أنصار بيت المقدس.. إلى أين؟

06/04/2016 - 2:11:37

بقلم - أحمد بان

فجرت العملية النوعية التى قامت بها قواتنا المسلحة، فى إطار أعمال خطة حق الشهيد بمراحلها السؤال الذى يتجدد دائما فى أعقاب كل ضربة استباقية تقوم بها، خصوصا إذا ارتفعت خسائر التنظيم كما جرى بالأمس فى تلك العملية التى جرت بحرفية عالية، وسبقتها جهود استخباراتية فائقة نهضت بها المخابرات العسكرية مع أجهزة المعلومات فى الأمن الوطنى والمخابرات العامة، كبدت تنظيم أنصار بيت المقدس خسائر فادحة فى الأرواح والمعدات، حيث حصد الجيش أرواح ٦٥ إرهابيا وتدمير عدد من المركبات والمعدات، يبقى السؤال عن الموعد النهائى للقضاء على تنظيم أنصار بيت المقدس والمجموعات الأخرى المتبقية، خصوصا مع تقديرات تؤكد تقلص المجموعات الإرهابية النشطة داخل جيب فى شمال سيناء إلى أربع مجموعات أو تنظيمات، كانت قد وصلت إلى أكثر من ١٩ تنظيما مسلحا مثل أجناد مصر وأنصار الشريعة وأنصار الإسلام وبيت المقدس، أكدت التطورات نجاح خطة القوات المسلحة فى حصار التنظيم داخل جيوب محددة، وتوجيه تلك الضربات النوعية واتباع استراتيجية النفس الطويل فى مواجهة التنظيم، بديلا عن الاشتباك معه بقوات كبيرة وبشكل مكثف قد يسهم فى انتشار عناصر التنظيم على نحو أخطر فى الوادى والدلتا.


لاشك فى أن قوات الأمن سواء الشرطة أو الجيش قدمت تضحيات عظيمة ومقدرة، فى مواجهة عدو غير تقليدى يتبع تقنية الكر والفر، عبر مجموعات صغيرة تدربت على حروب العصابات وتلقى خبرات فى العديد من مسارح العمليات، سواء فى أفغانستان أو ألبانيا أو البوسنة أو سوريا والعراق، لكن مواجهة هذا العدو على ما نجحت فيه قواتنا حتى الآن، لم تجب عن السؤال متى نستطيع أن نقول إننا تخلصنا من هذا العدو؟


بالرغم من أن محاولات تلك التنظيمات إخراج مناطق من سيطرة الجيش المصرى لم ولن تحدث إن شاء الله، وهذا ما تؤكده محاولات التنظيم إثبات الوجود وتعزيز ثقة أفراده فى قيادته عبر عمليات لاتستهدف سوى النكاية، التى يحاولون تسميتها دفع الصائل، إلا أنه ينبغى أن نعلم أن هناك العديد من الحقائق الغائبة التى ينبغى التذكير بها، تتركز هجمات تلك المجموعات فى شمال سيناء وتحديدا فى رفح والشيخ زويد والعريش، لكنها لا تحدث فى مناطق الجنوب حيث شرم الشيخ فما الأسباب ؟ فى تقديرى أول تلك الأسباب هو دمج أهالى جنوب سيناء فى نشاط اقتصادى هو السياحة، وبالرغم من تراجع عائدات هذا النشاط مقارنة بسنوات سابقة فإن الإرهاب لم يجد له موطئا قدم هناك بالأساس لهذا السبب، ما قطع الطريق على الحاضنة الشعبية التى ساهمت فى شمال سيناء مع تراجع التنمية أو غيابها بالأحرى، وعدم دمج أهالى الشمال فى نشاط اقتصادى جاذب وتركهم نهبا لعصابات الأنفاق، التى تنشط فى تجارة تهريب الأسلحة والسلع والمخدرات والعملة وغيرها من أنشطة إجرامية تبقى الوسيلة المتاحة لكسب العيش لدى كثير من تلك الشرائح إذا أضفنا إلى ذلك ما تسبب فيه ضرورات لوجستية خاصة بتطهير مسرح الأحداث، من تجريف أو تبوير بعض الأراضى الزراعية أو الحدائق التى كانت تختبئ فيها عناصر الإرهاب، إلى حد تقليص المساحة المزروعة من ٣٦ ألف فدان من إجمالى المساحة المزروعة سابقا والتى بلغت ١٦٤ ألف فدان، وهذا يعنى أن الجيش اضطر إلى تبوير ما يقرب من ١٢٨ ألف فدان وفقا لأرقام معلنة من الجيش، فى إطار ضرورات تهيئة مسرح العمليات، لكن تبقى كلفة ذلك اقتصاديا باهظة جدا، فالجيش يدفع تعويضات رغم أنها من وجهة نظر الأهالى لاتكافئ حقوقهم، قطاع من هؤلاء لاشك يصبح فى مرمى مجموعات الإرهاب ولو بدوافع اقتصادية.


الأمر الثانى من المعروف تاريخيا أن أهالى سيناء احتفظوا بعلاقات راسخة وقوية مع الجيش المصرى، الذى يمثل لديهم عنوان الكرامة والولاء للوطن ومن ثم التعاون بينهم وبين الجيش مستمر ومقبول ومدعاة للفخر، لكن ما كشفت عنه المعركة الأخيرة والتى هاجمت فيه قواتنا بعض مجموعات الإرهاب، احتفاظ التنظيم بالعشرات من أهالى سيناء فى سجون أنشأها التنظيم تعرض بعضهم للقتل والذبح والتعذيب، بفعل إصرارهم على التعاون مع قوات الجيش يتحملون ضريبة الإيمان بالوطن إلى حد الإبلاغ عن أبناء عمومتهم، مثل خالد المنيعى الذى ذبحوه أمام عائلته فضلا عن أشخاص آخرين تم ذبحهم علنا منذ أيام قليلة فى ميدان الفواخرية على حد شهادة شهود عيان، يستعين الجيش أحيانا ببعض الأشخاص ممن يعرفون بالملثمين، حيث يحرصون على عدم كشف وجوههم حتى لايتعرف عليهم الأهالى، بعض هؤلاء يتكسب فى الحقيقة من هذه المهمة ويستخدمها كأداة ابتزاز للأهالى، بما يضع جهدا إضافيا على الأجهزة الأمنية فى التفرقة بين هؤلاء ومن يتعاونون بإخلاص مع تلك الأجهزة.


فى آخر إصدرات التنظيم فى يوم ٣١مارس الماضى بعنوان إعداد الأباة لدحر الطغاة، يحاول التنظيم رفع الروح المعنوية لمقاتليه، ويحاول أيضا صنع صورة ذهنية لتنظيم عسكرى كبير يدرب أعضاءه تدريبا نوعيا على مهارات رفع اللياقة البدنية الشاقة، ومهارات القنص واستخدام السلاح من أوضاع مختلفة، فضلا عن التدرب على عمليات اغتيال أشخاص عبر سيارات، الشريط عند تحليله عبر خبراء انطوى على ملاحظات ينبغى أن تؤخذ بعين الاعتبار من قوات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية عموما، وربما نحتاج إلى أن تدرس الأجهزة المعنية بعض ما ورد فى هذا التحليل الذى كتبه خبير سيناوى أتحفظ على ذكر اسمه.


أولا ظهر معسكر التدريب فى الشريط والذى يسميه أهالى سيناء «جاعة”، كما لو كان يستخدم منذ فترة طويلة نسبيا تظهر تماسك تربته بسبب الحركة فوقها واختفاء الأعشاب البرية بعكس المنطقة المحيطة بالمعسكر.


يدعى الخبير أن أى دارس لجغرافيا النبات فى سيناء، يستطيع تحديد مكان المعسكر من خلال التنوع الحيوى للنباتات البرية وطبوغرافية المكان كما ظهرت فى الشريط.


أغلب العناصر المسلحة التى شاركت فى الفيديو ليسوا من أبناء القبائل البدوية فى شرق شمال سيناء، وبعضهم ليسوا من سيناء كلها كما يبدو من صوت المدربين أثناء التدريب وتجاوب العناصر معهم، كما يظهر أيضا فى البنية الجسمانية القوية التى تشبه قوات الكوماندوز.


يحاول الفيديو المنشور الإشارة إلى أن تلك المجموعة من المتدربين هم من نفذوا عمليتى ميدان العتلاوى وكمين الصفا داخل مدينة العريش، وهنا يطرح الخبير سؤالا هو أن هؤلاء وفقا لحداثة تدريبهم كيف أفلحوا فى قتل ٢٦ عنصرا من شهداء الشرطة بالرغم من فارق الخبرات والتدريب.


الأمر الخطير جدا وفقا للخبير أنه وفقا لما بدا من طبيعة التدريبات التى ظهرت فى الفيديو، ومنها التدرب على تكتيكات حرب المدن، ما يؤشر إلى أن التنظيم قد ينقل معركته إلى مدينة العريش بل والأخطر بعض مناطق الصالحية الجديدة والمناطق المتاخمة لبعض مدن محافظة الشرقية، الجدير بالذكر أن سلطات الأمن كشفت الأسبوع الماضى خلية تابعة لداعش فى أسيوط بما يكشف الحاجة إلى جهد معلوماتى ضخم، يساعد على كشف وتفكيك خلايا محتملة لقطع الطريق على تلك الخطة، فى كل الأحوال هذا يكشف أن التنظيم يدرك أنه لايستطيع مواجهة قوات الجيش، فيحاول الاحتماء بالمدن الكبيرة على ما ينطوى عليه ذلك من تحديات لأجهزة الأمن طبعا.


بيان التنظيم الذى أصدره بعد أحداث كمين الصفا ادعى أن سيارة مفخخة اقتحمت الكمين، قبل دخول العناصر المسلحة التى كان يقودها انتحارى يدعى أبو القعقاع المصرى، وهذا بخلاف المعلومات الواردة بالفيديو، بما يؤكد على وجود فجوة ما بين التنظيم على الأرض وبين مركزهم الإعلامى وهذه هى السابقة الأولى.


جاء الفيديو مصحوبا بكلمتين إحداهما لأبى محمد العدنانى المتحدث باسم داعش، والثانية لأبى بكر البغدادى فى سياق رفع الروح المعنوية لمؤيدى التنظيم، وتأكيد مبايعتهم لداعش والإيحاء بأنها كما يقول شعارها الأثير باقية وتتمدد.


الخلاصة رغم ما تضمنته شهادة خبيرنا من تساؤلات وهواجس يجب التعاطى معها بجدية، وعبر الأجهزة المعنية أن داعش أو المجموعات التابعة لها لا مكان لها فى مصر ولا مستقبل، حيث لاتقبل بنية مجتمعاتنا حتى مع الفقر وضعف معدلات التنمية الفكر التكفيرى، ويبقى الإسلام المصرى راسخا، لم تصل داعش فى مصر عبر مجموعاتها التى بايعتها أو حتى تقترب من التوازن، أو ما أسموه بتوازن الرعب كمرحلة، لكن الدولة على جميع مستوياتها قبل أن تجيب عن السؤال الذى قدمناه، أن تمضى فى خطة استراتيجية متكاملة تأخذ فى الاعتبار كل الهواجس التى أثرناها عبر خطة تنموية شاملة، تضع فيها حجما ضخما من التمويل المرصود فى مكانه الصحيح، حيث تبقى أى كلفة أو دعم مالى لهذا الباب أقل بكثير فى الأموال والأرواح من كلفة استمرار تلك المجموعات فى استنزاف الدولة.