خذي أذني.. واعطني قلبك

11/04/2016 - 9:04:38

عاطف بشاي عاطف بشاي

كتب - عاطف بشاي

إذا كان من الشائع ان نقول إن النفس الإنسانية تمثل لغزا كبيرا كثيراً ما يحار في تفسير اسرارها علماء وأطباء النفس انفسهم فان مرض الفصام هو لغز الألغاز وهو اغرب الأمراض العقلية التي تعكس تلك الحيرة.. فهو مرض ذو ألف وجه حيث يتعذر الالمام بكل جوانبه نظراً للتباين في اعراضه ودوافعه وأسبابه وجذوره وأشكاله وانواعه واهم انواع الفصام الشائعة هي "الفصام البارانوي" وأشهر نجومه الفنان التشكيلي الهولندي العظيم "فان جوخ" الذي أبدع اكثر من (700) لوحة وما يزيد علي ألف رسم.. وهو صاحب لوحة (آنية وزهور) المعروفة باسم (أزهار الخشخاش) عام (1886) التي سرقت من متحف "محمد محمود خليل" وزوجته.


"وفان جوخ" له مكانة عظيمة في تاريخ الفن التشكيلي.. فهو الذي أنشأ المدرسة التعبيرية التي تهتم بالتعبير عن أعماق الفنان وخفايا نفسه وما يعتمل فيها من صراعات عن طريق استخدام ضربات الفرشاة واتجاهات الخطوط والمساحات الملونة التي تعكس انفعالات الفنان الصاخبة والتي تضج بالحياة والحركة..


فما طبيعة معاناة "فان جوخ" النفسية والعقلية؟!.. وأي غرابة في سلوكه الفصامي الذي دفعه الي قطع أذنه من أجل حبيبته؟!


***


أنت رائعة الجمال ياراشيل:


هذه الجملة قالها "فان جوخ" لفتاة البار في ملهي وهو يتأمل وجهها في إعجاب: فابتسمت له الفتاة ورددت في دلال وترغيب:


- إنني احب ان يعجب بي الرجال.. فكم هذا جميل


وحينما همّ الفنان بالانصراف قبلت أذنه مرددة:


- ان لك أذناً صغيرة جميلة كأنها أذن جرو.. تعال لتراني كل ليلة..


- ليس كل ليلة.. فليس معي المال اللازم لذلك.


- إذا لم يكن معك المال فأعطني أذنك إذن.. انني احب ان أقبلها دائماً..


وودعته وهي تتكرر مؤكدة: لا تنس ان تبعث إلي بأذنك الصغيرة..


وما يلبث "فان جوخ" بعد فترة ان يذهب مرة اخري ذات ليلة الي الملهي ورأسه معصوبة بضمادات كثيرة.. وما ان يري الفتاة حتي يمد يده اليها بلفافة مربوطة مردداً: إليك هذا التذكار..


تحل الفتاة الرباط.. فيظهر علي وجهها أقصي درجات الذعر والهلع حيث تجد بداخل اللفافة أذناً يقطر منها الدم.. وتسقط مغشياً عليها..


إن حالة "الفصام البارانوي" هنا تبدو واضحة جلية.. حيث يعاني المريض من ظاهرة خداع الحواس المتمثل في الهلاوس السمعية والبصرية.. وهي مدركات حسية ليس لها أي مصدر في العالم الخارجي.. فيسمع المريض اصواتاً تتحدث إليه او تذكر اسمه دون ان يكون هناك من يتحدث إليه..


 


كذلك يري اشخاصاً أو أشياء غير موجودة في الواقع.. وقد تحدث الهلاوس في أي حاسة من الحواس.. إلا أن اكثرها شيوعاً خلال جميع مراحل المرض هي الهلاوس السمعية وأقلها شيوعاً هلاوس الشم والتذوق واللمس.


يمكننا ان نستنتج إذن من واقعة قطع "فان جوخ" لأذنه واهدائها للغانية القائمة علي الحوار الذي تم بينه وبينها.. إن هذا الحوار لم يتم في الواقع وانما تم تحت تأثير الهلاوس السمعية.. حيث إن تلك الفتاة الجميلة ذات العينين الواسعتين الزرقاوين والشعر الاسود الفاحم.. تبادله الحب.. كرد فعل لإحباطاته السابقة في علاقته بالمرأة.. ففي بداية حياته كان يعمل بائعاً للصور في متحف "جوبيل" بلندن.. وحينما أحب لأول مرة قوبل حبه بالامتهان.. ففي الليلة التي قال فيها لفتاته (اورسولا): اتقبلين أن تكوني زوجتي!!


أجابته باستهجان: زوجتك أنت!!.. هذا محال..


وانصرفت من أمامه مسرعة وهي تتمتم: يالك من بائع صور أحمق.. أحمر الشعر..


وما يجعلنا نميل الي هذا الاعتقاد ارتباط عرض آخر من اعراض الفصام - بالاضافة الي الهلاوس السمعية والبصرية - بحالة "فان جوخ" هو سيطرة المعتقدات الضلالية علي عقله.. تلك المعتقدات التي تتزايد فيها شكوك المريض في الآخرين.. حيث يعتقد أنهم ينظرون إليه نظرات غريبة.. ويسخرون منه.. ويميل الي تأويل الوقائع والاشياء تأويلاً غريباً.. لا يشاركه فيه أحد.. فيتصور مثلاً ان بيته قد ثبت بداخله اجهزة تنصت ترصد تفكيره، او ان طعامه قد وضع فيه سم.. كما انه يقتنع اقتناعاً تاماً ان بعض الناس او القوي الخارجية تعمل علي اضطهاده او إيقاع الاذي به.. او علي الاقل ترصد سلوكه وتخطط لإلحاق الضرر به في المستقبل.


ما يؤكد ذلك انه بعد حادثة قطع "فان جوخ" لأذنه واهدائها للغانية بعدة أسابيع.. حدث أن كان ذات ليلة في احد المطاعم.. واذا به ينتفض فجأة ويدفع بالطبق الي الارض ويركل المائدة بقدمه وهو يصيح في ثورة عارمة: "إنكم تريدون ان تسموني".. وحضر رجال الشرطة وحملوه الي المستشفي "سان ريمي" للامراض العقلية وهناك - ويا للغرابة - يبدع أعظم أعماله..