نقابة الصحفيين ٧٥ عــــاماً من الدفاع عن الوطــن والحريات

06/04/2016 - 2:18:32

بقلم - أحمد النجمى

٣١ مارس ١٩٤١.. ليس تاريخاً عادياً!


ثمة أيام بعينها ليست كسائر الأيام، تتحرك فيها الأحداث بصورة دراماتيكية، يخلدها التاريخ بعد ذلك، من يراقب حركة التاريخ يفهم هذه “ التفاعلات التاريخية» فهماً عميقاً، وفى أيام المصريين يتجسد تاريخ ٣١ مارس ١٩٤١ كتتويج لنضال الصحفيين لنصف قرن متصل قبل هذا اليوم، من أجل إنشاء «نقابة الصحفيين»،» إنه «الحلم» الذى قد لايعرف بعض الصحفيين الشباب فى أيامنا الحالية شيئاً عنه، ولايدركون الصعوبة التى مر بها تأسيس كيانهم النقابى الذى يدافع عن المهنة والعاملين فيها اليوم.. وراء «نقابة الصحفيين» الآن تاريخ يمتد ٧٥ عاماً، ثلاثة أرباع قرن من الكفاح المستمر للبقاء والنمو والحفاظ على الدور والنضال المستمر من أجل الوطن والحقوق والحريات.. نقابتنا فى عيدها الماسى تبدو حصناً لايهتز، للكلمة الحرة، والرأى الوطنى، تزداد قوة وشباباً مع الأيام، وتستعصى على خصومها، وهم كثر..!


■ ونعود إلى ٣١ مارس ١٩٤١..!


اليوم الذى صدر فيه «المرسوم الملكى» رقم ١٠، بإنشاء نقابة الصحفيين، لكنه قبل صدور هذا المرسوم، كان ثمة صراع خاضه الصحفيون للوصول إلى تأسيس كيانهم النقابى، وإذا كان هناك «ثلاثة توائم للحرية فى مصر –” الدستور، البرلمان، الصحافة - فإن التوائم الثلاثة شهدوا نفس المخاض فى نفس الفترة.. فمنذ عصر “الخديو إسماعيل” خاض المصريون معركتهم الفريدة لإنجاز دستور ينتزع لهم حقوقهم وحرياتهم، وبرلمان يعبر عن إرادتهم ويراقب أعمال الحكومة ويضع التشريعات، وصحافة تنقل الصورة الصادقة للمشهد الوطنى بأدق تفاصيله.


لم تكن المعارك الثلاثة سهلة.. نعرف مالاقاه «الدستور» من عنت، وكيف عصف «فؤاد» الذى كان سلطاناً ثم ملكاً لمصر «١٩١٧ــ ١٩٣٦» بالدستور الخالد «دستور “١٩٢٣ أحد أهم ثمار ثورة ١٩١٩ الشعبية، ثم عصف به ابنه الملك المخلوع “فاروق” وجعله “جثة هامدة ملقاة على قارعة الطريق” - والتعبير للكاتب العظيم الراحل”أحمد بهاء الدين – “وظل الدستور في حالة مخاض يعقبها سبات، ثنائية ظلت طويلاً تلازمه، حتى أقر المصريون دستورهم العظيم فى يناير ٢٠١٤.


القصة ذاتها هى قصة التوأم الثانى بين هؤلاء التوائم الثلاثة.. البرلمان، ذلك الذى عصف به استبداد فؤاد ثم فاروق، وكان «الوفد» صاحب الأغلبية المطلقة فى النصف الأول من القرن العشرين، كلما وصل إلى الأغلبية البرلمانية فى انتخابات تشريعية حرة، يتآمر (الملك) ـ الأب فؤاد ثم الابن فاروق ــ «ليعصف بهذا البرلمان ويأتى ببرلمان أقليات تتحكم فيه «أحزاب القصر» وظل البرلمان - كالدستور - يلقى العصف المتكرر، ويسجل أرقاماً قياسية فى (التزوير) بواسطة النظم المتعاقبة حتى صار التزوير مهزلة فى آخر برلمانات عصر المخلوع «حسنى مبارك «، برلمان أحمد عز الملياردير الشهير الذى أفسد الحياة السياسية تماماً، وهو برلمان “٢٠١٠”، فكان من العوامل التى دفعت إلى ثورة الشعب المجيدة فى ٢٥ يناير ٢٠١١.ثم جاء (برلمان قندهار) الإخوانى ــ السلفى فى أواخر ٢٠١١ لتولد حرية البرلمان مشوهة


بعد أن طال انتظارها، لكن انتهت المعركة البرلمانية بميلاد برلمان ٢٠١٥ الحالى، الذى على الرغم من بعض العيوب فى بنيته، ولاسيما فى أسماء عدد من أعضائه! يعد أول برلمان حر منذ «حريق القاهرة يناير “١٩٥٢، والذي تم على خلفيته حل البرلمان بتدبير وقرار من المخلوع”فاروق”..!


وبالتوازى مع “نضال الدستور” و “نضال البرلمان” جاء “نضال الصحافة» كافحت توائم الحرية الثلاثة من أجل الميلاد ثم البقاء ثم تحقيق الانتصار فى النهاية.. لكن يبدو «نضال الصحافة” مستمراً ولايزال الطريق أمامه ممتداً..! لاسيما أن الصحافة فى مصر اليوم تواجه تحديات صعبة، من أهمها ذلك «اللوبى» المعادى للحريات، بعض منه نواب برلمانيون، وبعض منه إعلاميون «مع الأسف» وبعض منه رجال أعمال، وبعض منه سياسيون.. إنها «شبكة المصالح» التى تتفق - حين تريد أن تتفق! - على «عدو» واحد، وهذا العدو بالنسبة لهذه الشبكة هو نقابة الصحفيين، يلوذ الصحفيون بنقابتهم.. بيتهم الحصين، في مواجهة هؤلاء.. وهذا أول التحديات، فهؤلاء يريدون «تلوين» الصحافة وفق أهوائهم، كأنها جزء من “ملكياتهم الخاصة”، وكثيراً ما تأتى ضرباتهم الخسيسة “تحت الحزام”، لكن النقابة صامدة ومن ورائها الجماعة الصحفية.


ثمة تحديات أخرى، منها الزملاء المحبوسون ٢٤” زميلاً..” وهم مصنفون على ثلاثة تصنيفات: جزء منهم عليه أحكام تتعلق بالانتماء أو الاشتراك فى أفعال إرهابية تابعة لجماعة الإخوان المحظورة، وجزء منهم على ذمة قضايا لم تصدر فيها أحكام بعد، والجزء الثالث رهن تحقيقات النيابة.. واللافت في حالة هؤلاء الزملاء أن نحو نصف عددهم ليس من أعضاء نقابة الصحفيين ولكنهم “يمارسون” المهنة.


هناك في الطريق تحديات أخرى.. يستلزم التصدى لها صدور “قانون الصحافة والإعلام الموحد”، هذه التحديات المؤجلة - مؤقتاً - هى “حرية تداول المعلومات و “قانون النقابة”، يقول النقيب «يحيى قلاش» في هذا السياق، إن القانون الموحد للصحافة والإعلام الذى توافرت عليه «اللجنة الوطنية للتشريعات الصحفية» لدى الحكومة حالياً، في انتظار رفعه إلى البرلمان للموافقة عليه، بعد ذلك لدينا قانون حرية تداول المعلومات، الذى ينص عليه الدستور المعمول به حالياً «دستور يناير”، وهناك أطراف أخرى متصلة بهذا القانون، لذلك لم ينص عليه القانون الموحد للصحافة والإعلام المنتظر إحالته إلى البرلمان.. وبعد إجازة الأخير من البرلمان، سنقوم بإصدار “حرية تداول المعلومات”، كما سنقوم بإصدار قانون لايقل أهمية وهو «قانون النقابة»، فالقانون الذى يعمل وفقاً له في نقابة الصحفيين الآن هو «القانون ٧٦ لسنة “١٩٧٠ أى أن عمره بلغ ٤٦ عاماً، ولابد من تجديد شامل له، لأنه لم يعد مواكباً للتطورات التى طرأت على سوق العمل، ولا التطورات التقنية ولا طبيعة ممارسة المهنة حالياً.


نقيب الصحفيين “يحيى قلاش” أضاف: وفي المؤتمر العام الخامس للنقابة والذى سيعقد على هامش احتفالنا باليوبيل الماسى لنقابة الصحفيين، هناك «ورقة نقدية» مهمة تتصدى لهذا الشأن أعدها د. محمود علم الدين، كما أن هناك «ورقة نقدية» أخرى أعدها جمال عيطاس تتصدى لتعريف الصحفى الإلكترونى وعمله.. كما نعد لتكريم عدد من رموز المهنة والنقباء الذين أثروا نقابة الصحفيين بعملهم النقابى على مدى السنين الماضية.


هكذا، مكتوب على نقابة الصحفيين وهى تحتفل باليوبيل الماسى لها، أن تتصدى لعلاج مشكلات المهنة، التى تراكمت خلال العقود الأخيرة، سواء المشكلات المتعلقة بحرية التعبير، أو المتعلقة بتنظيم المهنة، أو التى تتصل بتنظيم النقابة ذاته، من هنا نقول إن معارك نقابة الصحفيين لم تنته بعد، ونضال الصحفيين من أجل أوضاع أفضل لمهنة «الحريات والحقوق والمعلومات» لايزال أمامه شوط - وربما أشواط - يتعين على الصحفيين أن يقطعوها..!


وقبل الوصول إلى المشهد الصحفى الحالى، والاحتفال الذى تعتزم نقابة الصحفيين إتمامه خلال الأيام القادمة باليوبيل الماسى للنقابة، ثمة تاريخ طويل لهذه النقابة.. بل ثمة تاريخ لما قبل تأسيسها يسترعى الانتباه، ويستوجب التوقف أمامه!.


نقابة الصحفيين هى المولود الشرعى لحراك تعليمى وثقافى واجتماعى اقتصادى طويل، نتج من انتشار التعليم والاحتكاك بالفكر الغربى، وزيادة التدخل الأجنبى فى الشأن المصرى فى السنوات العشر الأخيرة للخديو إسماعيل «حكم مصر من ١٨٦٣ إلى “١٨٧٩.. لكن قبل ذلك كانت مصر أول بلد عرف الصحافة في العالم العربى، بصدور صحيفة «الوقائع المصرية» على يد العلامة الرائد»رفاعة الطهطاوى» فى عام ١٨٢٨ ، وصدرت أول صحيفة أهلية - غير حكومية - في مصر عام ١٨٦٧ وهى “وادى النيل”، ثم صدرت أقدم الصحف التي لاتزال تصدر إلى اليوم فى العام ١٨٧٦: الأهرام وحين نُكبت مصر بالاحتلال البريطانى “١٨٨٢” بادرت سلطات الاحتلال إلى إصدار صحيفة «المقطم» لتكون لسان حالها، فأصدر - فى مواجهتها - عدد من أقطاب الحركة الوطنية المصرية صحيفة «المؤيد» التى قام على تحريرها الشيخ «على يوسف»، للدفاع عن حقوق مصر ومعارضة سلطات الاحتلال.


بعد ذلك دخلت الصحافة في معركة «الوطنية» على أوسع نطاق.. فها هو «مصطفى كامل» يصدر فى العام ١٩٠٠ جريدة «اللواء”، ثم يصدر «أحمد لطفى السيد” جريدة “الجريدة” فى ١٩٠٧، لكن سبقتهما “ العروة الوثقى “ التى أشرف الشيخ الثائر العظيم “جمال الدين الأفغانى”وصديقه الإمام المستنير “محمد عبده “ فى عام ١٨٨٤ ، وفى ١٨٩٢- قبل ١٢٤ سنة بالضبط- تأسست دار الهلال على يد المثقف العروبى الكبير جرجى زيدان بصدور العدد الأول من مجلة الهلال أقدم إصدارات مؤسستنا العريقة )دار الهلال (التى تتابعت إصداراتها على مر الزمان وفى مقدمتها المصور.. وفى العام نفسه-١٨٩٢- أصدر الأديب والخطيب والثائر الوطنى الكبيرعبدالله النديم جريدة (الأستاذ ( وقد حارب الاحتلال كلاً من )الأستاذ( و)العروة الوثقى)) لوقوفهما الحاد ضد بريطانيا.. لم تحتمل السلطات البريطانية المحتلة سوى ٤٢ عدداً من (الأستاذ، (فنفت (النديم) إلى خارج مصر.


بعد ذلك تتابعت الإصدارات، لكن اللافت للنظر.. هو )تمحور( الأحزاب حول الصحف، فالمتعارف عليه الآن أن تصدر الأحزاب صحفها، لكن فى الماضى البعيد قبل أكثر من مائة عام كانت الصحف تنشأ أولاً، ثم تنشأ الأحزاب حولها.. فجريدة الجريدة قامت أولاً ثم قام حولها حزب (الأمة)، وجريدة المؤيد قامت أولاً ثم قام حولها حزب الإصلاح عن المبادىء الدستورية، وجريدة اللواء قامت أولاً ثم قام حولها الحزب الوطنى.


وتتابعت الإصدارات بعد ذلك، من المجلات (المصور، روزاليوسف، آخر ساعة) فضلاً عن مجموعة متنوعة من المجلات غير السياسية، وكذا الصحف الأسبوعية واليومية.. لكن ماذا عن أول تاريخ فكر فيه الصحفيون فى إنشاء كيان نقابى خاص بهم؟ “الأهرام” أقدم صحف مصر هى أول جريدة انطلقت منها الدعوة إلى إنشاء النقابة، فى العام ١٨٩١ وتكررت الدعوة على صفحات جرائد عدة، ومن ثم جاءت المحاولات الواقعية للتأسيس.. المرة الأولى فى العام ١٩١٢ وانتخبت جمعيتها العمومية “مسيو كانيفيه” صاحب جريدة “لاريفورم” الناطقة بالفرنسية- فى الإسكندرية- نقيباً، ثم فى أعقاب الحرب العالمية الأولى جاءت محاولة إنشاء )رابطة ( تستهدف إنشاء نقابة للصحفيين، والمحاولة الثالثة بعد صدور دستور ١٩٢٣.. حين تحرك ثلاثة من الصحفيين لإنشاء نقابة، وصولاً إلى المحاولة الرابعة التى نجحت، حين أعد رائد الحريات العامة وحرية التعبير والصحافة “محمود عزمى” قانوناً لإنشاء نقابة الصحفيين، وتقدم به إلى رئيس الوزراء آنذاك على ماهر باشا، فتقدم به على ماهر- بدوره- لمجلس النواب ٢٧)نوفمبر (١٩٣٩، وظل المشروع يراوح مكانه حتى أقرت الدولة حق إنشاء النقابات، ثم صدر- فى ٣١ مارس ١٩٤١- قرار إنشاء النقابة.


يحدثنا التاريخ بأن أول صحفى نال عضوية النقابة هو شيخ المهنة الراحل “حافظ محمود” وأن كارنيه عضوية نقابة الصحفيين الذى صدر له كان يحمل رقم (١)، وفى ديسمبر ١٩٤١ اختار أعضاء “الجمعية العمومية” للنقابة أول مجلس منتخب فى تاريخها وضم من أصحاب الصحف ستة أسماء: محمود أبوالفتح اختير نقيباً، عبدالقادر حمزة، محمد خالد، جبرائيل تقلا، أحمد قاسم جودة، مصطفى القشاشى.. وضم من الكتاب والمحررين كلاً من: الأديب الكبير إبراهيم عبدالقادر المازنى، حافظ محمود (صاحب العضوية رقم ١، واختير سكرتيراً عاماً للنقابة، وجلال الدين الحمامصى، وفكرى أباظة رئيس تحرير المصور آنذاك، ومصطفى أمين، وأنطون الجميل.


تتابع على منصب النقيب فى ٧٥ عاماً إلى الآن ٢٠ اسماً، بعضهم تم انتخابه لأكثر من دورة، وهم: محمود أبوالفتح، محمد عبدالقادر حمزة، فكرى أباظة، حسين أبوالفتح، حسين فهمى، أحمد قاسم جودة، صلاح سالم، حافظ محمود، أحمد بهاء الدين، على حمدى الجمال، عبدالمنعم الصاوى، كامل زهيرى، يوسف السباعى، صلاح جلال، إبراهيم نافع، مكرم محمد أحمد، جلال عارف، ممدوح الولى، ضياء رشوان، يحيى قلاش، النقيب الحالى، ومن هذه الأسماء يمكن أن نلاحظ وجود اسمين من أسماء رؤساء تحرير “المصور” تم انتخابهما كنقيب للصحفيين، وهما الأستاذان (فكرى أباظة))و(مكرم محمد أحمد).


هذا عن النقباء.. فماذا عن المقر؟


فى بداية الأمر تنازل النقيب الأول محمود أبوالفتح عن شقة كان يستأجرها فى عمارة “الإيموبليا” من غرفتين وصالة كأول مقر للنقابة.. وفى سنة ١٩٤٤ كان القطب الوفدى والوزير آنذاك “فؤاد سراج الدين” قد أمر بالاستيلاء على مبنى من طابق واحد فى شارع “قصر النيل” بوسط البلد، ومصادرته لصالح نقابة الصحفيين بعد أن كان من أشهر أندية القمار فى هذه المنطقة، وظل الوضع هكذا لفترة.


وجاءت المحاولة الثالثة للحصول على مقر أفضل.. حين أمر الزعيم الوفدى ورئيس الوزراء آنذاك )مصطفى النحاس( بتخصيص قطعة الأرض المجاورة لنقابة المحامين.. لنقابة الصحفيين، لكن جيوش الاحتلال البريطانى استولت على الأرض، ووضع الاحتلال يده على أرض النقابة، وهنا )موقف تاريخى ( لحافظ محمود.. ولهذا الموقف قصته!


كان نقيب الصحفيين وقتئذ فكرى أباظة، حاول التمسك بالأرض.. واتصلت محاولاته هذه مع النحاس باشا رئيس الوزراء.. لكنه لم ينجح، وبينما كان أباظة فى مهمة صحفية خارج مصر لبضعة أيام.. غامر «حافظ محمود» وكيل النقابة فى ذلك التوقيت وقام بتوجيه إنذار إلى القيادة البريطانية فى القاهرة طالب فيه بإجلاء القوات البريطانية من أرض النقابة، والمفاجأة التى طرب لها الصحفيون فى ذلك الوقت أن الاحتلال استجاب وخرج من أرض المقر.. وبعد ذلك برز اسم «مصطفى القشاشى» سكرتير عام النقابة وأحد أهم من تولوا منصب (سكرتير النقابة)، لحل قضية تمويل إقامة مبنى النقابة، ونجح فى ذلك مع «محمود فهمى النقراشى» رئيس الوزراء آنذاك، الذى وقف إلى جانب النقابة فى قضية تمويل مبناها.. الذى صممه المعمارى “د. سيد كريم” ووضع حجر أساسه النقيب محمود أبوالفتح وافتتحه رسمياً النقيب فكرى أباظة فى ٣١مارس ١٩٤٩، وبلغت تكلفته قرابة ٤٠ ألفا من الجنيهات )رقم كبير جيداً وفق قوة شراء الجنيه فى ذلك العهد..( منها ٣٥ ألف جنيه دفعتها الحكومة.


لا يذكر أحد الآن من الصحفيين الشباب قصة- أو ملحمة- تشييد مبنى النقابة الذى افتتح سنة ١٩٤٩، ومن مشاهد هذه الملحمة نكتفى بذكر مشهد واحد.. حافظ محمود الذى كان يقضى نصف وقته فقط فى مقر جريدة (السياسة) اليومية التى كان يرأس تحريرها، ثم يذهب إلى أرض النقابة ليحمل بنفسه الطوب والرمل مع البناة، ومن هنا ظل طوال عمره- رحمة الله عليه- يردد عبارة: لقد بنيت هذه النقابة على يدى..! وتتابعت مشاهد (مقر النقابة) حتى وصلت إلى المقر الحالى المجاور لنقابة المحامين، بمبناه الأنيق شديد التميز.


إذن.. تتابعت جهود الصحفيين لتأسيس نقابة لهم، وبعد انتزاعهم هذا الحق، تتابعت جهودهم ومواقفهم لتأسيس مقر.. فهل توقفت الجهود؟ بالطبع لا، فالمعارك المحيطة بمهنة الصحافة لا تتوقف عادة!


أهم بؤرة لهذه المعارك.. الحريات.


نقابة الصحفيين كانت ولاتزال وستبقى حصناً للحريات، فلا صحافة بدون حرية رأى وتعبير، ولا صحافة حرة فى مجتمع يريد تكبيلها، من هنا.. تتابعت المعارك دفاعاً من النقابة عن الحريات- بصفة عامة- وعن حرية الصحافة بصفة خاصة. بدءاً من معركة (قانون باسيلى) نسبة إلى (استيفان باسيلى) النائب البرلمانى الوفدى الذى تقدم إلى البرلمان عام ١٩٥١ بقانون يحظر نشر أخبار السراى أو أفراد أسرة محمد على إلا بعد ختم من الديوان الملكى، وتصدت النقابة لهذا القانون سيئ السمعة واحتجبت الصحف يوماً، وتراجع (باسيلى( عن اقتراح هذا القانون وطواه الزمان ..!


تجددت معركة الحريات فى أواخر السبعينيات .. الحريات هنا اصطبغت بالموقف الوطنى العظيم لنقابة الصحفيين والذى تتخذه حتى اليوم، وهو حظر «التطبيع» سواء كان نقابياً أو مهنياً مع العدو الصهيونى ، ثم شمل الحظر بعد ذلك « التطبيع الشخصى» .. كانت معركة شديدة الصعوبة، فرئيس الدولة حينذاك «أنور السادات» هو الذى ناصب نقابة الصحفيين العداء، بعد أن شرعت الأقلام الصحفية الحرة الشريفة فى الهجوم على سياسات السادات الرامية للتطبيع مع إسرائيل، والهجوم على مجمل سياساته مع العدو، والتى أفضت إلى معاهدة السلام.. غضب السادات ووصف الصحفيين بأنهم «أعضاء حزب الحديقة» نسبة إلى حديقة النقابة القديمة التى كان الصحفيون يجلسون فيها بالساعات .. فى مواجهة السادات كان النقيب العظيم الراحل «كامل زهيرى» الذى استخدم كل الأدوات والوسائل المتاحة لإثناء السادات عن قراره بتحويل النقابة إلى نادٍ للصحفيينوتصفية الكيان النقابى، وتحت الضغط الهائل من زهيرى والصحفيين تراجع السادات عن فكرة «النادى» لكنه لم يتراجع عن عدائه للنقابة، وظل يمارس ضغوطه عليها لفصل أعضائها من الصحفيين الذين يهاجمون سياساته ويكتبون ضد «كامب دافيد» .. فرفع كامل زهيرى شعاره الشهير جدا : العضوية كالجنسية.. وصدقت الجمعية العمومية للنقابة (مارس (١٩٨٠ على قرارها التاريخى بالتصدى التام لكافة أشكال التطبيع مع العدو الصهيونى وكانت أول نقابة مصرية تسير فى هذا الاتجاه .


كسب الصحفيون (معركة التطبيع) التى كادت تعصف بحريتهم .. بعد ذلك بسنوات ستكون فى انتظارهم معركة أخرى .. معركة القانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥، المعركة المجيدة شديدة التفرد فى نوعها ، وإذا كانت النقابة قد خاضت معركة (باسيلى) ثم التطبيع وانتصرت فيهما، فقد انتصرت أيضاً فى معركة القانون ٩٣ لسنة ١٩٩٥ ، الذى كان - ببساطة - يرمى إلى نزع حرية الصحفيين فى كشف فساد دولة المخلوع ) مبارك( ، بوضع قيود غير مسبوقة على الحريات الصحفية.. حتى وصفة الصحفيون آنذاك بأنه )قانون حماية الفساد.. (وبعد تصديق الرئيس المخلوع مبارك على القانون المشبوه انتفضت نقابة الصحفيين، وانعقدت جمعيتها العمومية الأكثر شهرة على الإطلاق ١٠) يونيه (١٩٩٥)، فى هذا التوقيت لعب الأستاذ(جلال عيسى) دوراً مهماً فى الانتصار للمهنة، وكان نقيباً بالإنابة لوجود النقيب(إبراهيم نافع) خارج البلاد آنذاك، وغطى الصحفيون جدران نقابتهم بالرايات السود، وأقاموا جنازة رمزية شيعوا فيها حرية الصحافة، ونشروا (قائمة سوداء) بأسماء النواب الذين تزعموا تمرير هذا القانون البغيض.. واحتجبت صحف (الوفد، الشعب، الأحرار) يوم الثانى من يونيه ١٩٩٥ ، والأهالى فى ٧ يونيه، وتوالت الاحتجاجات والاعتصامات الصحفية الغاضبة .


وفكر “يحيى قلاش” عضو مجلس النقابة - وقتئذ - فى مخاطبة الأستاذ “هيكل” وبعث للأستاذ رسالة على الفاكس تحمل عبارة قصيرة مركزة تقول : جمعيتنا العمومية بعد غد السبت، مازلنا ننتظر كلمتك ! فاتصل الأستاذ هيكل بقلاش طالبا منه الحضور بمكتبه قبل ظهر الجمعة، وحين التقاه قال له هيكل: طلبت كلمتى .. فعدت إلى مكتبى فى يوم عطلة لكى أكتبها، فلك ماطلبت، وأنت مؤتمن عليها .


وهكذا ألقى “يحيى قلاش “ كلمة الأستاذ هيكل - رحمة الله عليه - خلال أعمال الجمعية العمومية الحاشدة، وأصبحت هذه الكلمة من أدبيات المهنة ومن أبرز صفحات تاريخ نقابة الصحفيين، وواصلت النقابة كفاحها لمدة تزيد على عام.. سقط القانون سيئ السمعة الذى أراد رجال المخلوع فى البرلمان فرضه على الصحفيين .


لم تهدأ معارك النقابة من أجل الحقوق والحريات والمهنة والعاملين فيها، وقادت رموز النقابة - وعلى رأسهم النقيب «جلال عارف» - تحركاً ضخماً للمطالبة بإلغاء الحبس فى قضايا النشر، ونجح مجلس النقابة فى عهده فى عقد جمعية عمومية فى هذا الشأن (٢٠٠٦)، ثم قيادة تظاهرة صحفية أمام مجلس الشعب ، حضرها رموز وطنية وصحفية ونقابية على رأسهم الراحل الجليل «كامل زهيرى» الذى جاء برغم مرضه على كرسى متحرك ليساهم فى حركة جموع الصحفيين المطالبة بإلغاء الحبس فى قضايا النشر ..!


وستبقى نقابة الصحفيين حصناً للكلمة الحرة، والموقف الوطني، ستبقى مركزاً مشعاً فى قلب قاهرة العروبة.. للحرية وللمعلومة الحقيقية ولحقوق الناس.. جميع الناس .. ألف وردة ووردة لك يانقابتنا الجميلة فى عيدك الماسى.. وعاشت وحدة الصحفيين!