دماء على جدار السلطة (١٩) خروجًا عن مبادئ الإسلام! الدولة العباسية والإمعان فى الخروج عن الإسلام

13/04/2016 - 10:53:17

بقلم - رجائى عطية

أشرت سلفًا إلى أن الدولة العباسية لم تقم من أجل إصلاح ممارسات الدولة الأموية، أو معالجة أضرارها، أو وضع سياسة تتفق مع مبادئ وقيم الإسلام، بل ناقضت ذلك جميعه كل المناقضة، وإذْ لم تداو عيوب توريث السلطة، ولأكثر من واحد تباعًا، فإن أخطر ما جنحت إليه من البداية اعتبار الخلافة «تركة» تطبق عليها أحكام الميراث، وصَعَّدت هذا المنظور الضرير الأحول إلى « النبوة » ذاتها، باعتبار أن الخلافة خلافة لرسول الله عليه الصلاة والسلام، وجَاَوَزَ الخليفة العباسى الأول المعنى الباطن فى ضمائرهم، إلى إعلانها واضحة جلية ليأخذ الدولة برمتها إلى المفهوم الثيوقراطى، بما يخالطه من أن الحاكم الوارث هو ظل الله فى الأرض، يحكم باسمه، ويريد بإرادته، ويتحدث باسمه سبحانه!


وتتجلى الثيوقراطية فى أسوأ صورها، فى الخطبة الضريرة التى ألقاها أبو العباس السفاح إثر بيعته فى مسجد الكوفة فى ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٢ هـ، وفحوى ما ألقاه فيها أن الخلافة «ميراث شرعى» عن النبوة لأسرته، متصورًا أن النبوة تركة تورث، فقال: «الحمد لله الذى اصطفى الإسلام لنفسه فكرّمه، وشرَّفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا ..، وجعلنا أحق بها ـ بالخلافة ـ وأهلها وخصنا برحم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته .. ووضعنا من الإسلام وأهله بالموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابًا يُتلى عليهم، فقال عز من قائل من محكم القرآن « إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا »، وقال: «قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى»، وقال:


«مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى»، وقال: «وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى»، فأعلمهم ـ جل ثناؤه ـ فضلَناَ وأوجَبَ عليهم حقَّنَا ومودَّتَنا ... وختم خطبته بقوله: يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، أنتم الذين لم تتغيروا عن ذلك ولم يثنكم عن ذلك تحامل أهل الجور عليكم حتى أدركتم زماننا وأتاكم الله بدولتنا» .


وختم السفاح هذه الخطبة المعبرة عن فداحة الخلط والتخليط، فأدخل النبوة فى الإرث، وجعل حقهم فى الخلافة مستمدًّا من الميراث، وزاد على ذلك أن عرقهم طاهر مطهر إلى يوم الدين، وأن لهم حقًّا فيما يفىء به الله على المسلمين، فإن خمسه لله وللرسول (الذى يرثوه) ولذى القربى واليتامى، وبعد حصره هذه الحقوق التى يحاجى بها الأمة الإسلامية، عقب بتهنئة السامعين بأنهم أسعد الناس بهم، وبأنه قد زاد فى أعطياتهم مائة درهم، ليختم قائلاً : «فاستعدوا فأنا السفاح المبيح والثائر المنيح»!


ولاية العهد


لا أحد يتعظ أو يتعلم!


لم يتعظ أبو العباس السفاح بما كان من وقوع الأمويين فى خطأ عقد ولاية العهد لأكثر من واحد، وما أدى إليه ذلك من حزازات وخطوب كانت من أهم الأسباب التى أذهبت ريح الدولة الأموية .


لم يكن أمام السفاح بد من عقد ولاية العهد لأخيه أبى جعفر المنصور، بحكم اعتبارات كثيرة لم تقتصر على آصرة الأخوّة، وإنما زكاها مناقبه وكفاءاته، حتى أجمع المؤرخون والدارسون على أنه المؤسس الحقيقى للدولة العباسية.


على أن الموازنات والإرضاءات والترضيات بداخل البيت العباسى، دعت السفاح لأن يعقد ولاية العهد من بعد أبى جعفرـ إلى ابن أخيهما عيسى بن موسى بن محمد، وكما لم يتعظ كل من عهدت لهم الولاية الأولى للعهد ـ لم يتعظ أيضاً أبو جعفر المنصور، وسار على ذات الدرب الذى ظل سنةً متبعةً متفاقمة بين أجيال البيت العباسى، مثلما كان فى


البيت الأموى!


الإيغال فى الدماء


حتى فى القرابات!


من عجائب ضراوة الصراع على السلطة، وقتله كل العواطف الإنسانية، بما فيها عواطف القرابات، أن أبا العباس السفاح الذى تغول فى دماء أبناء عبد الملك بن مروان، وقتل ضيفه سليمان بن هشام بن عبد الملك بن مروان، أنه كان أخًا لأم للحجاج بن عبد الملك بن مروان عم القتيل سليمان بن هشام، وقد ذكر المسعودى فى مروج الذهب ـ أن أم أبى العباس السفاح، كانت تحت عبد الملك بن مروان، فكان له منها الحجاج بن عبد الملك، عم سليمان بن هشام بن عبد الملك، الذى قتله السفاح شرّ قتلة وهو ضيف عليه فى داره . فلم تمنعه هذه القرابة القريبة، ولا منعه أن سليمان بن هشام بن عبد الملك كان ضيفًا عليه فى داره، له عليه واجب الضيافة وأمان الضيافة وأمن الضيف، وقد ذكر المؤرخون أن سليمان بن هشام بن عبد الملك، كان ضيفًا على السفاح، يؤاكله ويشاربه، فاستأذن ملثم على السفاح وحلف ألاَّ يحسر اللثام عن وجهه حتى يراه، فلما نقلت الرسالة إلى السفاح عرف أنه مولاه «سديف» وكان أثيرًا لديه، فأذن له، وقد كان «سديف» هذا وراء مذبحة بنى أمية فى مقر إمارة المؤمنين، وقد دخل «سديف» على السفاح فألفى عنده سليمان بن هشام بن عبد الملك، فطفق ينشده مستفزًّا ومحرضًا ..


لا يغرنك ما ترى مــن أنـاس


إن تحت الضلوع داء دويا


فضع السيف وارفع السوط حتى


لا ترى فوق ظهرها أمويا


وقال الرواة، إن السفاح ما كاد يسمع هذه الأبيات، حتى أمر بسليمان بن هشام


فقتل .


مذبحة الموصل


فى أول سنة لولاية أبى العباس السفاح سنة ١٣٢ هـ، استعمل أخاه «يحيى بن محمد بن على» على الموصل، وسيره فى اثنى عشر ألفًا لتكون حملة تأديب للموصليين على محبتهم بنى أمية.


وروى ابن الأثير فى الكامل أن «يحيى بن محمد بن على» نزل فى قصر الإمارة مجانبًا المسجد الجامع، ولم يظهر فى مبدأ الأمر لأهل الموصل شيئًا ينكرونه، ولكنه دعاهم وفجأهم بقتل اثنى عشر رجلاً منهم بلا جريرة تبيح قتلهم، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم «يحيى» الأمان، وأمر فنودى فى أرجاء الموصل: «من دخل الجامع فهو آمن»، فهرع الناس إلى المسجد الجامع طلبًا للأمان الذى أعلنه قائد وأخو السفاح، إلاّ أن يحيى أقام الرجال على أبواب الجامع كيما لا يخرج أحد، ثم أطبقوا على الوادعين العزّل بداخل المسجد الجامع، فأعملوا فيهم القتل الذريع، وبالغوا وأسرفوا حتى بلغ عدد القتلى فى هذا اليوم المشئوم أحد عشر ألفًا، وقيل فى بعض الروايات إن عدد من قتلوا من أهل الموصل فى ذلك اليوم بلغ ثمانية عشر ألف قتيل .. ما بين المحبوسين داخل المسجد العام، ومن طالتهم سيوف الجند خارج المسجد . ومن عجائب ما روى أن زوجة الخليفة السفاح تساءلت عن أسباب هذه المذبحة العامة، فرد عليها بأنه لا يعرف عنها شيئًا!


ومن أعجب ما روى من جموح الإيغال فى الدماء، أنه عندما حل الليل فى آخر نهار هذه المذبحة التى ملأت المسجد الجامع وطرقات الموصل بالدماء، سمع «يحيى» صراخ ونواح نساء القتلى، فسأل عن السبب وكأنه لا يعرف لماذا تنوح البواكى، فقيل له إنهن زوجات وبنات القتلى، فأصدر أمرًا إلى رجاله : «إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان»، ولم يقصر رجاله فى أداء المهمة التى صادفت هواهم، فأعملوا القتل ثلاثة أيام فى النساء والولدان، وزاد أحد قادته وكان تحت إمرته أربعة آلاف زنجى، فأخذوا النساء قهرًا .


ولما فرغ «يحيى بن محمد بن على» أخو السفاح، من قتل أهل الموصل، ركب فى اليوم الرابع وبين يديه جنده حاملين الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة طاش صوابها من هول ما رأته، فأخذت بعنان دابته، فأراد الجند قتلها إلاّ أن القائد الهمام نهاهم، ربما ليرى من باب حب الاستطلاع ماذا تريد أن تقول، فقالت له المرأة : ألست من بنى هاشم؟ ألست ابن عم رسول الله ؟ أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنج كرهًا ؟! انعقد لسانه وأمسك عن جوابها، ولكنه سير معها من يبلغها مأمنها . ويبدو أن حجة المرأة قد أصابت كرامته وذكرته بانتمائه، فأيقظت الغيرة العربية التى ماتت فيه، فلما كان الغد جمع الزنج للعطاء، فلما اجتمعوا لأخذ أعطياتهم أَمَرَ بهم فقتلوا عن آخرهم !


مفارقات !


من عجائب مفارقات الطبائع الآدمية، أن يتسم الآدمى بالنقائض، وأن يؤثر عن


أبى العباس السفاح، أنه إلى جوار هذه الدموية القاسية الغليظة، يوصف بأوصاف وخلال تناقضها كل المناقضات، فقد وصفه المسعودى فى مروج الذهب بأنه كان جميلاً وسيمًا، حسن الاستماع، يحب مسامرة الرجال، ويتعجب ممن يترك مجالس أهل العلم والأدب ليسمع سخفًا من امرأة أو جارية، ومن يترك ما يزداد به علمًا إلى ما يزداد به جهلاً،


ولا يحب أن يسمع وشاية أحدٍ فى آخر، عدلٌ فى شهادته، يعجبه المحادثات والمسامرات ومفاخرات العرب، ويستطرف الشعر الجيد .


وقال عنه صاحب الفخرى، إنه كان كريمًا حليمًا وقورًا ـ عاقلاً كاملاً، كثير الحياء، حسن الأخلاق، وقال عنه السيوطى فى تاريخ الخلفاء إنه كان أسخى الناس، ما وَعَد وعدًا فأخره عن وقته، ولا قام من مجلسه حتى يقضيه . ويؤثر عنه قوله « إن من أدنياء الناس ووضعائهم ـ من عد البخل حزمًا والحلم ذلاًّ » .


وكان محبًّا للشعر والأدب، يشجع الأدب والغناء، ويجزل العطاء للشعراء والمغنين، وكان فى البداية يطرب من وراء الستر، ويصيح بما يستحسنه من الصوت الجميل والغناء الحسن، ويبذل فيما يستحسنه الصلات ويقول: لا يكون سرورنا معجلاً ومكافأة من سرّنا وأطربنا مؤجلاً»، وحكيت عن تباسطه الروايات، ولكن قيل إنه سرعان ما احتجب عن ندمائه .


ولقد لفت نظرى إلى جوار طبعه الذى تشف عنه شطحات عنفه وقسوته، أنه تحفظ واستدرك حين أثنى على العفو والصبر والأناة، فقال : « إذا كان الحلم مفسدة ـ كان العفو معجزة والصبر حسن، إلاَّ على ما أوقع الدين وأوهن السلطان، والأناة محمودة إلاّ عند إمكان الفرصة»، وهذه الاستدراكات إنما تشف عن طبعه الأصيل، وعن حذره الذى قيل إنه كان مخلوطًا بالعنف والقسوة، وقد وصفه السيوطى فى تاريخ الخلفاء، بأنه كان سريعًا إلى سفك الدماء، فتابعه فى ذلك عماله بالمشرق والمغرب، وكان مع ذلك جوادًا بالمال .


والواقع أن هذه المفارقات لم تقتصر على طبائع وسلوك الأشخاص، فبرغم ما نراه من ضراوة الصراع على السلطة، والإيغال فى سفك الدماء، إلاَّ أن من المفارقات أن هذا الجموح السياسى ـ على فترات ـ فى كل من الدولتين الأموية والعباسية، نجت منه الحركة العلمية والأدبية، وأقام المسلمون حضارة مشهودة فى شتى العلوم والمعارف والآداب والفنون، ومسطور فى ذلك عشرات الموسوعات العلمية والفكرية والأدبية، مثل مجموعة الأستاذ أحمد أمين: فجر الإسلام، وضحى الإسلام، وظهر الإسلام، ومجموعة الأستاذ محمد عبد الله عنان عن الأندلس، وتاريخ أدب العرب للرافعى، وتواريخ آداب اللغة العربية لجورجى زيدان، وكارل بروكلمان، وتاريخ التمدن الإسلامى لجورجى زيدان .. وغيرها من موسوعات الحضارة، ومؤلفات الأستاذ عباس محمود العقاد عن « الإسلام والحضارة الإنسانية»، وعن «الديمقراطية فى الإسلام»، وعن «أثر العرب والإسلام فى الحضارة الأوروبية» وعن أن «الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين»، وغيرها من مؤلفات غيره ومن عشرات الأعمال الكبرى التى سأعود إليها فى نهاية هذه المقالات .


فلم تتلوث الحياة الدينية والعقلية والفكرية والأدبية، بما تلوثت به ممارسات السلطة فى الحياة السياسية، بيد أن مرجع الحضارة الإسلامية كان للقوة الدافعة الكامنة فى الإسلام ذاته ومبادئه وقيمه، فالإسلام هو الذى صان الحياة الدينية والعقلية والعلمية والفكرية والأدبية من سوء ممارسات السلطة والصراع الدموى عليها، هذا الصراع الضرير الذى تتجه هذه السطور لبيان أضراره وعوادمه، ولولا هذا الصراع الدموى لتضاعفت إنجازات الحضارة الإسلامية .


نقيب نقباء الدعوة العباسية


سليمان بن كثير الخزاعى


أورد الطبرى فى أحداث سنة ١٠٠ هـ، وكان ذلك فى خلافة عمر بن عبد العزيز، أن أبا محمد الصادق اختار لمحمد بن على ( بن عبد الله بن العباس ) ـ إثنى عشر رجلاً


«نقباء»، منهم «سليمان بن كثير الخزاعى»، واختار (فى معاونتهم) سبعين


رجلاً، فكتب لهم « محمد بن على» كتابًا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون عليها .


وأورد الطبرى فى أحداث سنة ١١٧ هـ فى خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان الذى امتد حكمه عشرين عامًا، أن « سليمان بن كثير» كان ضمن جماعة نجح «أسد بن


عبد الله القسرى» أمير جند الأمويين، فى أخذهم من دعاة بنى العباس، وقتل بعضهم وحبس بعضهم، ولم يمنع الأسر «سليمان بن كثير» من أن يفصح عما يريد، فقال لأسد بن عبد الله: «والله لقد صِيدَت العقارب بيدك أيها الأمير؛ إنَّا أناسٌ من قومك، وإن


هذه المضرية، إنما رفعوا إليك هذا لأنَّا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم، وقد أخلى أسد بن عبد الله سبيله من الحبس فيمن أطلق سراحهم بعد فترة، ونفهم من هذا أن « سليمان بن كثير» ظل مخلصًا نشطًا فى الدعوة لبنى العباس منذ اختياره سنة ١٠٠ هـ ضمن الاثنى عشر نقيبا، الأمر الذى عرضه لهذه الملاحقة والأسر سنة ١١٧ هـ .


وتجلت مكانته فى الدعوة لبنى العباس، حين انتدبته شيعة العباسيين فى خراسان سنة ١٢٠ هـ للذهاب إلى « محمد بن على بن عبد الله بن العباس »، ليطلعه على جلية الأمور فى خراسان، بعد أن سعى من يدعى « خداش » بالكيد لإفساد ذات البين بين شيعة العباسيين بخراسان، ومحمد بن على، ودلّ على مكانته أن الكل أجمعوا فى خراسان على الرّضا «بسليمان بن كثير» سفيرًا لهم متحدثًا باسمهم، فيما شجر بينهم وبين «محمد بن على»، والذى أعاده إلى خراسان بعد أن استمع إليه، وبعد أن اجتمع رأيهما على عدم الالتفات إلى ما يسعى به « خداش » من كيد لإفساد الأمور .


وكان «سليمان بن كثير» ضمن من توجهوا سنة ١٢٤ هـ إلى مكة، فمروا فى طريقهم على الكوفة، وأتوا بعض من حبسوا بتهمة الدعوة إلى ولد العباس، فتصادف أن رأى فى خدمتهم «أبا مسلم الخراسانى»، فلاحظ ابن كثير ومن معه علامات فيه ترشحه للانضمام إلى حركة الدعوة لبنى العباس، فدعوه إليها فأجابهم الخراسانى وانضم للحركة .


والغريب أن تأتى تصفية « سليمان بن كثير » وقتله، من ذات « أبى مسلم الخراسانى» الذى كان ابن كثير صاحب اليد فى ضمه إلى حركة بنى العباس !


قتل الشيخ سليمان بن كثير


وانفجار الشر !


كان الشيخ سليمان بن كثير نقيب نقباء الدعوة العباسية، وصاحب عقل راجح وأيادٍ على الحركة العباسية غير منكورة، حتى كتب « إبراهيم الإمام » شقيق السفاح فى وصيته إلى أبى مسلم الخراسانى يقول له فيها عن الشيخ سليمان بن كثير : « ولا تخالف هذا الشيخ ولا تعصه، وإذا أشكل عليك أمر فاكتف به عنى » .. ويبدو أن ارتفاع مكانة ابن كثير، وازدياد نفوذه، قد أوغر عليه صدر أبى مسلم الخراسانى، مع أن ابن كثير هو الذى ضمه إلى الحركة كما مر بنا .


وتحين الخراسانى فرصة ما دار من حوار مع بعض من بعثهم إليه أبو العباس مع أبى جعفر المنصور، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير، وابتدره قائلا: أتحفظ قول الإمام


(يقصد قول إبراهيم الإمام فى وصيته إليه): من اتهمته فاقتله . قال ابن كثير : نعم . قال الخراسانى: فإنى قد اتهمتك! فقال: ناشدتك الله، قال الخراسانى: « لا تناشدنى وأنت منطوٍ على غش»، ثم أمر به فضربت عنقه !!


وكان قتل سليمان بن كثير عملاً فظيعًا، أكد مؤرخون أن دافعه المؤكد اعتقاد الخراسانى أنه ينافسه على الزعامة فى خراسان، لقِدمه عنه فى الدعوة، ولسلطته على القبائل اليمانية والربيعية خاصة، وضاعف من تداعيات هذا القتل أن الخراسانى نفذه دون إحاطة أبى جعفر الذى كان موجودًا وقتئذٍ فى خراسان، فاشتعل غضبه اشتعالا شديدًا، فقد كان لا يرتاح إلى الخراسانى .


ولم يبتلع أبو جعفر هذه الفعلة، فيروى الطبرى فى تاريخه أنه آخذ الخراسانى وقال له: ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره فى دعوتنا، وهو أحد نقبائنا قبل أن ندخلك فى شئ من هذا الأمر ؟ قال: أراد الخلاف وعصانى فقتلته، فقرعه أبو جعفر تقريعًا شديدًا .


وتحدث أبو جعفر إلى أخيه الخليفة أبى العباس السفاح، فعاتبه على سكوته على أبى مسلم الخراسانى حتى استفحل أمره، وقال له فيما قال: لست بخليفة إن لم تقتل أبا مسلم! يا أمير المؤمنين، أطعنى واقتل أبا مسلم، فوالله إن فى رأسه لغدرة، فقال: يا أخى، قد عرفت بلاءه وما كان منه . فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين إنما كان ذلك بدولتنا، والله لو بعثت سنّورًا لقام مقامه، وبلغ ما بلغ فى هذه الدولة» . وظل أبو جعفر يلح على أخيه حتى لان لما يطلبه منه، إلاَّ أن الموت عاجله قبل تنفيذ ما اتفقا عليه، بيد أن أبا جعفر لم يتركه على ما سوف نرى ! وليستفحل الغدر وامتداد القتل وإراقة الدماء إلى الأعوان والأولياء !