٥٠ عاماً على «الطيب والشرس والقبيح»

13/04/2016 - 11:15:56

بقلم- سامح فتحى

تمر بنا الذكرى الخمسون لفيلم «الطيب والشرس والقبيح» ١٩٦٦ الإيطالي، من إخراج سرجيو ليون، وبطولة كلينت إيستوود، ولي فان كليف، وإيلي والاش، وقد وُضِعَ سيناريو الفيلم، الذي شارك فيه المخرج، من خلال قصة من تأليف ليون وفينشينزوني، والمخرج نفسه. ومهندس التصوير تونينو ديلي كولي. وقام بتأليف الموسيقى التصويرية الشهيرة للفيلم إنيو موريكوني. وقد قام المخرج سرجيو ليون بإخراج فيلمين قبل هذا الفيلم من ذات النوعية، وهما «حفنة من الدولارات» (١٩٦٤)، وفيلم «من أجل المزيد من الدولارات» (١٩٦٥)؛ ليكمل الثلاثية بذلك الفيلم،


ومن المعروف أن الفيلم وقت صدوره كانت له نسختان لا تختلفان في أي شيء سوى أن الأولى ناطقة بالإيطالية، والثانية بالإنجليزية، وقد عرضت النسخة الإيطالية في إيطاليا تامة، والثانية التي باللغة الإنجليزية عرضت في كافة أنحاء العالم مختصرة فى عشرين دقيقة بالنسخة الإيطالية، ذلك أن شركات التوزيع طلبت من المخرج اختصار الفيلم في نسخته الإنجليزية لطوله جدا، وحتى يلائم العرض في أنحاء العالم، فاختصر المخرج عشرين دقيقة، وعرض الفيلم بتلك الصورة المختصرة في العالم، لكن بعدما قررت أمريكا تحويل الصيغة الإنجليزية لصيغة الـ»دي في دي» وضعت ملفا بالعشرين دقيقة المختصرة مع الفيلم على الـ»دي في دي»، ثم بعد أن قررت أمريكا ترميم الفيلم وإخراجه بصيغة البلوراي قامت بوضع العشرين دقيقة المختصرة في موضعها بالفيلم مع دبلجتها باللغة الإنجليزية من خلال الممثلين أنفسهم، عن طريق الاستعانة بالممثلين الأصليين في الفيلم؛ ليؤدي كل منهم دوره صوتيا، ثم تتم دبلجة الصوت مع الصورة؛ لذا ظهر اختلاف في صوت الممثلين في النسخة ذاتها، فحين يبدو الصوت في الفيلم كله شبابياً ملائما لسن الممثلين في تلك الفترة، تبدو ملامح الكبر في السن على ذلك الصوت في الدقائق العشرين؛ نظرا لسن الممثلين الكبيرة بعد سنوات طويلة من تمثيلهم للفيلم الأصلي، وفي نسخة البلوراي حافظت الشركة المنتجة على إبقاء تقنية الألوان التي استخدمها المخرج في العشرين دقيقة، بحيث يكون الفيلم كله وحدة واحدة، وهيئة واحدة دون اختلاف.


ويتمحور الفيلم حول شخصيات ثلاث متمايزة عن بعضها بعضا، أولها (الطيب) واسمه في الفيلم «الأشقر»، وهو شخص وسيم ويتميز بالذكاء والهدوء الكبير، ودائما ما يأتي بالتصرف الصحيح، ويتعامل مع الأمور بحكمة وحيادية تامة، وهو ماهر في التصويب بالبندقية من على بعد، فهو يتعاقد مع المجرمين والخارجين عن القانون بأن يسلمهم للمشنقة ويحصل على المكافأة، وأثناء تنفيذ الإعدام يقوم بتخليصهم واقتسام المكافأة معهم، والممثل الذي قام بأداء دور (الطيب) في الفيلم هو النجم الأمريكي «كلينت إيستوود». أما الثاني فهو (الشرس)، واسمه في الفيلم»اينجل آيز»، وهو يعمل رقيبا في جيش الشماليين، وقد وصل إلى رتبته هذه عن طريق التعذيب وتأدية الخدمات غير المشروعة لكبار رجال الجيش, وهو يقتل كل من يقف أمام مصالحه، وكل من يشكل عقبة أمام طموحاته الشريرة, وقد قام بدوره الممثل الأمريكي الراحل «لي فان كليف»، أما (القبيح) واسمه في الفيلم «توكو بندكتو»، فهو مجرم خارج عن القانون بقبح اللسان وقبح المظهر وقبح الطباع، وهو دائما ما يسب ويشتم، كما أنه يتصف بالغدر ونكران الجميل، مع أن شخصيته لا تخلو من خفة الدم، وهو أحد الذين تعاقد معهم (الطيب)، كما أنه صديق قديم لـ»انجل ايز» أو(الشرس), وقد قام بدوره الممثل الأمريكي الراحل « إيلي ولاش».


والثلاثة تجمعهم الظروف في فترة الحرب الأهلية الأمريكية، حيث الفوضى العارمة، والاشتباكات المسلحة، وطريقة إعدام المطلوب للعادلة عن طريق الشنق، ويبحثون عن كنز فيدرالي، وبعد حوادث شيقة يصلون إليه، فيقتل الطيب الشرس من أجل الكنز، ويستبقي القبيح ليحفر لإخراج الكنز، ثم يأخذ نصفه ويترك نصفه للقبيح بعد أن يعلقه في حبل المشنقة مقيد اليدين، واقفا على شاهد قبر لو تحرك لشنق نفسه، ويمضي الطيب والقبيح يستعطفه، ومن مسافة طويلة جدا يصوب الطيب نحو الحبل المعلق فيه القبيح فيصيبه ليسقط القبيح أرضا دون إصابة، ويفوز بنصف الكنز وحياته، فيظل يسب الطيب الذي أفقده قواه وأعصابه، ويختفي الطيب ماضيا نحو الأفق.


وكان كلينت إيستوود في منتهى العبقرية، حيث استطاع أن يكون مقنعا تماما بدور الرجل الحكيم الذي يتحكم في أعصابه لأقصى درجة، كما يتميز بالدهاء والمكر مع المهارة الشديدة في استخدام الأسلحة؛ مما جعل المشاهدين يعتقدون أنه بالفعل كذلك في حياته العادية، وبتلك المهارة والهدوء حاز الفيلم قبولا جماهيريا كبيرا، ونجاحا نادرا، رغم أنه استقبل في بدايته استقبالا سلبيا من معظم النقاد على اعتبار أنه من أفلام رعاة البقر التقليدية وبالرغم من الاستقبال السلبي للفيلم في البداية، إلا أن الكثير من النقاد اليوم يعتبرونه أحد كلاسيكيات السينما الخالدة. ويظل واحداً من أكثر أفلام الغرب شعبية. وضمنته مجلة التايم ضمن قائمتها لأعظم مائة فيلم في القرن الماضي. ووصف الفيلم أيضاً بأنه أفضل عمل قدمته السينما الأوربية لفئة أفلام الغرب الأمريكي، وفي التصويت الذي أجرته المجلة السينمائية البريطانية سايت اند ساوند عام ٢٠٠٢ قام تارانتينو باختيار هذا الفيلم كأفضل فيلم صنع على الإطلاق.


وكانت نظرات إيستوود في بعض المشاهد كافية في إيصال ما أراد أن يظهره من انفعالات، مثل الغضب أو الضيق أو الترقب، أو التدقيق أو السعادة، أو حتى المكر والدهاء، فرسخت في أذهان المشاهدين نظرات إيستوود تقريبا أكثر من كلماته من شدة براعته وتعبيراته، ولم يكن إيلي ولاش أقل نجاحا من إيستوود، بل إن فترات ظهوره في الفيلم فاقت فترات إيستوود، وكان بارعا جدا في تنفيذ أوامر المخرج، رغم أن الحوار بينه وبين المخرج لم يكن بالإنجليزية التي لا يتقنها المخرج، ولا بالإيطالية التي لا يتقنها ولاش، وإنما كان بالفرنسية التي يتقنانها، وكان المخرج يثق فيه ثقة تامة في مشاهد استخدام الأسلحة التي كان يجيد ولاش التعامل معها، ففي مشهد متجر الأسلحة كل ما فعله ولاش بالأسلحة كان مرتجلا بالكامل، نظرا لخبرته الواسعة في ذلك المجال . ونظرا للفارق في الطول بين إيستوود وولاش كان من الصعب بشدة جمعهما معًا في كادر واحد.


وقد لعبت الموسيقى التصويرية للإيطالي إنيو موريكوني، الذي ألف الموسيقى التصويرية لمعظم أفلام المخرج سرجيو ليون، دورا مهما في العمل، وكانت بطلا رابعا للفيلم، وتضمنت أصوات المسدسات، والصفير، والأصوات البشرية. كما أن اللحن الأساسي للفيلم يشبه عواء ذئب البراري، وهو اللازمة الموسيقية للشخصيات الثلاث، وهي مكونة من نوتتين موسيقيتين تعزف بآلة مختلفة لكل شخصية، فلشخصية الطيب تستخدم آلة الفلوت، ولشخصية الشرس آلة الأكرينة، أما القبيح فيستخدم الصوت البشري. يكمل اللحن، بجانب الديكورات ومناظر الفيلم، أجواء الحرب الأهلية الأمريكية، فهو يحتوي مثلا على الأنشودة الحزينة «قصة جندي» التي كان يغنيها الجنود الأسرى أثناء تعذيب القبيح في معسكر الشماليين. وحسب تصريحات ليون فلقد ألفت الموسيقى أولاً، ثم ركبت المشاهد عليها، مما يعكس الأهمية التي تمثلها الموسيقى عند ليون. وكان نجاح الموسيقى أسطورياً حيث تربع اللحن الرئيسي للفيلم على رأس القوائم عام ١٩٦٨م، فبقي الألبوم الموسيقي للفيلم في المقدمة لأكثر من سنة، حيث حل في المرتبة الرابعة في ترتيب مجلة بيلبورد الأمريكية. وما زال إلى اليوم أحد أكثر موسيقى الأفلام شعبية بين جماهير السينما في العالم.


وقد أظهر هذا الفيلم بوضوح طريقة إخراج سرجيو ليون لمثل تلك النوعية من الأعمال، حيث يعتمد بصورة كبيرة على اللقطات المقربة لوجوه الشخصيات خاصة الرئيسية التي من خلالها يطلع المشاهد على ما بداخل تلك الشخصية من مشاعر، كما ينوع في المشهد الواحد بين الصورة المقربة للشخصية والصورة البانورامية للمكان برحابته؛ مما يكسر حدة الملل لدى المشاهد مع طول زمن العرض، كما أن التأني في عرض الوجوه المقربة واللقطات البانورامية العريضة التي تظهر التضاريس الطبيعية والمجاميع الكبيرة مع التكامل الموسيقي يعطي إحساسا جماليا للفيلم، وهو ما يزيده الاعتناء بتكوين المشاهد من ناحية الإضاءة والتكوين واختيار أوقات التصوير؛ مما يناسب البناء الدرامي للمشهد، كما هو الحال في المشهد الأخير للمبارزة الذي مع طوله كان مشوقا ممتعا مؤثرا في المشاهدين.