البورجوازية المصرية .. المسيرة والمصير

02/09/2014 - 9:56:52

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

دراسة بقلم: د. عاصـــم الدســوقـي

مصطلح "الطبقة الوسطي" يعد من المصطلحات التي تمثل أحد الإشكالات في الفكر الاجتماعي، ذلك أن هذه الطبقة تضم في طياتها كل من لا يمكن اعتباره طبقة عليا في المجتمع أو طبقة دنيا، وبالتالي فإنها طبقة رجراجة و متغيره و غير محدده و تتسع و تنكمش طبقا لحاله الحراك الاجتماعى بين الطبقتين الدنيا و العليا


والأصل في تسمية "الطبقة الوسطي" تاريخيا يعود إلي نشأة البورجوازية في بلدان أوروبا وخاصة في فرنسا. والبورجوازية في أصلها وبإيجاز شديد عبارة عن جماعة من الناس الذين اشتغلوا بالتبادل التجاري في فائض الإنتاج بين الإقطاعيات المتناثرة هنا وهناك زمن العصور الوسطي (المعروفة اصطلاحا بعصور الإقطاع). وقام أولئك التجار بتأسيس مراكز تجارية أقاموا فيها بعيدا عن الاقطاعيات ويعرف هذا المركز في لاتينية العصور الوسطي باسم Bourg ومن ثم عرف الذين أقاموا في هذه المراكز باسم البورجوازيين Bourgeoisie.


وقبل ظهور هذه البورجوازية علي ذلك النحو كان المجتمع في أوروبا ينقسم إلي طبقتين رئيسيتين: طبقة عليا قوامها اللوردات والبارونات والأمراء (الأرستقراطية)، وطبقة دنيا قوامها عامة أهل المدينة والفلاحون الأحرار والعبيد. فلما تبلورت ملامح البورجوازية في منتصف القرن الخامس عشر، لم يكن من الممكن إدخالها ضمن الطبقة العليا بحدودها المعروفة، كما لم يكن من الممكن اعتبارها أيضا من الطبقة الدنيا بحدودها المستقرة، ومن هنا جاء مصطلح "الطبقة الوسطي" Middle Class للتعبير عن وضع البورجوازية في وسط سلم التراتب الاجتماعي.


ومن المعروف تاريخيا أن هذه الطبقة في أوروبا هي التي قامت بدور ملحوظ في البناء والتقدم بالمجتمع إلي آفاق بعيدة ومتجددة وخاصة عندما اتسع نشاطها من مجال التجارة إلي الإنتاج الصناعي مع الثورة الصناعية واكتشاف الطاقة (منتصف القرن الثامن عشر)، إلي السيطرة علي عمليات التمويل من خلال تكوين البنوك، إلي الإسهام بدور كبير في الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية والعمرانية بصرف النظر عن الآثار الجانبية لهذا الدور من حيث تركز الثروة والاحتكار والاستعمار الخارجي.


طبقتان


كان هذا المدخل الذي أردته أن يكون موجزا أمراً ضرورياً لفهم معالم الطبقة الوسطي في مصر وحدودها ومعناها حتي نخرج من دائرة القياس الشكلي والتشبيهات غير العلمية. وعلي هذا الأساس يصبح من التعسف البحث عن بورجوازية مصرية بالملامح الاقتصادية- الاجتماعية أوربيا، إلا إذا قصرنا المصطلح علي سكان المدينة في مصر من باب التعريب المجرد. وهذا لا يكفي لأن المدينة المصرية في الأصل لم ينشئها التجار في مصر مثلما أنشأ تجار أوروبا مدينتهم كما رأينا، وإنما كانت المدينة المصرية في الأصل مواقع إدارية عسكرية أقامتها سلطات الحكم زمن الفراعنة، ثم سلطات الغزو فيما بعد ابتداء من فارسكور (فارس كور أي مدينة الفرس) وانتهاء بالقاهرة، ومرورا بالإسكندرية والفسطاط (عمرو بن العاص)، والقطائع (أحمد بن طولون)، ومدينة "العسكر" زمن الإخشيد.


علي كل حال.. لم تكن مصر تختلف عن بلدان العالم الأخري تاريخيا من حيث وجود طبقتين رئيسيتين وهما: الطبقة العليا ويعرف أصحابها بالسادة أو الأشراف أو علية القوم أو أولاد الناس، والطبقة الدنيا التي يعرف أصحابها باسم العامة أو الأراذل أو الذعر أو الرعاع أو الحرافيش أو الأصاغر وغير ذلك من الصفات الدونية.


لكن مكونات هاتين الطبقتين اجتماعيا كانت تختلف عن مثيلاتهما في أوروبا. ففي مصر وعلي مراحل التاريخ كانت الطبقة العليا تتكون من العناصر الحاكمة بحق الوراثة أو بحق الغزو والاحتلال ممن وصفهم المقريزي أواخر القرن الرابع عشر وأوائل القرن الخامس عشر "بأولي اليسار والنعمة من ذوي الرفاهية"، ثم أضيف لهم فيما بعد وفي العصر العثماني كل العناصر التي استفادت من وجودها بجوار الحاكم من كبار رجال الإدارة والجيش أولئك الذين تحددت مكانتهم بشكل واضح وقانوني بفعل قوانين الحيازة الزراعية وخاصة في عهد محمد علي باشا منذ عام 1837 من أصحاب الأبعاديات والجفالك، ومن بعض أصحاب الوكالات التجارية الكبري وخاصة تجارة الواردات، وشيوخ طوائف المهن المتميزة، وكبار العلماء (رجال الأزهر) ممن يتمتعون بحق إدارة الأوقاف. وأما الطبقة الدنيا فكانت تتكون من الذين يعملون في الأرض الزراعية والحرف الصناعية ويقومون بمختلف الخدمات ويعرفون إجمالا بالعامة أو الأهالي ممن قال عنهم المقريزي أيضا "ذوي الحاجة والمسكنة".


نشأة الطبقة


والحال كذلك.. كيف ظهرت الطبقة الوسطي في مصر بمعني التوسط بين طبقة عليا وأخري دنيا، واحتلت مكانها في السلم الاجتماعي بين الطبقتين ؟.


كانت سياسة محمد علي باشا الاقتصادية والتعليمية وراء بلورة الطبقة الوسطي في مصر ومكانتها الاجتماعية، ذلك أن سياساته في مجال الصناعة والزراعة تطلبت إعداد كفاءات إنتاجية وخبرات تعليمية متقدمة لم يكن التعليم السائد آنذاك يوفرها، ومن هنا أقام محمد علي نظاماً تعليمياً يرتبط باحتياجات الإنتاج، ومن ثم كانت المهندسخانة ومدرسة الزراعة ومدرسة الطب، وإيفاد البعثات الفنية للتدريب في إيطاليا ثم في فرنسا فضلا عن إعداد الجيش من المصريين. أما المتخرجون في هذه المدارس والعائدون من البعثات فقد تم تعيينهم في وظائف الجهاز الحكومي ووظائف الدولة في المستويات المختلفة. ومن هنا بدأ التكنوقراطيون والبيروقراطيون يحتلون مواقع إدارية وفنية وتنفيذية في الدولة، ويمثلون الحكومة أمام كافة شرائح المجتمع، ومن ثم كانوا أساس الطبقة الوسطي الجديدة التي يعيش أفرادها علي العائد الثابت من الوظيفة الحكومية. ولقد ساعدت سياسة خلفاء محمد علي علي اتساع حجم هذه الطبقة من خلال الاستمرار في سياسة التعليم علي حساب الدولة وتنويع مراحله وتعدد مدارسه وتخصصاته، وكذلك استمرار البعثات، وتطوير القوات العسكرية، وفتح مجالات التوظف أمام الخريجين. أما الذين اختاروا العمل الحر (أي خارج الحكومة) في المجالات المناسبة من أولئك الخريجين في الطب والصيدلة والهندسة والمحاماة، فقد كونوا شريحة المهنيين في الطبقة الوسطي. وبهذا التكوين أصبحت الطبقة الوسطي بمختلف شرائحها قابلة للتوسيع مع زيادة فرص التعليم في رعاية الدولة وتحت حمايتها.


غير أن هذه الفرص أخذت في الانكماش بوقوع مصر تحت الاحتلال البريطاني (سبتمبر 1882) حيث فرضت السلطات البريطانية رسوما علي التعليم فلم يعد مجانيا وبالتالي اقتصر علي القادرين ماليا فبدأت شريحة الموظفين والمهنيين في الطبقة الوسطي تنكمش، كما اقتصر الالتحاق بالجامعة عند تأسيسها في 1908 علي أبناء العائلات القادرة ماليا أو علي من يكونون في رعاية إحدي العائلات الغنية. ولم يعد لأولاد العامة فرصة للتعلم إلا من خلال مدارس الجمعيات الأهلية الخيرية التي خصصت نسبة 8% من التلاميذ للتعليم المجاني استفاد منها أولاد عامة أهل الريف والمدن.


ومن ناحية أخري ومع الاحتلال البريطاني دخل أصحاب رأس المال الحكم في مختلف الوزارات وكان من قبل مقتصرا علي الأتراك ومن جاء في ركابهم من شعوب وسط آسيا وبلاد البلقان، ومن ثم تعرضت الطبقة الوسطي المصرية للاهتزاز لأن رأس المال لا يعرف الوطن أو الملة أو الدين وإنما يعرف الربح والمكسب ودون تقديم التزامات اجتماعية للمحكومين. وهذا يفسر سلسلة الاضرابات والمظاهرات التي شهدتها مصر منذ أواخر القرن التاسع عشر وفي ظل الاحتلال حيث اختلطت فيها المطالب الاجتماعية بمطلب الجلاء والاستقلال.


ومما زاد في درجة الاحتقان الاجتماعي أن قانون الانتخاب للبرلمان الذي صاحب دستور 1923 وضع شروطا جعلت البرلمان وهو السلطة التشريعية في يد طبقة كبار ملاك الأرض الزراعية وأصحاب رأس المال التجاري والصناعي، حين نص علي أن الذي يرشح نفسه لمجلس الشيوخ يكون ممن يدفعون ضريبة أطيان زراعية قدرها 150 جنيها في السنة وهذا يعني أن يكون مالكا لثلاثمائة فدان لأن ضريبة الفدان الواحد آنذاك كانت خمسين قرشا (نصف جنيه)، وأن من يرشح نفسه لمجلس النواب يدفع تأمينا قدره 150 جنيهاً أيضا لا يرد له إلا إذا حصل علي نسبة 5% من الأصوات مع إعفاء حملة الشهادات العليا من هذا الشرط الذين هم أبناء الطبقة العليا في المجتمع طبقا لما قررته سلطات الاحتلال من إلغاء مجانية التعليم كما سبقت الإشارة. والحال كذلك كانت التشريعات التي أصدرها برلمان هذا الدستور في صالح الأغنياء، فزادت الضغوط علي الطبقة الوسطي ولم يجد أبناؤها إلا وسيلة الإضراب. وكان الإضراب يعد غير مشروع في نظر السلطات حيث لم ينص الدستور علي حق العمال في تكوين النقابات، بينما كان أصحاب المال يتحصنون داخل نقاباتهم مثل النقابة الزراعية العامة، واتحاد الصناعات، والغرفة التجارية. ورغم الحريات المنصوص عليها في الدستور إلا أنها حريات مقيدة بالقانون أو العادات أو الأخلاق والتقاليد. ورغم هذا فإن هناك من يفسر الإضرابات التي شهدتها مصر قبل 1952 بأنها دليل الحرية والليبرالية دون أن يدرسوا بعناية شروط الحرية المنصوص عليها في ذلك الدستور الذي أجاز مصادرة الصحف "وقاية للمجتمع من الأفكار الهدامة".


وهكذا استمر أبناء الطبقة الوسطي وحلفاؤهم من العمال والفلاحين في صراع مع رأس المال والاحتلال البريطاني إلي أن قام الضباط الأحرار وهم من أبناء الطبقة الوسطي من شرائح الموظفين وعمد القري ومشايخها بالاستيلاء علي الحكم ليلة 23 يوليو 1952 وبدأت مرحلة الثورة. وهنا بدأت الطبقة الوسطي تستعيد قامتها وتنهض وتنتعش بمقتضي سياسات الثورة الاقتصادية والاجتماعية حين قررت مجانية التعليم في المراحل المختلفة، وتعيين خريجي الجامعات وحملة الدبلومات المتوسطة في وظائف الحكومة والقطاع العام الذي نشأ بمقتضي قرارات التأميم الكبري في يوليو 1961.


وأكثر من هذا أن الدولة أتاحت لهؤلاء ولسائر عموم الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطي حياة اجتماعية كريمة عندما ضبطت الأسعار طالما أنه لم يكن بالاستطاعة زيادة الأجور والمرتبات، وأتاحت لمن يريد من شباب الخريجين الزواج وتكوين أسرة الحصول علي الاحتياجات الأساسية من أثاث وأجهزة منزلية بالتقسيط من محلات القطاع العام ودون فوائد. ومن ناحية أخري بدأت هذه الطبقة تشعر بالأمان علي مستقبلها من خلال إسهامها في الحياة السياسية بمقتضي القوانين التي قررت دخول العمال عضوية مجلس إدارة الشركة التي يعملون بها، وتخصيص نسبة للعمال والفلاحين في التنظيم السياسي والهيئة التشريعية (مجلس الأمة).


البورجوازية والدولة


وخلاصة هذه المسيرة كما رأينا يعني أن الطبقة الوسطي في مصر تكونت بفعل قرارات الدولة التي انشأت التعليم بالمجان، وأرسلت البعثات، وفتحت باب التوظف للخريجين. ومن هنا نشأ أبناء هذه الطبقة وهم يحملون في ضميرهم روح الولاء للحكومة طالما أن الحكومة لا تتخلي عن التزاماتها تجاههم. وهذا يفسر أن التاريخ لم يرصد مواقف اجتماعية ضد الحكم منذ محمد علي باشا وحتي الاحتلال البريطاني، ذلك أن دولة محمد علي وحتي وقوع الاحتلال البريطاني كانت تتبني حاجات المواطنين دون أن يقوموا بمظاهرة أو يقفوا وقفة احتجاجية هنا وهناك. كما لم يرصد التاريخ مظاهرات اجتماعية ضد حكم ثورة يوليو زمن رئاسة جمال عبد الناصر باستثناء مظاهرات الطلاب في فبراير 1968 احتجاجا علي ضعف الأحكام التي صدرت ضد رجال سلاح الطيران علي مسئوليتهم عن هزيمة يونيه 1967، وقد استجاب عبد الناصر للمتظاهرين وقرر إعادة المحاكمة وقال قولته الشهيرة: الشعب يريد وأنا معه"، ولم تكن مظاهرة تطالب بالعدالة الاجتماعية.


لكن لما بدأت الدولة تتخلي عن دورها الاقتصادي والاجتماعي ابتداء من منتصف السبعينيات (القرن العشرون) تحت حكم السادات فيما عرف بسياسة الانفتاح وإعادة هيكلة الاقتصاد ببيع القطاع العام ودخول رأس المال الأجنبي والمحلي مجال الإنتاج والخدمات، بدأت الطبقة الوسطي تعاني من مصير مظلم. وكان من تداعيات تلك السياسات زيادة حجم البطالة وارتفاع نسبة التضخم بحيث لم يعد في إمكان كثير من أبناء هذه الطبقة الوفاء بالضروريات. وهذا معناه أنه عندما تخلت الدولة عن دورها الاقتصادي الاجتماعي انفجر أبناء الطبقة الوسطي في وجه الحكم منذ مظاهرات يناير 1977، واستمر التوتر الاجتماعي مع حكم مبارك الذي تابع سياسات السادات.


الشيطان والانكسار


بدأ رجال حكم السادات-مبارك يتحدثون عن دور الدولة الليبرالية التي لا علاقة لها بالمسئولية الاجتماعية التي يجب ان تنقل إلي الأفراد ومؤسساتهم والأفراد هنا هم أصحاب رأس المال، فانفتح الطريق أمام رأس المال الفردي مرة أخري ولكن باسم "رجال الأعمال" وهو اسم فني جديد للرأسمالية. وفي هذا الخصوص بدأت الحكومة تعيد النظر في فلسفة القطاع العام، وتسعي إلي تفكيكه وطرحه للبيع لمن يتقدم من أصحاب رءوس الأموال بدعوي أنه يخسر، مع ان هذا القطاع لم يكن يستهدف الربح أصلا، ولو كان يستهدفه لكان من السهل بيع منتجاته بالتسعير الرأسمالي. كما بدأ التخلي عن سياسة تعيين الخريجين تدريجيا بدعوي ان سياسة التعيين انتهت الي وجود بطالة مستترة وغير منتجة، مع ان الهدف الاقتصادي لدولة القطاع العام كان انشاء مزيد من وحدات الانتاج لاستيعاب الخريجين عاما بعد عام لولا استنزاف الموارد في الصراع العربي الاسرائيلي.


ولقد انتهت السياسة الجديدة الي قذف خريجي الجامعات وحملة الدبلومات المتوسطة الي أرصفة الشوارع، وهم نسبة كبيرة من الذين هم في سن العمل، يبحثون عن أي عمل وبأي أجر لا يضمن حياة مستقرة، أو يسعون الي الهجرة الدائمة أو المؤقتة، الا أصحاب الحظوة والوساطة الحميدة الدين أتيحت لهم الوظائف في الشركات الخاصة، وفروع البنوك الأجنبية، والشركات الأجنبية، والتوكيلات التجارية. كما أطلقت الدولة لأصحاب العقارات تحديد الإيجار كما يحلو لهم طبقا لقانون العرض والطلب، وتفتق ذهن هؤلاء عن حيلة غير مسبوقة ألا وهي تمليك الشقق بمبالغ لا يمكن ان تكون في إمكانية الخريج الذي يعمل فما بالك بالذي لم تتح له فرصة العمل أصلا