لديها أربع مناطق للملاذات الضريبية العربية تروج لها: أمريكا.. ووثائق بنما!

13/04/2016 - 1:16:08

بقلم - عبدالقادر شهيب

رغم أن وثائق بنما كما أعلن الاتحاد الدولى للصحفيين الاستقصائيين يتجاوز عددها ١١.٥ مليون وثيقة تتعلق بأكثر من ٢١٤ ألف شركة أوف شور فى العالم ينفى أصحابها ومؤسسوها من مائتى دولة، وتطال نحو ١٤٠ زعيما وسياسيا فى العالم منهم ١٢ رئيس دولة وحكومة سابق.. أو حال، إلا أنه لم يعرف حتى الآن - والأغلب أنه لن يعرف مستقبلا - من سرب هذا الكم الضخم من الوثائق الاقتصادية.. صحيح أن كل هذا العدد الكبير من الشركات قد تم تأسيسها علنا وليس سرا، لأن المناطق التى أقيمت فيها بالعالم تسمح بتأسيس هذا النوع من الشركات، بما يفهم أن تسرب هذه الوثائق ليس صعبا بل هو أمر متاح..


وصحيح أن هناك جهات رسمية عديدة لديها مثل هذه الوثائق، ولا يقتصر فقط على مكتب المحاماة، الشهير الذى تولى تأسيس كل هذا العدد من شركات أوف شور، وهو مكتب موساك مونسيكا، الذى سارع بنفى تسريب هذه الوثائق مثلما نفى علمه باستخدام كل أو بعض هذه الشركات فى تهريب أو غسيل أموال.. لكن يظل تجميع كل هذا الكم الهائل والضخم من الوثائق تم تسريبها إلى أحد الصحفيين يعمل فى صحيفة ألمانية من شخص مجهول أصر طوال الوقت -أى طوال وقت عملية التسريب- على أن يظل مجهولا ولا يعلم أحد بأمره أو شخصيته، وحرص على أن يغير من وسائل وطرق اتصاله الإلكترونى بالصحفى الألمانى حتى لا يتتبعه أحد أو يتعرف عليه ولو من باب الفضول، هذا الصحفى الألمانى وزملاؤه وإدارة التحرير فى صحيفته.


كذلك عندما قامت هذه الصحيفة بالاتصال بالاتحاد الدولى للصحفيين الاستقصائيين لتبلغه بالأمر، ثم لتحيل إليه كل هذا الكم الضخم من الوثائق التى سربت إليها، فإن هذا الاتحاد قام بدوره بتوزيعها على نحو ٣٧٠ صحفيا ينتمون إلى نحو ٧٠ بلدا فى جميع أنحاء العالم لكى يتحققوا من صحتها وسلامتها، أى أنها ليست مزيفة أو مزورة،.. وقضى هؤلاء الصحفيون - كما أعلن الاتحاد العالمى الذى يتخذ مقرا له فى نيويورك - نحو العام فى البحث والتدقيق.. غير أن أحدا منهم لم يهتم بمن سرب هذه الوثائق) التى تأكدوا من صحتها)، وما هى أهدافه من هذا التسريب؟.. وهل هو يبغى إثارة بعض الفضائح الصحفية، والاقتصادية والسياسية فقط، أم له أهداف أخرى؟.. وأيضا هل هو جاء فى تعقب الفساد وعمليات تهريب الأموال وتهرب أصحابها من دفع الضرائب والتورط فى عمليات غسيل أو تبييض لها أم أنه يبغى شيئا آخر ربما لا علاقة له بمحاربة الفساد وفضح الفاسدين.. أى ربما كانت له مآرب أخرى.. لم يهتم لا الاتحاد العالمى للصحفيين الاستقصائيين ولا الصحفيين الذين وزع عليهم هذه الملايين من الوثائق بتقديم إجابات على هذه الأسئلة المهمة، رغم أنها تدخل ضمن إطار أى استقصاء كان يتعين القيام به، أو أى جهد بحثى لهم.


وهكذا ظل ذلك المجهول الذى سرب كل هذا الكم الضخم من وثائق بنما مجهولا كما رغب.. وظل أيضا هدف عملية التسريب غير معروف.. حتى عندما بدأ الاتحاد الدولى للصحفيين الاستقصائيين يفرج عن هذه الوثائق ويذيعها وينشرها على الملأ لم يهتم كل الذين تابعوها بهذه الأمور.. لقد شد انتباهم بالطبع مضمون الوثائق، وتحديدا ذلك المضمون الذى يخص عددا من المشاهير فى العالم مثل الرئيس الروسى بوتين أو رئيس الوزراء البريطانى كاميرون، أو رئيس وزراء باكستان السابق نواز شريف، أو رئيس وزراء ايسلندا، الذى اضطر للاستقالة بعد اندلاع مظاهرات شعبية، أو رئيس أوكرانيا أو الرئيس الصينى الحالى ورئيس وزراء الصين السابق أو أعضاء فى الفيفا والاتحاد الدولى لكرة القدم وعددا من نجوم الكرة السابقين والحاليين، وبالنسبة لنا فى مصر علاء مبارك بالطبع وكأن ذلك أمر مفهوم نظرا لأممية كل هذه الشخصيات ولدورها السياسى وغير السياسى ، فضلا عن جماهيريتها وشهرتها، خاصة أن الاتحاد الدولى للصحفيين الاستقصائيين أكد أن كل هذه الوثائق سليمة، وأن مكتب المحاماه الدولى الذى أنشأه يوساك قبل ٣٠ عاما مضت لم يطعن فى صحة هذه الوثائق، وكل ما اهتم به فقط هو نفى علمه بكيفية تسربها فقط. وكما اهتم الناس كذلك بمتابعة ردود الأفعال التى أحدثها الإعلان عن هذه الوثائق المسربة، ابتداء من تصريحات الرئيس بوتين التى قال فيها إن عملية التسريب تستهدف النيل منه ومن روسيا، ومرورا باستقالة رئيس وزراء ايسلندا، وانتهاء باضطرار كاميرون للمساءلة أمام البرلمان، وأخيرا وليس آخرا تصريحات محامى أسرة مبارك الذى قال فيها إن تأسيس موكله علاء شركة أوفشور عمل قانونى ولايعرضه للتأميم أو التجريم أو المحاسبة القانونية.


والأغلب أن الأمور سوف تظل تسير فى ذات الاتجاه.. اتجاه تعرض بعض المشاهير، ومنهم مسئولون وسياسيون حاليون وسابقون ليس فقط للحساب القانونى ، وإنما للحساب الجماهيرى والسياسى من قبل شعوبهم ومن قبل وسائل الإعلام العالمية.. وبالإضافة إلى ذلك سوف تتأثر سمعة تلك المناطق التى تعرف باسم مناطق الملاذات الضريبية المتناثرة فى العالم، خاصة تلك المناطق التى تناولتها وثائق بنما على رأسها بالطبع مناطق الجزر البريطانية.. سوف يبدأ الناس ينظرون إلى هذه المناطق ليس فقط باعتبارها ملاذات ضريبية يلوذ ويلجأ إليها أصحاب الأموال للتهرب من دفع الضرائب التى يضطرون لدفعها فى بلادهم إذا أسسوا شركات، باعتبارها مناطق مشبوهة.. وهذا لم يطمئن أصحاب الأموال الكبيرة والضخمة، وبالتالى سوف يبحثون عن أماكن بديلة للملاذات الضريبية غير تلك المناطق التى طالتها بالتشهير وثائق بنما .


وهذا تحديدا ما التقطه صحفى ألمانى فى الاقتصاد يدعى أرنست وولف .. ورتب عليه أن نتيجته جديرة بالبحث والدراسة بإمعان واهتمام قد تفيدنا فى معرفة من سرب هذه الوثائق التى يتجاوز عددها ١١٫٥ مليون وثيقة، وماهو الهدف الذى ابتغاه من عملية التسريب. يقول ذلك الصحفى الألمانى المتخصص فى الاقتصاد إن مناطق الملاذات الضريبية فى العالم لن تختفى ، وأن هناك عملية إعادة توجيه للأموال من مناطق الملاذات الضريبية التى تناولتها الوثائق المسربة وطالتها إلى مناطق أخرى، نظرا لأن أصحاب الأموال الكبيرة سوف يظلون يبحثون دوما عن مناطق الملاذات الضريبية والمناطق البعيدة عن رقابة الدول والحكومات، وبالتالى سوف يبقى نظام تأسيس شركات الأوفشور موجودا ومستمرا ومعمولا به فى العالم.


ويتنبأ الصحفى الألمانى المتخصص فى الاقتصاد أن تنجح أمريكا بعد فضائح وثائق بنما فى اجتذاب نحو ما بين ٣٠-٤٠ تريليون دولار من هذه الأموال فى أربع مناطق للملاذات الضريبية موجودة لديها وهى مناطق(نيفادا وداكوتا الغربية وأيوبنج ودبلامير).. ويستند فى هذه النبوءة على عدة شواهد من بينها خطاب لشركات روتشيلد المالية يشرح كيف أن جذب أثرياء العالم الراغبين فى ملاذات ضريبية هو جزء من استراتيجية أمريكية؟


ويعزز ما توصل إليه الصحفى الألمانى المتخصص فى الاقتصاد عدد من الشواهد المختلفة لعل أهمها هو الضيق الذى كان ينتاب واشنطن من اتجاه أصحاب الأموال الكبيرة إلى خارج الولايات المتحدة وهو ما يحرمها من استثمار هذه الأموال داخل أراضيها.. وخلال عامين مضيا لجأت واشنطن إلى ملاحقة رجال الأعمال والمال الذين يحملون جنسيتها ويستثمرون أموالهم فى الخارج ويحققون أرباحا من جراء ذلك، فأجبرتهم على الالتزام بدفع ضرائب للسلطات الأمريكية على أية أرباح يحققونها من أعمال أو استثمارات لهم خارج مصر أو حتى من إيداع أموالهم فى بنوك.. وقد اتفقت واشنطن مع كل الجهات المصرفية والاقتصادية فى أماكن شتى من العالم على الالتزام بإبلاغها بحركة أموال وأرباح كل من يحملون الجنسية الأمريكية.. وقد دفع ذلك عددا من الأثرياء العرب وأيضا غير العرب على التخلى عن الجنسية الأمريكية حتى لا يضطروا لدفع ضرائب للخزانة الأمريكية على كل ما يحققونه من أرباح فى عمليات توظيف أموالهم.. كما كان يخرج من الولايات المتحدة أيضاً كلام سلبى يطال مواقع الملاذات الضريبية المنتشرة فى مواقع شهيرة فى العالم، وفى المقابل اقترن ذلك بالترويج لأماكن الملاذات الضريبية لها.


فإن واشنطن تدرك أن العالم يقترب الآن من أزمة مالية واقتصادية جديدة كانت بوادرها فى الأزمة التى طالت اقتصاديات عدد من الدول الأوربية وليس اليونان فقط، وأيضاً فى تباطؤ النمو الذى أصاب الاقتصاد الصينى الذى ظل لعدة عقود يحقق معدلا مرتفعا للنمو الاقتصادى.. وذلك تبقى واشنطن تبغى استباق هذه الأزمة العالمية المقبلة فى الوقاية منها أو على الأقل التخفيف من آثارها عليها من خلال اجتذاب الأموال والاستثمارات الضخمة والكبيرة فى أراضيها.


إذن.. نحن لسنا إزاء عملية كشف كبير للفساد المالى عبر العالم حتى وإن تضمنت وثائق بنما شخصيات شهيرة من(السياسيين والاقتصاديين والفنانين ولاعبى الكرة)..وإنما نحن إزاء عملية إعادة توجيه للأموال العابرة للقارات من مناطق كانت تجتذبها من قبل إلى مناطق جديدة للاستفادة من توظيف هذه الأموال فى هذه المناطق الجديدة.. والأغلب أن هذه هى النتيجة الأهم اقتصاديا على الأقل- لوثائق بنما.



آخر الأخبار