قال إن التصالح يجلب مليار جنيه فقط د. عبدالخالق فاروق: ٢٥٠ مليار دولار حجم أموالنا المهربة إلى الخارج

13/04/2016 - 1:20:09

  الزميلة أميرة صلاح أثناء حوارها مع د. عبدالخالق الزميلة أميرة صلاح أثناء حوارها مع د. عبدالخالق

حوار- أميرة صلاح

 سقط الرئيس مبارك فى الحادى عشر من فبراير ٢٠١١، لكن نظام مبارك لم يسقط على ما يبدو. أموال رموز هذا النظام لا تزال تتمخطر فى أوربا، ودول أخرى، تتمتع بحرية كبيرة فى التنقل بالأموال أينما شاءت، كما أن أعوان هذا النظام، أحرار، خارج السجون، سواء كانوا فى مصر، أو خارجها. فى الحقيقة، نسى المصريون، تقريبًا، حكاية الأموال المنهوبة، حتى خرجت قبل أيام ما تسمى بـ»وثائق بنما»، وهى أوراق تكشف فضائح مالية عالمية، كشفت عنها شركة «موساك فونسيكا» للخدمات القانونية، وهى تُظهر شبكة من التعاملات المالية السرية، تورط فيها عدد من الشخصيات العامة والمسئولين فى مختلف دول العالم، ومنهم الرئيس المخلوع محمد حسنى مبارك ونجلاه علاء وجمال.  عبدالخالق فاروق، الخبير الاقتصادى المعروف، الذى أعد كتبًا وأبحاثا عن قضايا الفساد المالي، حاورته «المصور» وتعرفت منه على تفاصيل أكثر فى هذه المسألة. سألته: هل هناك إمكانية لاسترداد أموال المصريين المهربة إلى الخارج؟ وكم من الوقت يمكن أن تستغرق هذه العملية، وما هى أدوات الاسترداد؟


الخبير الاقتصادى اعتبر أن وثائق بنما، هى محطة من محطات الملاذات الضريبية التى كان يستخدمها آل مبارك لإخفاء وتهريب الأموال، لكنه أكد إمكانية استرداد هذه الأموال فى خلال سنوات قليلة، مشددًا على أن عدم فتح الملف بشكل سليم، يضرّ بشرعية نظام الرئيس السيسى.


فى البداية.. كيف ترى وثائق بنما؟  


 الوثائق هى نقطة فى بحر، وكذلك كل ما قيل بشأن ممتلكات علاء مبارك، وليس هو بمفرده بل وأخيه جمال وحوالى ٢٠٠ شخصية من كبار رجال المال والأعمال، الذين كانوا محيطين بالرئيس الأسبق مبارك وأبنائه، معظم هؤلاء قاموا بتهريب الأموال وإيداعها سواء فى أوعية مصرفية أو فى أنشطة ومشروعات مختلفة. وبالتالى ما تم كشفه فى بنما هو جزء صغير جدا مما هو موجود فى دول أخرى مثل قبرص، جزر فيرجن آيلاند، وجزر البهاما، أو فى جزر كايمان، فهناك حوالى ٥٠ ملاذا ضريبيا آمنا لكل من يقوم بعمليات غير مشروعة، سواء عمليات تهريب أموال أو التهرب من الضرائب بشكل أو بآخر، ومن ثم فإن ما كُشف فى بنما هو جزء من عملية أوسع نطاق سوف تتكشف خلال الأسابيع القليلة القادمة. 


وهل لهذه الوثائق شرعية قانونية تسمح بإعادة فتح قضايا الفساد مرة أخرى؟


هذه الوثائق صادرة من جهة معنية وهى مؤسسة تقوم بعمليات الخدمات المالية لعملائها وعملاء بعض المصارف والمؤسسات، وبالتالى فهى تتحمل المسئولية القانونية شأن هذه الوثائق وما قانونيتها ومدى مصدقيتها، لأنها تتضمن تحولات مالية من مصرف إلى مصرف أو شراء لصالح عميل سواء عقارا أو شركة، وبالتالى هى متعلقة بوقائع مالية تمت بالفعل ولها أصل ومستند فى الحرة المالية، ولذلك فمن المرحج أن تكون هذه المستندات صحيحة.


 ولكن الأهم أن توفد الحكومات المعنية مجموعة من الخبراء القانونين والخبراء الاقتصاديين وخبراء النقد والمصارف والبنوك ويتم تشكيل لجنة على مستوى عال من أجل فحص هذه المستندات المتعلقة بأى شخصية لها علاقة بمصر، ولها علاقة بالأموال المشكوك فى تهريبها من مصر أو جاءت نتيجة أنشطة غير مشروعة، هذا هو الإجراء القانونى والسياسى الصحيح التى تتخذه أى حكومة تحترم شعبها وحريصة على محاربة الفساد واسترجاع الأموال التى هُربت من الفاسدين والمفسدين.


 ومعنى ذلك أن هناك امل فى استيراد هذه الأموال؟


طبعا، هناك أمل كبير، وهذا يتوقف على طريقة إدارة هذا الملف، فمن اللحظة الأولى لحكومات ما بعد الثورة وهذا الملف يدار بطريقة غير كفء وخاطئة، منطلقا من فكرة مغلوطة بأن هذه المعركة ذات طبيعة قضائية فقط. ولكن المعركة سياسية بامتياز، ومن لا يعلم ذلك لا يعلم شيئا عن العلاقات الدولية وطبيعتها، فهى قضية سياسية ثم أنها قضية أمنية وقضائية، كما أنها قضية ذات طبيعة مدنية جماهيرية ينبغى أن تشارك فيها منظمات المجتمع المدنى لتوفير ظهير مدنى للقضية


لأن دولا مثل بريطانيا، ألمانيا، فرنسا أو سويسرا أوغيرها ستحرص بقدر الإمكان على أن تظل هذه الأموال داخل اقتصادها، لأن جزءا كبيرا من هذه الأموال عادة ما يتم الاستيلاء عليه إما بوفاة صاحب الأرصدة أو عدم عثور الورثة على «كلمة السر» الخاصة بهذه الحسابات.


هل القانون الدولى يعطى لمصر حق استرداد الأموال المهربة؟


 نعم، فهناك أربع اتفاقيات دولية تعطى لمصر هذا الحق أهمها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد وهذه مظلة قانونية دولية، تسمح لنا لاستيرداد هذه الأموال إذا ما أثبتنا أنها ناتجة من فساد واستغلال نفوذ وتربح من الوظيفة العامة. ثانيا: هناك الاتفاقية الأوربية لمحافكة الفساد والرشوة تعطى مصر سند من المشروعية القانونية لدى الدول الأوربية. وثالثا: الاتفاقية الأفريقية لمكافحة الفساد وهذه أيضا يمكن الاستناد إليها إذا ما تبين أن هناك أموالا لبعض الأشخاص موجودة فى بعض الدول الأفريقية، وأخيرا الاتفاقية العربية، ومعظم الدول صدقت عليها، وهى أيضا سند قانونى يسمح بالمطالبة بهذه الأموال.


وماذا عن الدول التى ليس لدينا اتفاقيات معها؟


 هذه القضية ليس لها علاقة بالاتفاقيات الثنائية، وإنما تعتمد على الاتفاقيات ذات الطبيعة الدولية بمعنى أن هذه الدول وقعت عليها، ومعظم دول العالم صدقت على اتفاقية الأمم المتحدة، وهذه الاتفاقية تلزمهم بالتعاون مع الدول المسروق منها أموال، إذا ما توافرت الشروط القانونية الخاصة بذلك. ولهذا فالمحور الشعبى من اللجنة المتخصصة مهم جدا لأن تشكل بؤر ضغط من الرأى العام هناك قد يشُكل «كارت ضغط» يمنع هذه الدول من التهرب من هذا الاستحقاق القانونى والأخلاقي.


وكيف تتم إدارة هذا الملف بشكل صحيح يسهم فى عودة الأموال فعلا إلى مصر؟


 لابد أن يُعاد هذا الملف إلى مساره الصحيح، وذلك بتكليف الجهاز المركزى للمحاسبات تحديدا، لأنه لديه أكبر عدد من الكوادر الفنية التى تستطيع أن تقوم بعمليات الفحص المستندي، فهى ليست قضية تحريات بوليسية، جزء منها بلاغات قدمت ضد الفاسدين وجزء منها متعلق بوقائع مادية لابد من فحصها.


 ويجب أن تشارك أجهزة التحريات أيضا سواء الرقابة الإدارية ومباحث الأموال العامة، وهيئة الأمن القومى فى إطار عمل جماعى ينتهى بتقارير موثقة بشأن المستندات والأوراق التى تثبت مدى مشروعية أو غير مشروعية هذه التصرفات ثم تقدم لجهة القضاء «النائب العام» باعتباره محامى الشعب لرفع هذه الدوعاى أمام المحاكم المصرية. ولو كان هذا المسار تًشكل من البداية كان توفر لنا بوصلة الحركة الصحيحة لتتبع هذه الأموال وتتبع المفسدين ووضع اليد بطريقة صحيحة وقانونية على أصوالهم وممتلكاتهم الموجودة فى مصر، ثم تجهيز القضايا التى تسهل على القضاء أن يحكموا بأوراق مستندة إلى وثائق وأوراق حقيقة مستوفاة الأركان.


ويجب على الرئيس عبدالفتاح السيسى تطهير هذا الجرح بأن يبدأ بفتح تحقيق فى صفقة المراج وأيضا يفتح تحقيق فى العصابة الذى كونها الرئيس الأسبق مع رجل الأعمال «حسين سالم» من عام ١٩٧٩ فى تجارة السلاح والحصول على عمولات، وكان مخالفا للقوانين المصرية والأمريكية، حتى نتطهر من أى دعاوى أن هذا الرجل كان على درجة من الشرف. وكذلك يجب التدقيق فى كل ما يخص حسين سالم فهو الأب الروحى لكل العمليات المشبوهة التى قام بها «مبارك» مثل تأسيس الشركات والخروج منها وتأسيس البنوك والخروج منها، فهو المفتاح لكثير من تقاطعات عالم البزنس وعالم تجارة السلاح وعالم المخابرات والجاسوسية، فهو نقطة التقاء هؤلاء.


وكم يمكن أن تستغرق عملية استرداد الأموال من الوقت؟


ذلك يتوقف على حجم الجهد المبذول والإرادة السياسية الحقيقة لإدارة هذا الملف، وعلى اللجنة المُشكلة أن تعلم أنها معركة طويلة، وإنها تحتاج لمخلصين للوطن، أن صار ملف التحقيقات وفقا لما بينته فإننا قد نحقق نتائج جيدة خلال عامين «تبدأ البشاير» مثل ما أعلنت عنه سويسرا وفرنسا، وإذا إدير هذا الملف بحماس وبإخلاص وبطريقة حرفية متخصصة وبالتعاون مع شركات بالخارج مهمتها التحرى عن هذه الأموال، يمكن خلال ٥ سنوات أن نسترد الجزء الأكبر من هذه الأموال.


 وجزء كبير من هذه الأموال ليس موجودا فى إيداعات مصرفية، وإنما موجود فى شركات ومحافظ مالية متعددة ومع شركاء على قدر كبير من الأهمية لتوفير غطاء من الحماية، لذلك هذه العملية تحتاج لجهد مصرى مكثف.


وهل هناك حساب دقيق لقيمة الأموال الموجودة فى الخارج؟


إجمالى المبلغ الموجود فى الخارج ٢٥٠ مليار دولار، وذلك وفقا لحسابات أعددتها عبر عدد من الدراسات وآخرها كتاب أعمل عليه حاليًا بعنوان «نهب مصر الثاني» حول تفاصيل تهريب الأموال والأشخاص المتورطة. وفى حالة استطاعت مصر الحصول على التأييد الدولى فى استرداد الأموال، نستطيع مخاطبة البنوك لتجميد الحسابات ومنع السحب منها، وبذلك يمكنا الحصول على الأموال وفوائدها. ولكن الأهم والأخطر هو حصصهم فى الشركات على مستوى المنطقة والعالم، وهذا يحتاج لجهد دولة وليس جهد باحث.


وهل طرق الاسترداد هذه لا تزال قائمة وفعالة حتى الآن؟


طبعا لأن أغلب القوانين مازالت مستمرة، كما أن معظم رجال الأعمال نقل أنشطته الرئاسية للخارج، ولكن الذين كانوا يعملون فى العمليات السريعة مثل سمسرة فى الأراضى والشركات، مثلا أحد المستثمرين سُئل فى قناة العربية ٨ / ١٠ /٢٠١٤ فى برنامج شخصيات اقتصادية عن الصفقة التى حققت نقلة كبيرة، أجاب أنه عام ٢٠٠٤ قام بشراء شركة أسمنت بـ٥٣ مليون دولار وبعد فترة باع جزءا منها بـ٨٠٠ مليون دولار، ولم يدفع عنها ضرائب، لأنها تمت من خلال البورصة. وغالبا هذه الطبقة من رجال الأعمال كونت ثرواتها إما عن طريق المعونة الأمريكية أو من الأراضى والخصخصة وبيع الشركات العامة، أو من تمويل البنوك المصرية ثم تهريب الأرباح للخارج.


وما رأيك فى دعوات التصالح مع رجال الأعمال؟


تم رفع شعار التصالح مع رجال الأعمال بعد ثورة ٢٥ يناير، وليس بالجديد والمجلس العسكرى أصدر قانونا بشأن ذلك، وهذا صدم الرأى العام، لأنه لا يوجد لص قام برد الأموال للشعب على مدار التاريخ. كما أن التصالح سيكون على الجزء الظاهر فقط من ثروات رجال الأعمال الذى لا يمثل سوى عشر حجم الثروات الخفية التى يملكها هؤلاء، كما أن التصالح يصيب الشعب المصرى بالإحباط، لأنه كان يريد القصاص ممن هم نهبوا الدولة على مدار ٤٠ عاما. والسبب الأهم أن هذه إشارة لكل الفاسدين المحتملين أنهم مهما قاموا بعمليات غير مشروعة سوف يتم التصالح إذا ما تم ضبطهم فى المستقبل، وهذا يهز الثقة فى فكرة القانون نفسه «الحساب والمحاسبة»، وبالتالى هذا المبدأ يعطى معنى أن من يملك يستطيع أن يهرب من المحاسبة بدافع التصالح. وإغلاق ملف استرداد الأموال يضرّ بشرعيّة نظام السيسي، لأن الشعب المصرى ليس ساذجاً أنهم حتى لو البعض حصل على براءة من بعض القضايا لعدم كفاية الأدلة، لا يعنى أنهم لم يسرقوا الثروات المصرية على مدار ٣٠ عاما.


وهل لجأت الدولة لمبدأ التصالح بعد يأسها من استرداد الأموال؟


 التصالح ليس نتيجة يأس، إنما هو نتيجة سوء الإدارة وغياب الإرادة والرؤيا السياسية، مثلا فى عهد «مرسى» وجماعة الإخوان، كانت الجماعة والرئيس المعزول متواطئين وشركائهم فى الأنشطة مع رجال أعمال مبارك، وحتى بعد وجودهم فى الحكم كان بعضهم مثل أحمد أبو بركة المحامى وصبحى صالح يعرضون على بعض رجال الأعمال تسوية الملفات والقضايا فى مقابل الشراكة فيها أو دفع مبلغ ضخم لصالح التنظيم، صحيح أن جزءا سيذهب للدولة ولكن ليس بحجم المبلغ الذى سيذهب للتنظيم.


  وفى حالة تطبيق التصالح.. هل سيشمل «آل مبارك» أيضا؟


 مادمنا طبقنا هذا المبدأ سهل جدا أن يأتى محامى مثل فريد الديب يطالب بالمساواة بين المتهمين، مع أن جرم «مبارك» أشد من الآخرين لأنه كان يحكم وأخل بالقسم الدستوري.


 وهل التصالح سيضم كل قضايا الفساد المالى؟


 أتوقع أن يبدأ التصالح مع رجال الأعمال المستولين على الأراضى للحصول على جزء من الأموال المهربة، وإذا تم ذلك سوف يتم التعامل مع رجال الأعمال والسياسيين الذين تربحوا من علاقتهم بعلاقتهم بالنظام، ولكنى أستبعد الحصول على أموال من عملية التصالح وهذا يعد «وهم»، لأن هؤلاء الأشخاص أموالهم الحقيقة مخفية بطريقة محكمة ولن يتم ذلك عن طريق التصالح.


وما حجم الأموال التى يمكن أن نستردها؟


 يمكن عن طريق الإدارة الجيدة من قبل لجان استرداد الأموال المُشكلة أن نسترد ١٠ أضعاف ما يمكن أن نحصله من التصالح، ثم بعد ٥ سنوات نستطيع أن نسترد أكثر من نصف الأموال المهربة فى الخارج والتى تقدر بشكل إجمالى ٢٥٠ مليار دولار. ولكن عن طريق التصالح أقصى مبلغ يمكن الحصول عليه هو مليار جنيه فقط.



آخر الأخبار