ماذا تبقَّى من أحلام الثورة؟ السؤال الذى يطرحه فيلم «نوارة» «لهالة خليل»

13/04/2016 - 11:22:56

بقلم - د. أمانى فؤاد

تحت وقع القبضة الغاشمة التى يمسك فيها حسن بيه «عباس أبو الحسن» برقبة وشعر نوارة «منة شلبي» ويسوقها محنية خاضعة، ثم يرمى بها على درج الفيلا ليعرف منها أين ذهب أخوه الوزير السابق أسامة بيه «محمود حميدة» وأسرته، يدرك المشاهد أن أحلام البسطاء والطبقات الدنيا بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ قد تبخرت وتلاشت. وأنهم حتى هذه اللحظة كبش فداء مستمر نتيجة لغطرسة كثير من القوى الموجودة بالمجتمع وتغليب مصالحها الخاصة الفردية. تلاشت أحلام البسطاء من الشعب المصرى المطحون أغلب طبقاته تحت وطأة تراكمات معقدة من المصالح والأهواء التى لم تزل تتحكم بها القوى الكبرى المتصارعة داخليا وخارجيا، لم تلتفت إليهم أية سلطة، فلا كرامة، ولا عدالة اجتماعية، ولا حرية، ولنقل لأحلام المعدمين عفوا فالبقاء للأقوى والأكثر ثراء.


يترسخ هذا الشعور بفداحته مع مشهد النهاية الذى يتم فيه القبض على نوارة بتهمة السرقة ظلما نتيجة حيازتها لمبلغ أهدتها إياه «شاهندة هانم» «شيرين رضا» زوجة الوزير السابق، وتدرك نوارة أنها لن تستطيع إثبات براءتها لرحيل أسرة الوزير عن مصر، والهرب خوفا من المحاكمات.


ضياع مفتوح ينتظر البطلة وهى تتساءل من أين يأتى الفرج؟ فهى وزوجها لا يملكون حتى أتعاب المحامى الذى يمكن أن يدافع عنها، تساؤل يكرره كل المعدمين بهذا البلد حتى هذه اللحظة رغم أن زمن الفيلم ربيع ٢٠١١. ربما بدت مجموعة الكتاكيت الصغيرة المحبوسة بالقفص لدى جدتها «رجاء حسين» معادلا موضوعيا لضعف هذه الفئات، وممثلا لطبقتها إذ وقفت البطلة أكثر من مرة لتتأملهم وتتحسس هشاشتهم.


يدور الفيلم حول قصة فتاة بسيطة ويتيمة من حى شعبي، ليس لها أهل سوى جدتها العجوز التى تخشى الموت دون أن تجد حفيدتها الماء فى منزلهما لتغسًلها، تحب شاباً من أصول نوبية من نفس الحارة، وربما هنا إشارة إقصائية أخرى يمارسها المجتمع وترمى إليها المخرجة، ورغم عقد قرانهما إلا أنهما لا يستطيعان الزواج لعدم توفر مسكن بسيط يجمعهما، وأيضا لمرض والده وعدم التمكن من علاجه فى مصحات الدولة لفقر إمكاناتها وازدحامها الشديد، والتكاليف الباهظة فى المستشفيات الخاصة. تعمل نوارة خادمة منذ صغرها عند أحد الوزراء، وبعد الثورة يسافر هربا هو وعائلته، لكن زوجته تترك لها مسئولية حراسة الفيلا والكلب، وإيهام الجميع بوجودهم.


تعمدت المخرجة وضع الثورة فى بؤرة التقييم والنظر من خلال رؤيتين: نوارة وأحلام البسطاء وفرحتهم بأنهم استطاعوا من خلال جموعهم أن يقوضوا نظاماً ظل جاثماً على رؤسنا طويلا، وأسامة الوزير السابق وشكه فى من قاموا بهذه الثورة، وشعوره بأنها مخطط خارجى أطاح بالنظام وما هى إلا فترة ويعود كل شيء إلى سابق عهده، ثم ضياع وتشتت كلا الطرفين.


من خلال مجموعة من المشاهد شديدة الدلالات الإنسانية وسلاسة التقنيات، رغم تعدد مستوياتها الإيحائية ترسم المخرجة ومؤلفة السيناريو «هالة خليل» حياة البطلة نوارة، فتاة تتمتع بقدر كبير من الرضا والقناعة رغم الهوة الطبقية الشاسعة التى تعيشها دون قصد، بكل ما بها من ازدواجية الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بمصر، ترفض كل التجاوزات الأخلاقية أو الاعتداء على ملكية الآخرين، بل تستمر فى خدمتها لهذه العائلة والإخلاص لها دون أى أحساس بالنقمة عليها.


تنقلت كاميرا «زكى عارف» مدير التصوير لخلق مشاهد معدة بعناية لترصد رحلة نوارة اليومية من حارتها الفقيرة المنسية لفيلا الوزير السابق المترفة المدججة بالحراسة؛ لخلق انتقالات تجاورية فادحة الوقع على المشاهد بين حى شعبى مهمل وبيوت خانقة متهالكة الجدران ترتشح بالعفن، وتحوطها القمامة، وتفتقد حتى قطرة الماء التى هى أول أسباب الحياة، وتخلو من كل ما له قيمة عدا أثاث رث بال، فى رصد فنى لتفاصيل كثيرة موحية أجادت مهندسة الديكور «هند حيدر» فى جعلها بديلا عن حوارات طويلة منطوقة، مفردات تم وضعها فى مقابلة صارخة تفصح دون فجاجةـ عن طبيعة عمل البطلة وعن التباين الطبقى شديد الاتساع بين الحياتين.


فمن خلال المياه الحد الأدنى من أسباب الحياة لدى البشر تصور المخرجة التناقض المجحف بين العالمين، فهى تنساب بسخاء فى فيلا الوزير لرى الحدائق، وفى المسبح، فى مقابل الجفاف التام، وعناء الطريق اليومى الذى تقطعه البطلة وهى تحمل المياه من مسافة بعيدة لتتمكن جدتها من الشرب والعيش، طريق تقطعه مستسلمة لأقدارها شأن المهمشين الراضخين دون عراك مع ذواتهم. كما تشير إلى سبب مشكلة انعدام المياه ببيوت البسطاء وهو تقاعس الموظفين وفساد المسئولين بالأحياء وسرقتهم لمواسير المياه وإعادة بيعها لمستحقيها والرشوة التى تفشت بينهم.


ربما بدت براعة الإخراج فى الكيفية التى يبدو فيها المشهد بسيطا وفى ذات الوقت مركبا؟، فكثير من مشاهد الفيلم تحمل عددا من المستويات الدلالية التى تشير إلى تعقد الوضع الاجتماعى الاقتصادى والإدارى الذى يكتنف المشهد العام فى مصر، قبل الثورة وبعدها. مثل مشاهد مرض والد «على» حبيب نوارة التى تشى بعدم التوزيع العادل لأسباب الحياة، وتفضح الفساد المستشرى فى كل مؤسسات الدولة، بداية من موظفيها الصغار «الممرضة»، حتى أعلى سلطة فيها، كما تشى بهوان قيمة الإنسان وإهانته لدرجة أن يلقى بأحد حمامات المستشفى لحين أن يجدوا له مكانا على أسرتها.


ولقد لعبت كل تقنيات صناعة الفيلم على إبراز حالة التناقض تلك وما تحمله من دلالات متعددة مثل إبراز «ريم العدل» مصممة الملابس للتناقض بين ملابس البطلة نوارة وبساطتها، وازدواجية ما ترتديه فى البيئتين لتشى بثقافة المجتمع بطبقاته، فى مقابل ملابس عائلة أسامة بيه، هذا التناقض المجسد للوضع الاقتصادى غير العادل تجسده المصممة، أيضا من خلال الأحذية التى ترتديها شاهندة هانم «البوت السينية» وتساعدها نوارة فى ارتدائه وأحذية نوارة الشعبية، يتضح أيضا فى المايوه الذى ارتدته خديجة ابنة أسامة وملابس نوارة حين نزلت المسبح «البيسين» فى غياب العائلة بعد أن كانت تنظر إليه وتشعر أنه يمثل حلما تغازله بعينيها، وهى تتمنى أن تغوص فى كل هذه المياه. هذا عدا كل عناصر المشاهد الأخرى بداية من الحيوانات التى تربيها كل فئة، والأطعمة التى تتناولها عائلة أسامة مقارنة بالطعمية التى تشتغل بها جدة نوارة، حتى المقارنة بين طعام الكلب فى الفيلا وطعام نوارة وأهلها، السيارات الفارهة مقابل الدراجة البخارية التى يملكها على، فلقد فضلت المخرجة رصد الكاميرا لتستنطق الواقع البصرى بتناقضاته، وتخيرت عناصر المشهد بعناية لتنطقها حوار المقارنة بين كل فئة وأشيائها دون جملة حوار واحدة بين البشر الممثلين لكل طبقة.


تعمدت المخرجة أن تبرز حالة تعايش سلمى متسامحا يتضمن استسلاما ورضى بالأوضاع القائمة، وثقة متبادلة بين نوارة ممثلة لطبقتها وشاهندة وأسامة فى ثقتهم بترك الفيلا تتعهدها نوارة، وهو ما يشير إلى حالة من الثبات والاستكانة التى سادت الحياة الاجتماعية فى مصر قبل ثورة ٢٥ يناير، وبعدها أيضا لدى كثير من البسطاء بهذا المجتمع الباحثين عن لقمة عيشهم فقط، وهو ما تمثل أيضا فى أحد المشاهد بتوظيف إحدى الفتيات الصغيرات للخدمة مع عمتها بعد الثورة وتركها لمدرستها؛ لتساعد والدها فى دخل الأسرة استمرارا لحالة من الخنوع الذى لا فكاك منه نتيجة لظروف المجتمع الاقتصادية.


ولقد تضمن الفيلم مشهدا رأيته من أهم مشاهد السيناريو لما يحمله من دلالة رمزية محفزة شديدة العمق، وهو مشهد مواجهة نوارة للكلب الموجود بالفيلا للحراسة فبعد سفر الأسرة كان على نوارة أن تطعم الكلب وترعاه بعد أن كانت تتلاشاه لخوفها منه؛ لذا حاولت الهرب من هذه المهمة بإسنادها للحارس عم عبدالله «أحمد راتب» لكنه هرب منها خوفا من نقض وضوئه، وجدت نوارة نفسها فى المواجهة فتذكرت كلمات ابنة الوزير خديجة «رحمة حسن» حين قالت إنه يهجم عليها لشعوره بخوفها منه فاستجمعت كل قواها وثباتها لتقف فى مواجهته، وبالفعل استطاعت أن تجبره على الانصياع لها، والكف عن الهجوم عليها، قد يبدو المشهد عاديا بالحياة، لكن المؤلفة والمخرجة فيما أعتقد قصدت به بعدا آخر، أرادت أن تشير إلى أن خوف الطبقات الدنيا من القوى والسلطات المتعددة هو ما يجعل الأقوى يتمادى ويستقوى بآلياته، وأن المواجهة والثبات على الحق يجعل المعاملات عادلة لتأخد كل أطراف العلاقات وضعها الطبيعى. ولقد كان لموسيقى «ليال وطفة» التصويرية المصاحبة لبعض المشاهد أثر فى ترك بصمة عميقة بروح المشاهد لتعميقها لنوع التناقضات والصراعات التى تتناوب على الأبطال، كما ساهمت فى نقل الأجواء العامة السياسية المصاحبة للأحداث.


ينضم لهذا المشهد الكنائى أيضا مشهد المظاهرة، حينما شعرت نوارة أنها تأخرت عن موعد عملها فذهبت تستحث المتظاهرين على فتح الطريق، وتسألهم لماذا يقطعون الطريق وأنهم يعوقونها على الذهاب إلى عملها فتقول لها المتظاهرة إنهم يفعلون هذا ليضمنوا لها حقها، واستمرار التعبير عن إرداتها، فى نوع من رسائل رمزية تنقلها للمشاهد دون حوار يكتسى بلهجة خطابية أو إدعاء شعارات، أو فجاجة الأيديولوجيات الصارخة النبرة، فالمشهد البسيط ذو الدلالة العميقة هو نهج المخرجة ووسيلتها دائما لتوصيل لغة سينمائية بصرية موحية دون صخب لكن تحمل مضمونها الفكرى العميق. كما تتضمن كثيرا من المشاهد البينية المواقف الإنسانية وعدم وقوعها فى مناطق ومساحات حدية، بل كثيرا ما تكون انطباعات البشر حائرة بين نقيضين كما نلمسه بحياتنا، وهو ما حرصت عليه هالة خليل فى فيلميها السابقين «أحلى الأوقات» و»قص ولزق». التقاط إنسانية المشاهد وجعلها تنطق بلغة العيون وحوار الخلجات والملامح، ومفردات عناصر المشهد مجتمعة، وهو ما أجادت تمثيله منة شلبى بالفعل فى اصطناع حالة من الرضى الطبيعى الذى اتسق مع نور وجهها وبريق عينيها الحنون القانع، رغم عيشها فى أتون كل هذه الصراعات الطبقية والأحلام المجهضة، ولقد وفق المكياج فى تهيئة وجه مغسول ومضيئ لنوارة يتسق مع بساطتها والنور المشع بداخلها رغم ضعفها البادى للأعين، كما أنه فى بعض المشاهد أبرز عشوائية اعتناء الشخصية بجسدها لظروف عملها وبيئتها وقدرتها الاقتصادية وثقافتها، مثل إبرازه لطلاء الأظافر العشوائى بأصابع قدميها، وهذه الإشارات على بساطتها ترسم أنموذج الشخصية وطبيعة مكوناتها.


ورغم المشاهد الكثيرة نادرة الحوار المنطوق، وبطيئة الإيقاع فى الفيلم إلا أن السيناريو قد وظف عددا كبيرا من الحوارات والتصريحات التى كانت تتداول بتلك الفترة من خلال البرامج التليفزيونية والإذاعية حول استعادة الأموال والثروات المهربة فى الخارج لمبارك ورجاله، وهو ما كان متداولا فى هذه الفترة ومثًل خلفية ضمنية لزمن الأحداث وتقدمها لا لتطور الأوضاع، إشعارات مضللة بعثت آمالا لدى الفقراء فى توزيع هذه الأموال المهربة التى ستسترد؛ ليحصلوا على مقومات حياة كريمة ثم تتكشف الآيام على عبث وفوضى تطال كل شيء، مثل أحلام البطلة وطموحاتها البسيطة للغاية التى عبرت عنها حين سألها أسامة لو أنها حصلت على هذه الأموال ماذا تصنع بها قالت ستجعل جدتها تحج وتشترى شقة بسيطة تجمعها بعلى لتمثل بمقولتها تلك غالبية الشعب المصرى وطموحاته المتواضعة والعادلة.


لا تقدم المشاهد حسا حماسيا تجاه الثورة أو ضدها لكنها ترصد لواقع البسطاء فى لغة سينمائية تعتمد على المشاهد الهادئة الإيقاع، فائقة الدلالة بعيدا عن الأيديولوجيات، لكنها ترصد الاحتياجات الإنسانية العادلة، وتناوب تبدل الحالات النفسية والمتغيرات على البشر بكل الطبقات، وحالاتها الملتبسة فى الركون إلى الحقيقة.