وداعًا يا أيها الحب

13/04/2016 - 10:43:06

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أنا مراسلة لإحدى الفضائيات الأجنبية.. لبنانية، وأعيش فى القاهرة.. أحببت رجلًا مصريًا بكل جوارحى.. بعد أن ظل شهورًا يسعى فيها للاستحواذ على اهتمامى ومشاعرى، وقد نجح.


أحببت فيه ابتسامته المغرية، وخصلات شعره البنية التى استحال نصفها إلى اللون الأبيض، ورقته، وثقته فى نفسه، وثقافته، وقوة شخصيته.. وصرت فى حالة إدمان وتبعية لهذا الرجل، وصار حب عمرى ورجل حياتى الذى لن يتكرر.


وأعفيته من أية التزامات نحو علاقته بي.. وطلبت منه حفاظًا على الشكليات أن نعلن زواجنا أمام الناس بمجرد «حفلة» يحضرها الأقارب والأصدقاء بلا مأذون وبلا ورقيات.. مجرد زواج بلا رسميات أو مسئوليات.


لم يكن يعنينى عقد الزواج، بقدر ما يعنينى أن يكون بجوارى وأعيش معه بلا خوف من كلام ونظرات الناس.. وصرنا أمام الكل زوجين يعيشان سويًا، واتفقنا على أن نؤجل فكرة الأطفال، ومعها تأجيل رسمية وشرعية علاقتنا.


لم يكن أبدًا يعنيه نجاحى، ولا تعجبه طريقتى فى اللبس واختياراتى، وكل ما يراه هو أن الرجال حولى بحكم طبيعة عملى.. ولو اتصل مرة ووجد هاتفى مشغولًا أو مغلقًا تقوم الدنيا ولا تقعد، ويتهمنى بأنى مشغولة مع غيره. وأحيانًا يعتبر هذا الانشغال خيانة.


وتحملت غيرته، وثوراته وعنفه، وحتى تجريحاته وإهاناته التى لم أسمعها فى حياتى من أحد.. وكنت أحبه جدًا، فكنت أتحمل كل ما يتهمنى به.. لكنه كان يتمادى أمام صبرى، وكأن هدفه أن يدمينى ويتركنى لأيامٍ أنزف الدموع.


وعزائى دومًا أنه كان يعود نادمًا يقبل يدى، ويطلب السماح، رغم أنى كنت أغفر له، حتى لو لم يُبدِ الندم.. وبدلًا من أن يكون سببًا لابتسامتى صار سببًا لعذابى، وصار جلادى الذى يضعنى كل يوم فى قفص الاتهام، وينصب لى المحكمة.. وعشت معه وأنا دومًا أخشى فقدانه.


واعتقدت أن حبى ومشاعرى نحوه سيزيدان رصيدى فى قلبه، وثقته فى إخلاصى.. لكن لم أنجُ من اتهاماته وسوء ظنونه، وأمام أول هزة عاطفية انهار البنيان بأكمله.. وابتعد عنى وتركنى تحت أنقاض رحيله.


لقد أخلصت له كالعمياء، وبالرغم من ذلك ابتعد عنى دون شرح بعد أن صنع لنفسه حججًا وأعذارًا واهية لا تكفى لتبرير هروبه الذى سماه انسحابًا.. وصدق شكوكه ولم يصدقنى.


وحينما استسلمت لابتعاده، وتركته يرحل فى سلام على أمل أن يعود، تخيل بمنتهى الغباء أنى فى قصة أخرى مع غيره، فتمادى فى الفراق.. ومر يوم ويومان.. وأسبوع وأسبوعان.. واتسعت القطيعة لشهور، وزادت الفجوة بيننا مسافات.


ولم أصدق أن الذى حلمت دومًا معه بأن يكون رجلى وحبيبى وزوجى، وكنت على أتم الاستعداد لأن أدفع عمرى كله لأجله تركنى بهذه السهولة، واختفى كالجبان ورحل.


ورغم كل الشتات الذى كنت أحيا فيه، راهنت بغبائى على عودته.. وكلما دق جرس الباب، كنت أجرى كالطفلة بمنتهى اللهفة وكلى حماس وأفتح فأجد البواب أو صبى المكواة أو محصل الغاز، فأعود خائبة أنزوى فى ركن مظلم فى حجرتى، وأبكى.


لماذا لم يصنع الأطباء أقراصًا مضادة للأزمات العاطفية والفراق؟.. أليست أهم من عقاقير الأنفلونزا والصداع؟


وبعثت له رسائل على هاتفه وحساباته على مواقع التواصل، وهددت بالانتحار الذى فكرت فيه بالفعل، وإجاباته دائمًا كانت بالصمت القاتل.. صمت لم أستطع تفسيره، ولكنه على ما يبدو كان بداية النهاية.. وحاولت بكل ما أملك الدفاع عن حب حياتى، وإنقاذ هذه العلاقة.


وكل يوم كنت أنام على وسادة الألم فى انتظار ردًا واحدًا على رسائلى إليه.. وأصحى فى منتصف الليل أنظر فى شاشة الهاتف لعلنى أجد رنة منه تحيينى من جديد، وكرهت كل الهواتف بعدما انقطع اتصاله.


وبحثت كثيرًا عن أخباره، وليتنى ما فعلت.. وعلمت أنه فى علاقة مع مذيعة، كنت أعتبرها من أقرب الصديقات.. وشعرت أنه طعننى بلا رحمة، وغلغل خنجره فى أحشائى.. وتمادى فى ذلى وإهانتي.


ووقفت كالمشدوهة أراقب جثة ذلك الحب وهى تتحلل حولى وبداخلي، ولا أصدق.


وحاولت النسيان، لكن متعلقاته التى تركها فى كل شيء حولى تحاصرنى، ورائحة عطره لا تغادر أنفى.. وذلك العصفور الصغير الذى أهدانى يومًا إياه، صار صديق وحدتى وأهم ما أملك.. ولم أنج من طوفان الحنين وهجوم الذكريات.


وأصبحت أسيرة لهذه الذكريات، وسجينة لذلك الماضى الذى تآمر تمامًا ضدى.. بينما هو يعيش حاضره مع قصة جديدة يجدد بها شبابه، ويتركنى أنا فى دوامة العمر للهلاك والضياع.


لقد تركنى كسفينة غارقة، أو بيت خراب مهدم.. كطفلةٍ صغيرة تاهت من أمها وسط الزحام.. وعشت من بعده كأننى فى صالة مطار مزدحم تقلع منه مئات الطائرات ورحلات ذهاب وإياب، وأنا كالبلهاء لا أزال أنتظر رحلة بعينها، ولكنها أبدًا لا تأتى.


كل الأغانى أصبحت أسمعها، وكأن مؤلفيها كتبوها خصيصًا من أجلى.. وكل منشورات الأصدقاء على مواقع التواصل أقرؤها رغم سذاجتها، وكأنهم يقصدوننى بها.. وكل قصص ومسلسلات الفراق تثير دموعى.. وأصبحت هشة وضعيفة، وأبكى بحرقة كلما تذكرته.


لقد دمر بداخلى كل رغبة فى الاستجابة لمشاعر رجل غيره، وسمم أعماقى برائحته.. وأصبحت أفتش فى كل الرجال عن صورة تشبهه.. وعن رجل يكون نسخة منه.


وحتى رسالتى تلك، أشعر بأن أكثر ما شجعنى فى كتابتها إليك، هو لأن فيك شيئًا منه يذكرنى به..!


ودخلت فى علاقات سطحية لمجرد التعويض والنسيان، وسريعا ما مللت منها.. وأدركت حجم الجرح الذى تركه فى قلبى.. فكل الرجال بعده صاروا أشباحًا لا أشعر بهم، وكل الأحزان من بعده تواضعت أمام حزنى عليه، وكل الجروح بعده سريعًا ما شفيت منها، وبقى جرحى منه.


ومرت ثلاث سنوات وأنا على هذه الحال، وحاولت بجدية هذه المرة نسيانه، وتخلصت من كل متعلقاته ورميتها فى البحر، وحررت عصفوره من قفصه عسى أن أتحرر أنا الأخرى من عذابه.


وتعرفت على مهندس بترول عن طريق أحد الأصدقاء، صارحنى بعد فترة باحترامه وحبه لى، وتعهد بأن ينسينى كل ما فات من عمرى وطلبنى للزواج، وهذه المرة زواج رسمى أمام كل الناس.


أثناء خطبتى حدث ما لم أكن أتوقعه.. فقد ظهر الرجل الذى كنت أحبه وتوسل بعودتى إليه.. ولن أخفيك سرًا أننى فى حيرة من أمرى، ولا أعرف ما أريد بالضبط.. لكنى أفكر فى العودة إليه، وأشعر بأننى أنتمى له.


 


 


أنت يا سيدتى لا تنتمى له أو لغيره، إنما تنتمين للدين الأكبر فى هذا العالم، الذى يدين به ملايين العشاق.. الدين الذى تُحرق له البخور، وتقدم له القرابين والذكر والتسابيح والابتهالات والأغانى والأشعار.. أنت تنتمين لدين الحب.


إن قصتك واحدة من بين ملايين القصص التى تبدأ بالحماس والعشق، وتنتهى باللوعة والعذاب والفراق.. وليس على طريقة الدراما التركية التى يبقى فيها البطل هائمًا وعاشقًا حتى آخر حلقة فى المسلسل.


لكن هل يجب أن تتوقف حياتك عند هذه المأساة العاطفية؟


إن الرجل الذى يشك فى إخلاص امرأةٍ أحبته بصدق، هو رجل غبى جدًا.. ولا يستحق إلا امرأة تكذب عليه، وتخونه بمهارة.


إنه لم يصدق أن امرأة جميلة متألقة وناجحة، قد تكون عاشقة ووفية لرجل مثله.. إن سوسة الشك قتلته ودفعته للهروب كأرنب صغير.. إنه جبان أمام الحب الكبير، ولن يطمئنه سوى بطولات الحب الصغيرة، والعلاقات العابرة.


إن العفو عن هذا اللص الذى سرق ما مضى من عمرك، بمثابة جريمة تمنحه حق استباحتك من جديد، وإهدار القادم من هذا العمر.. إن الذى هرب منك مرة، سيهرب فى كل مرة، إنه مجرد عابر سبيل، وما أكثر العابرين فى حياتنا.


لقد منحتِ حياتك رهن إنسان، ظن أنه فى مرتبة إلهية تتيح له التحكم فى سعادتك وشقائك كيفما يشاء.. وكل دموعك وتوسلاتك أمامه وضعتكِ فى موقف اتهام، وكل دفاع منك قام بتوظيفه ضدك.


وفى أول محطة بعد فراقك ارتمى فى أحضان صديقتك، كى تكون الضربة موجعة، وكى يشعر بجوارها أن فيها شيئًا منكِ يطمئنه أن قراره لم يكن خطأ.


لقد سطا على أحلامك كلص محترف، واغتال نجاحاتك، واستولى على رصيد مشاعرك، وبدده أمام عينيك.. وانقطع عنكِ أسابيع وشهورا يتسلى بقصص أخرى، وينتظر منك استسلامًا أو اعتذارًا على سوء ظنونه وشكوكه الذكورية.


ورغم كل هذا التبجح والصفاقة، حضرتك تفكرين فى العودة إليه!


وهذا ليس له سوى معنى من اثنين: إما أنكِ بحاجة إلى مزيد من الجرح والإهانة كى تفيقى من خِدرك وغيبوبتك، وإما أنكِ شخصية ماسوشية تستمتعين بتعذيب الآخرين لك ولمشاعرك.


إن سلام الإنسان مع روحه أهم بكثير من عواطف تجلب له الدمار، ويسميها حبًا.. وليس مطلوبًا من الإنسان أن يقتل عواطفه، لكن يكفى أن يحكمها بألا يتركها تحكمه.


امنحى نفسك فرصة مخلصة للاقتراب من المهندس الذى طلبك للزواج، فهو مستعد لأن يقدم لكِ ما لم يقدمه ذلك الوغد الذى عاد يستجدى اهتمامك.