثوليكى والإنجيلى على السواء.


ومن الأهمية بمكان مراعاة عدم الصدام مع هذين المحورين، وأن يصطحب دور الأزهر معه آليات أخرى للثقافة العامة وخدمات الانترنت والخدمات الاجتماعية والصحية، وأن يتوجه بدوره إلى الشعوب الأفريقية مسلميها وغير مسلميها، وأن يعمل على دعم الاستقرار والتنمية فى القارة، وأن يساعد فى إذكاء روح التعايش الانساني، وأن يساهم فى الدعوة إلى حل الصراعات وفقا لهذه القواعد وأن يشجع كل المتصارعين على إلقاء السلاح والتفرغ لبذر البذور وانبات النبات والعيش الكريم وبذا يزرع الأزهر التنمية بديلا للصراع، على أن الأزهر لكى يؤدى هذا الدور عليه أن يراجع مفردات القوة التى يملكها ولاشك أنه يملك أعدادًا كبيرة من الخرجين الذى يمكن الافادة منهم فى تأدية هذه الرسالة فضلا عن العلماء الذى يوفدهم الازهر إلى الدول الإفريقية وعلى ذلك يقترح فى هذا المجال ما يلي:


الموفدون الأزهريون


إعادة النظر فى التوزيع الإقليمى لموفدى الأزهر بالقارة، بحيث يكون هناك تركيز محسوب على مناطق المصالح الوطنية سيما فى دول حوض النيل وتجمع كوميسا.


الإفادة من خريجى جامعة الأزهر ممن تخرجوا فى كلية اللغات والترجمة، فيوفدون الى مناطق انتشار اللغة الأفريقية التى درسوها، فإن من شأن هذا تحقيق اتصال مباشر مع المجتمعات الأفريقية، كما يبرز مدى اهتمام الأزهر باللغات الأفريقية واحترامه لها، وأن يعمل على إحياء المخطوطات الخاصة بهذه اللغات المكتوبة بالحرف العربى لأن فيها تاريخ هذه المجتماعات قبل الاستعمار الأوربى من ناحية وتاريخا طويلا من التواصل العربى الأفريقي.


الحرص على أن يكون الموفدون الأزهريون ممن يجيدون اللغات الأجنبية الرسمية لدول الإيفاد تعميما لحسن التعامل مع الأجهزة الرسمية والأهالي.


إعداد برامج تدريب راقية للعلماء الأزهريين قبل الإيفاد الى الدول الأفريقية، ويقترح فى هذا أن يقوم معهد البحوث والدراسات الأفريقية بجامعه القاهرة بعقد دورات متخصصة للموفدين إلى دولة موفد إليها تتناول المعلومات الأساسية عن هذه الدولة، والتاريخ والمصالح المشتركة وأساليب التعامل النفسى اللائق مع شعوبها ومسئوليها، فضلا عن المكونات القبلية والشعبية والاجتماعية لكل دولة، ونظامها السياسى والاقتصادي. ومن شأن ذلك أن يساعد الموفدين على تجاوز صدمة الاتصال الأول عند وصولهم للعاصمة الأفريقية، إضافة الى فهم المحددات العلمية للتواصل مع الإنسان الأفريقى المسلم وغير المسلم. كما يجب أن يشمل التدريب إلماماً بكافة الطيف الإسلامى بالدولة الأفريقية، وأن يكون الموفد الأزهرى عامل توحيد واجتماع لا فرقة وتقسيم، وعامل حل للمشاكل لا تعقيد لها.


من المهم أن يحمل الأزهر الى أفريقيا رسالة حضارية سامقة تتناسب مع الحياة العصرية فى القرن الحادى والعشرين، ومن ثم لا بد أن يجيد الموفدون الحاسب الآلى والعمل على شبكة المعلومات الدولية، وأن يتوفر لهم اتصال مباشر مع كل من لجنة الفتوى بالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، لحسن التعامل فى المجالات المتخصصة للإفتاء.


يدخل فى رسالة الأزهر الحضارية أيضا لفائدة تخفيض نفقات الإيفاد أن يتم اختيار بعض الموفدين القادرين على حمل رسالة مصر التنموية فى أفريقيا كأن يختار النابهين من الخريجين من الكليات العملية لاسيما الطب والهندسة والزراعة شريطة حسن تدريبهم على الخطابة والدعوة للقيام بالجمع بين الدورين الدعوى والتنموي.


وللمساعدة على الإضافة فى المجال التنموى وتوحيداً للجهود المصرية المتناثرة يقترح إعادة الاعتبار للأداء الوطنى المنسق للدور الأفريقى استنادا الى وجود مقرات لشركة النصر للاستيراد والتصدير، أو مقرات للشركات المصرية العاملة فى أفريقيا ومنها شركة النصر للاستيراد والتصدير وشركة المقاولون العرب ويمكن الجميع لتأسيس «البيت المصري» فى العاصمة المحددة «البيت المصرى فى أسمرة» أو «البيت المصرى فى أديس أبابا» أو « البيت المصرى فى كمبالا» أو « عنتيتي». ويضم البيت الواحد معرضًا دائمًا للمنتجات المصرية ويعمل مديره فى مجال التجارة الالكترونية للتنسيق فى هذا الصدد، كما يتوفر به خبراء محدودون لمعاونة الدول الأفريقية فى المجالات الزراعية والصحية والتكنولوجية، وحبذا لو كان هؤلاء من خريجى الكليات العلمية الأزهرية وأن يكون لهم دورهم الدعوى أيضا.


الخريجون الأفارقة


يعد الخريج الأفريقى من الأزهر الشريف أحد أهم عوامل التواصل مع أفريقيا، ويمكن تفعيل دوره فى هذا المجال بحسن توظيف مقدرات العملية العلمية والتعليمية وربطه – حال عودته- بمصر وأزهرها الشريف، وذلك لاستثمار هذا الدور والإفادة منه، وذلك على النحو التالي:


لما كان يغلب على الخريجين الدراسة فى الكليات الشرعية، فإنه يقترح زيادة عدد المقبولين من الوافدين الأفارقة بالكليات العملية، لدعم دورهم التنموى فى بلادهم وفى هذه الحالة لابد من إيلاء الدراسة فى المجال الدعوى اهتماماً خاصا حتى لا يكتفى بالدراسة العملية فى الطب والهندسة والزراعة ويكون خالى الوفاض فى المجال الديني، وقد يفرض هذا إعداد برنامج دراسى خاص بهم فى هذا المجال الدعوي.


لما كانت اللغة العربية مطلباً دراسيا مفترضا ولا بد منه فى العلوم الدينية فإن إعداد برامج خاصة للطلاب الأفارقة فى مجالها – بخلاف البرامج المتاحة للطالب المصرى أو الليبى مثلا- هو أمر مهم لدعم الروابط اللغوية القادرة على تحقيق التواصل مع الطالب الأفريقي، مع تأسيس مراكز لتعليم اللغة العربية للراغبين فى تعلمها جنبا إلى جنب مع ممارسة الدعوة الإسلامية


يدخل فى الاهتمام باللغة العربية للخريجين دعم التواصل معهم بعد عودتهم لبلادهم، وذلك من خلال برنامج متخصص، وإدارة مستقلة بالأزهر تدير هذا التواصل، مع دعم رابطة خريجى الأزهر الشريف، عبر تأسيس فرع للرابطة بكل دولة أفريقية، أو على الأقل لها أهمية خاصة بالنسبة للمصالح المصرية.


ويمكن لهذه الإدارة المستقلة وعبر موقع الكترونى مرموق، أن تعمل على إتاحة الكتب والدراسات والبحوث والفتاوى التى يحتاج إليها الخريج الأفريقي، وتجتهد لتزويد الخريجين بها والتواصل معهم وربطهم بأساتذتهم حرصا على استمرار العلاقة العلمية والإنسانية، بغية استمرار دور الأزهر مع الخريجين مدى الحياة.


يمكن لهذه الإدارة أو الرابطة أن تنظم مؤتمرات يدعى إليها الخريجون المرموقون، كما يكون من مهامها دعوة كبار العلماء الأفارقة الى مؤتمرات الأزهر العلمية والدينية ومساعدتهم فى إجراءات الدراسات العليا أو الدراسة عن بعد، وكذا مساعدتهم لعقد مؤتمرات يدعى إليها العلماء الموفدون من الأزهر فى بلدانهم وغير ذلك من الوسائل التى تساعد على المراجعة والمتابعة المستمرة معهم.


وقد يكون من شأن هذا الأسلوب فى العمل بعث فكرة « المراكز الإسلامية» بالقارة ، لاسيما فى مناطق الاهتمام المصري، والتى يمكن لها أن تساعد على حسن التنسيق الدعوى والاجتماعى بين الأزهر وخريجيه، وكذا متابعة أوضاع المسلمين والمعاونة فى مجابهتها، وتوفير الحشد المطلوب فى أوقات الحاجة الاجتماعية والإنسانية، وبصفة خاصة أن يكون للمركز الأزهرى دورا فى حالات الصدام المسلمح أو الكوراث الطبيعية فى الإغاثة وإعانة الملهوف ورعاية اللاجئين والمهجرين بما يبقى الأوهر مؤديا لدوره الحقيقى على أرض الواقع كما هو مسطور فى متون الكتب.


وأخيراً إن خريج الأزهر من الكليات الشرعية نادرا ما يحظى بوظيفة رسمية لعدم وجود نظام التوظيف الديني، وغياب وزارة الأوقاف فى أغلب الدول الأفريقية، وقد يترتب على هذا الوضع اعتماد الخريج على المجتمع المدنى فى توفير نفقاته للدعوة، ومن ثم قد يتعذر عليه القيام بدوره الدعوي، كما يعانى إنسانيا واجتماعيا فى ظل البطالة وعدم القدرة على متطلبات الزواج والإعالة. وعلى جانب آخر فإن الخريج الأزهرى غالبا ما يحسب على قوى المجتمع التقليدى والقبلى والنمطى ولا يحسب على قوى التقدم والعلم الدنيوى والتنموي. ومن ثم لا بد من عكس الوضع بحيث يصبح قوة تقدم علمى وتنموي. وأقرب الطرق إلى هذا هى ترتيب برامج التدريب على الحاسب الآلى ونيل دورات متقدمة فى البرمجة والتدريب على برامج المحاسبة والصيرفة والتجارة الالكترونية، حتى يحتل مكانا راقيا ويصبح ميسور الحال، كما يستطيع قراءة الأسواق الوالمجتمعات، وهذا كله يجعل رسالته الدعوية أيسر، فيقدم صورة مشرفة للتعليم المصري.


وقد يبدو التطور المنشود صعبا وبعيداً، وقد يكون تمويله مكلفاً، لكنه ليس مستحيلا إذا ما تم تبنى الكليات ذات الصلة مثل التجارة والحاسبات وبرامج المعاونة فى المشروعات الصغيرة، وجرى توفير التمويل عبر التبرعات والالتحاق بالجهات الدولية والإسلامية المانحة، وهذا كله يجعل الصعب سهلا والبعيد قريبا، والمهم آخر الأمر هو إدارة متخصصة تضم مبدعين ذوى عطاء خلاق وإيمان عميق بالرسالة الأزهرية ليس فقط على الصعيد الإسلامى بل أيضا على الصعيد الإنسانى والاقتصادي/ الاجتماعي. وإن بوسعنا أن نجرب دعوة كريمة لانفاذ مثل هذه البرامج عبر دعوة الناس للتبرع لهذا الجهد وسوف نرى كيف تكون الاستجابة.


إن برنامجا واحدا ذكيا قد يكون أكثر فائدة من هياكل كبيرة غير منظمة وغير فاعلة. وبوسع هذا البرنامج أو تلك الإدارة تحقيق تواصل مهم مع خريجى الأزهر، وفيما يخص مناطق التركيز الأفريقية لعمل الأزهر الشريف، فإن الضرورة الوطنية والمصالح القومية تتطلب إيلاء اهتمام خاص بعدة دول تقع مباشرة جنوب الصحراء الكبرى واتحاد الدول العربية فى شمال القارة وهى كل من الصومال وأرتريا على البحر الأحمر وأثيوبيا وجنوب السودان وأوغندا والكونغو من دول حوض النيل، فضلا عن كل من تشاد والسنغال ومن الملاحظ أن بعض هذه الدول تعتبر اللغة العربية لغة رسمية ثانية أو لغة قومية، سيما كل من أرتريا والصومال وتشاد والسنغال فضلا عن كون العربية – عربى جوبا أو عربى دنكا – لغة الحياة اليومية بين القبائل فى جنوب السودان.


ويدخل فى هذا تبنى الأزهر توضيح المفاهيم الصحيحة فى بعض الدول التى تعانى من الإرهاب بأن تدخل بأشكال شتى لدى جماعة مثل الشباب المجاهدين فى الصومال أو بوكو حرام فى نيجريا أو جماعات الطوارق فى مالى سيطرح لمصر دورا معاصرا يقوم على بناء السلام فى القارة، وحبذا لو كان ذلك متسقًا مع آليات العمل الأفريقى الأخرى التنموية منها (الكوميسا وبقية المجتمعات) أو مع مجلس السلم والأمن الأفريقى فى مجال مجابهة الصراعات والحروب الأهلية وظواهر الهجرة غير الشرعية والإتجار فى البشر وغيرها.


وقد يقول قائل إنك تحمل الأزهر ما لا يحتمل، ولكن الحقيقة التى لا يدركها البعض أننى رأيت بعينى رأسى عالما جليلا من علماء الأزهر يقف فى أواخر الثمانينيات بين قوات الجيش الصومالى بقيادة الرئيس الراحل محمد زياد برى وقوات أحد المتمردين عليه مما تولوا منصب الرئيس بعد ذلك خلال الحرب الأهلية، وأوقف الطرفان إطلاق النار احتراما للشيخ الجليل، ولكنه سرعان ما استدعى إلى القاهرة لانتهاء مدة عمله بالصومال وقبل أن يعود ما يحل محله شهد الصومال الانفجار الكبير.


إن انخراط الأزهر فى هذا الدور التنموى والسلمى لمما يزيد قوته ويعطى لدعاته رسالة الإسلام الحقة، شريطة أن يتم إعدادهم لهذه المهمة.


وتقتضى هذه الدول إعداد برامج خاصة للغة العربية سواء من حيث برامج التدريس على هيئة كتب أو أسطوانات، فضلا عن تأسيس مراكز تعليم اللغة العربية بالجامعات المحلية، ولما كان هذا المشروع يتطلب طباعة كتب، والتزويد بمعامل لغوية ومراكز التدريس، كما أنه ذا طابع قومى إضافة إلى البعد الدينى فيه فإنه يمكن التواصل مع كل من الدول المعنية وإدارة العلاقات العربية الأفريقية بجامعة الدول العربية ومعهد العلاقات العربية الأفريقية بالاتحاد الأفريقي.


ونظراً لضخامة المسئوليات التى يتطلبها هذا المشروع فإن من المهم التنسيق مع جهات تمويل عربية قد تملك المال، ولكن تحتاج الخبرة الأزهرية والمهارات الفنية والإدارية المصرية. ومن هذه الجهات رابطة العالم الإسلامي، ورابطة الجامعات الإسلامية، وجمعية الدعوة الليبية، وصناديق التمويل فى دول الخليج العاملة فى هذا المجال الدعوي، والجمعيات الخيرية والهلال الأحمر وصندوق الزكاة والصدقات الجديد وغير ذلك من هيئات، ولو بنسب محددة.