«المصور» داخل أكبر مركز لجراحة قلب الأطفال فى مصر قلوب صغيرة على أسرّة الأمل

06/04/2016 - 2:24:23

أعدت الملف: إيمان النجار

نظرتك ستكون بالقطع سريعة ..  فلن تقوى عيناك على تدقيق النظر ورؤية أطفال بعد أسابيع من الولادة أو حتى شهور تحيط بهم الأسلاك.. أجسادهم تحتضنها الأجهزة، وليست أحضان  أمهاتهم .. ردينة، إبراهيم، رفيدة، فارس، دعاء أعمارهم تتراوح ما بين ٤ أشهر و١٢ سنة، يرقدون على أسرة الرعاية المركزة بمركز جراحات القلب بمستشفى أطفال مصر، بعد إجراء جراحات قلب مفتوح، حالفهم الحظ وأجريت لهم الجراحة.. لكن.. هناك  مئات غيرهم ينتظرون دورهم فى قائمة انتظار، وفقا لتصريحات المسئولين،  تمتد لستة أشهر وتضم نحو ألف طفل!


 «ردينة على» عمرها في الحياة ٦ أشهر فقط، استقبلتها والدتها بعد خروجها من الرعاية المركزة وهى فى حالة توتر ممزوج بالأمل فى شفاء رضيعتها، وتحكى الأم قصة طفلتها: «عرفنا من الأسبوع الأول لولادتها أنها تعانى من مشكلة فى القلب بعد عرضها على طبيب الأطفال طلب أشعة واكتشفنا وجود ثلاثة ثقوب وضيق فى الشريان، وانتظرت ثلاثة أشهر لإجراء الجراحة ونحمد الله أجريت الجراحة والأطباء أكدوا أن حالتها جيدة».


على مقربة من ردينة، يرقد إبراهيم علي، ١٢ عاما، متكئا على كتف والدته وهى لا تقوى على الحديث من قلقها على ولدها، لكنها تماسكت قليلا، وبنبرة حزينة قالت: «انتظرنا أكثر من أربعة أشهر ونحن فى قلق وخوف عليه إلى أن جاء الموعد وأجريت جراحة قلب مفتوح له بمستشفى أطفال مصر، والحمد لله نجد رعاية واهتماما وتحمل التأمين الصحى تكاليف الجراحة، ولكن المشكلة فى الانتظار والتنقل من محافظة الشرقية».


تركنا غرف استشفاء الملائكة الصغار، لنتحدث مع الدكتور محمد طه، مدير مستشفى أطفال مصر للتأمين الصحى، الذى بدأ حديثه بالقول: «المستشفى يوجد به أكبر لجنة على مستوى الجمهورية لجراحة قلب الأطفال، وهناك أيضا ثلاث لجان فى محافظات أخرى وحتى قرارات هذه اللجان ترد إلينا فى بعض الحالات، وتستقبل العيادات الخارجية ما بين١٠ و١٢ ألف طفل يعانون من مشاكل فى القلب سنويا، منهم ما بين ٧ إلى ٩ آلاف طفل تستقبلهم اللجنة من مختلف أنحاء الجمهورية بخلاف من يترددون على لجنتى فى الصعيد والدلتا، وجيمعهم يحتاجون لجراحات قلب مفتوح على مستوى الجمهورية وما يتم فعليا إجراء جراحات لهم لا يتعدى عددهم ٣ آلاف طفل فقط، ولدينا عجز ٦ آلاف طفل يحتاجون جراحات، وهذا بخلاف الأطفال الذين لا يصلون لنا».


القاهرة قبلة المرضى !


يجري مركز جراحات القلب بالمستشفى ما بين ١٤٠٠ إلى ١٦٠٠ جراحة قلب مفتوح سنويا، ويقول د. طه «هذا أكبر مركز على مستوى الجمهورية لجراحات قلب الأطفال من مختلف المحافظات، والمستشفى يستقبل الأطفال من مختلف أنحاء الجمهورية وأكثر من ٧٠ ٪ منهم من محافظات الأقاليم».


مركز جراحات القلب المفتوح بالمستشفى أنشئ منذ عام ٢٠٠١ كمركز متخصص منفصل، لكن الجراحات بدأت بالمستشفى منذ ١٩٩٨، وتم إجراء نحو ١٨ ألف جراحة قلب مفتوح تقريبا منذ إنشاء المركز حتى الآن، بحسب مدير المستشفى الذي يتابع: هذا رقم كبير جدا، كما أن المركز يضم ثلاثة أدوار منفصلة عن المستشفى، بها نحو ٥٠ سريرا للإقامة ما بعد العملية وما قبل العملية، ونحو ٢٥ سرير رعاية مركزة مقسمة على ثلاث رعايات، ونحو ٣ غرف عمليات تجرى ما بين ٥ إلى ٦ حالات يوميا وهذا عدد كبير جدا، ونسب نجاح الجراحات تفوق ٩٠ فى المائة وهذه نسبة جيدة جدا مع الإمكانيات المتاحة.


وعن طبيعة الحالات التى يستقبلها المستشفى، قال: بالنظر لطبيعة الحالات فتوجد مشكلة فى نوعية المرضى فتوجد حالات شديدة التعقيد، وتوجد معايير ترتبط بالطفل نفسه تعد من عوامل نجاح الجراحات الوزن، العمر، نوع العملية نفسها وهذه معايير لنجاح العملية خاصة لقلب الأطفال، وتستغرق الجراحة من ساعتين إلى أربع ساعات، ولدينا ٢١ جراح قلب أطفال وهذا العدد كبير، لكن ذلك فيه ميزة وعيب، الميزة أن لدينا متوفر فى كل وقت، أما العيب أنهم مكدسون فى مكان واحد وكل جراح يجرى عدد عمليات أقل حيث توزع الحالات عليهم، وفى المقابل يوجد نقص شديد فى التخدير والتمريض والنواب.


أزمة التمريض والتمويل


وفيما يخص الأزمات التى يعانى منها المستشفى، والتى من الممكن أن تساهم فى إعاقته عن تقديم الخدمة بشكل كامل، يوضح مدير مستشفى أطفال مصر للتأمين الصحى: بالنسبة للمشكلات التى تواجهنا منها، نقص فى القوى البشرية، نقص فى النواب وفى التمريض ونحتاج لزيادتها لكى نستطيع تقديم الخدمة بشكل أفضل، ففى جراحة القلب المفترض أن يكون هناك ممرضة لكل مريض، وهذا غير متوفر، فكل ممرضة تعمل على ثلاثة أسرة وفى مستشفيات تكون ممرضة لكل أربعة أسرة، بالنسبة للنواب لدينا نائب لكل ١٠ أو ١٥ سريرا، ونريد أن يكون هناك نائب لكل خمسة أسرة، وهذا الضغط بالتأكيد يؤدى إلى قصور فى الخدمة المقدمة، وفى المقابل لدينا استشاريون مجمعون فى مكان واحد فإذا نظرنا للصعيد لا نجد كثيرا ونفس الحال فى شمال الدلتا، لكن فى محافظة القاهرة العدد كبير ونحتاج إعادة توزيع لهم بحيث تتم الاستفادة من الخبرات فى مختلف المحافظات بما يسمح بتخريج وتدريب أجيال جديدة، كما توجد مشكلات تتعلق بالتمويل».


تبلغ ميزانية المستشفى ما بين ٥٥ إلى ٦٠ مليون جنيه سنويا والتكلفة يتحملها التأمين الصحى، وفق د.طه الذي يواصل: تتوفر البنية التحتية والأجهزة ونتابع صيانتها، لكن عموما جراحات القلب المفتوح مكلفة، وتزيد فى حالات دون أخرى، فالطفل يبقى فى الرعاية من ٣ إلى ٥ أيام فى المتوسط وأحيانا الطفل يظل لمدة تصل لشهر.


وبخصوص شكاوى المرضى، يقول مدير مستشفى أطفال مصر للتأمين الصحي: غالبا ما ترتبط الشكاوى بالانتظار، ولكن يجب عدم تعميم القصور، وإلقاء الضوء الايجابى حتى لا يفقد المواطن الثقة فى المنظومة الصحية الموجودة، والأمر يرتبط بالاحتياجات والنقص الموجود لرفع مستوى الكفاءة، فلابد من التوسع فى عدد مراكز جراحة القلب والاستفادة بالخبرات الموجودة فى أماكن أخرى، والمستشفى أول جهة فى مصر، تكون امتدادا لجراحة القلب الأطفال فى مستشفى بهتيم للجراحات التخصصية وهو تابع لفرع التأمين الصحى بالقليوبية، وبدأنا به منذ نحو ثمانية أشهر ومخطط للمستشفى أن يجرى نحو ٥٠٠ حالة فى السنة، أجرينا به نحو مائة جراحة حتى الآن بنسبة نجاح عالية جدا، ويوجد به فريق طبى على أعلى مستوى وبه فريق جراحى وهذا رافد ثان من روافد جراحة قلب الأطفال، ونستكمل القوى البشرية به للوصول لمعدلات التشغيل الكاملة، ويجرون حالتين كل يوم ونسعى لزيادة هذا العدد بتوفير القوى البشرية التى نعانى من نقص فيها وهى التمريض والنواب والتخدير، ورافد آخر فى مستشفى «سبورتنج للطلبة بالإسكندرية منذ أكثر من شهر».


اكتشاف المرض


د. محمود زلط، استشاري جراحة قلب الأطفال، مدير مركز جراحة قلب الأطفال بمستشفى أطفال مصر للتأمين الصحي، يشير إلى أن «العيوب الخلقية فى الأطفال كثيرة جدا وتختلف من حالة لأخرى، فليست كلها متماثلة، ونقسمهم عادة لأكثر من نوع منها عيوب الطفل مولود بها وعيوب مكتسبة وتكون لأطفال فى سن المدرسة وتسمى عيوب روماتيزمية وتصيب صمامات القلب، والأكثر شيوعا هى العيوب الخلقية وتقسم إلى نوعين عيوب خلقية تؤثر على نسبة الاكسجين ونسمى الطفل المصاب بها الطفل الأزرق الذى يعانى من نقص شديد فى نسبة الأكسجين، وهذه الحالات تكون صعبة ومركبة وتحتاج تدخلا فى الأشهر الأولى على حسب الحالة».


وعن المشكلات الصحية الأخرى في القلب، يضيف: هناك عيوب تتمثل في ثقوب القلب، أو ضيق فى الشرايين أو الصمامات، وغيرها، وهذه الحالات مسموح فيها بالتدخل بعد فترات على حسب الحالة، فالطفل من الممكن أن يولد بعيب فى القلب ويمكنه العيش به لحين أن يرى الطبيب التدخل وذلك من خلال المتابعات المستمرة، ووزن الطفل عامل مهم جدا فى الجراحة ونسبة نجاحها، فمثلا الطفل الذى يزن ٢ أو ٣ كيلو يختلف عن الذى يزن ١٠ كيلو، فلو نفس العملية تجرى للطفلين تكون معدلات النجاح اكبر فى الطفل الذى يزن أكثر، لان المخاطرة عالية فالمسألة ترتبط ليس بالقلب فقط ولكن بالجسم كله، فالتخدير مخاطرة أخرى مع الطفل صغير الوزن».


ويتابع د. زلط»: العوامل التى سبق وأن تحدثت عنها تجعل أن العيب الخلقى من الممكن أن يعيش به لفترة ليكون عمره أكبر أو وزنه أكبر مع الأخذ فى الاعتبار اختلاف الحالات من طفل لآخر، وتوجد حالات تحتاج التدخل المباشر بعد الولادة مثل حالات انعكاس الشرايين الكبرى وهنا يجب أن تجرى الجراحة خلال أول أسبوعين من عمره وإذا مضت الفترة تنتهى فرصة إجراء الجراحة وهذا ما يمثل عبئا على المركز وغيره من المراكز أن الحالة لابد من تشخيصها مبكرا وأن تحضر مبكرا ويتم وضعه فى مقدمة قائمة الانتظار».


بالنسبة لمؤشرات إصابة الطفل بمشكلة فى القلب، يوضح مدير مركز جراحة القلب بالمستشفى، أنه في الرعاية الصحية الأولية الطفل حديث الولادة، يجب أن يعرض الطفل على طبيب الأطفال وقت الولادة وهو الذى يكتشف وجود مشكلة ما، ومن الأعراض الواضحة لوجود مشكلة فى القلب هى زرقان للون الطفل وهذا يعنى نقصا شديدا فى نسبة الاكسجين أو أن الطفل عنده مشكلة وصعوبة شديدة فى التنفس ونهجان وليس قدرة على الرضاعة بشكل جيد، ويوجد أطفال يصابون بالتهابات رئوية متكررة بشكل زائد وبتردده على طبيب الأطفال يكتشف الإصابة بعد الكشف عليه».


جراحات تتنظر الدور


وفيما يتعلق بـ«قوائم الانتظار» وتكرار شكوى المرضى، يرد د.زلط بقوله: «لدينا قائمة لكل نوع من العيوب الخلقية فيوجد لدينا قائمة طارئة هذه للحالات التى تحتاج التدخل خلال أسبوع أو اثنين، وتوجد قائمة أخرى مدتها ستة أشهر والقائمة الثانية هى التى تحدث توترا للأهالى فهم لا يعرفون الفرق بين الحالات الطارئة والحالة التى يمكنها الانتظار، لدينا الحالات الطارئة خلال شهر، المتوسطة الخطورة من شهرين إلى أربعة أشهر، الحالات الباردة وغير الخطرة ممكن تنتظر من أربعة أشهر لستة أشهر، لدينا ما بين ٨٠٠ إلى ألف طفل على قائمة الانتظار لمختلف القوائم الطارئة والباردة».


مدير مركز جراحة قلب الأطفال، يشدد على أن هدف المستشفى أن يجري الجراحات لكل الأطفال المرضى، وهذا - وفق كلامه- يتطلب تضافر جهود كثيرة جدا من الدولة ومختلف المؤسسات العاملة فى نفس المجال وذلك للقضاء على قوائم الانتظار، مضيفا: هذا يتطلب ضرورة رفع كفاءة الخدمة والعمل فى المراكز المتاحة وقدرتها الاستيعابية من خلال توفير الكوادر البشرية والعوامل المادية فجراحة قلب الأطفال جراحات مكلفة، هذا إلى جانب ضرورة افتتاح مراكز جديدة فى مختلف المحافظات، وكذلك دعم مالى وتطوير الموارد البشرية خاصة الخدمات المعاونة مثل التخدير فلدينا نقص شديد فى تخصص تخدير جراحات قلب الأطفال فى مختلف الجامعات وهذا يرجع لعزوف الأطباء عن هذا التخصص فلا يوجد تمييز أو تحفيز لهذا التخصص الدقيق والخطر، وكذلك التمريض.


وينوه إلى أن مركز جراحات القلب بمستشفى أطفال مصر هو الرئيسى لجراحات القلب المفتوح للأطفال على مستوى الجمهورية ينبع منه عمل باقى المراكز، «فهو المنبع يصب فيه كل طفل له تأمين صحى وبالتالى كل الجامعات والمراكز تعمل من خلالنا فالطفل يتبع للتأمين الصحى يأتى للجنة الرئيسية بالمركز، فكل لجان الجمهورية ترسل للجنة الرئيسية التى توزع بدورها الأطفال على باقى المراكز سواء معهد القلب أو عين شمس أو مستشفى أبو الريش طبقا لكل حالة وطبقا لقوائم الانتظار فى هذه المراكز، اللجنة تجتمع يوميا ويبلغ عدد أعضائها نحو ١٨ عضوا منهم جراحو قلب وتخصصات أمراض قلب أطفال وباطنى وأطباء أطفال، ويطلع الأعضاء على الحالة ويخرج له قرار رسمى بالجراحة ومكان الجراحة».


لجنة واحدة لـ٥٠ طفلا


كما أشار «زلط» أيضا إلى أن اللجنة تضم خمسة أعضاء وتنعقد يوميا ويعرض عليها نحو خمسين طفلا يوميا، وتحدد احتياجات الطفل سواء متابعة أو يحتاج إجراء أشعة معينة، أو قسطرة تشخيصية أو جراحة.


قرار اللجنة يضم التشخيص والإجراء الذى يحتاجه الطفل ويذكر فيها اسم المستشفى ويذكر إذا كانت حالة عاجلة أو حالة باردة وحتى العاجلة فيها درجات، وتتم إحالته على مكان إجراء الجراحة حسب نوعية الحالة الفنية للمريض فتوجد حالات يستوجب إجراؤها مركزا محددا ويكون هو المكان المثالى للحالة فيتم تحويلها عليه حتى فى حال وجود قائمة به.


وفى مركز مستشفى أطفال مصر يتم إجراء نحو ما بين ١٣٠ إلى ١٥٠ جراحة شهريا، ومعهد القلب ٥٠ حالة، ويتم تحويل حالات مثل انعكاسات الشرايين الكبرى لمستشفى أبو الريش الجامعى «اليابانى».


د.زلط لفت الانتباه أيضا إلى أن مشكلة جراحة قلب الأطفال مشكلة قومية تحتاج تضافر جهود كثيرة ووضع خطة قومية للنهوض من خلال تحسين الموارد المالية، «فالتكلفة تختلف من طفل لآخر، ولكن معدل تكلفة الجراحة يتراوح ما بين ٢٠ و٤٠ ألف جنيه، وهى مكلفة عن جراحات الكبار فكل ما هو صغير يكون أغلى سواء مستلزمات طبية أو أدوية، كما أنه من المهم إنشاء مراكز جديدة، تحسين العمل فى المراكز القائمة من خلال تكوين كوادر بشرية فى هذا التخصص من خلال تحفيزهم على العمل فيه، فعلى سبيل المثال المركز متعاقد مع أساتذة جامعات و٦ أطباء تخدير من الجامعة وحاليا نبحث عن أستاذ جامعة لديه خبرة فى جراحة قلب الأطفال، ودائما ما يشكون من عدم القدرة على تكوين كوادر شابة لعزوفهم عن التخصص».