محمود عوف سفير مصر السابق فى السعودية: الملك سلمان أثبت أنه المدافع الأول عن مصالح المصريين فى المملكة

06/04/2016 - 2:06:24

  السفير محمود عوف متحدثا إلى الزميل أحمد جمعة عدسة: مصطفى سمك السفير محمود عوف متحدثا إلى الزميل أحمد جمعة عدسة: مصطفى سمك

حوار: أحمد جمعة

السفير محمود عوف، واحد من أكبر المتابعين والمراقبين للعلاقات المصرية- السعودية، بحكم عمله فى المملكة لما يقرب من ١٠ سنوات، كان خلالها قنصلا عامًا بالرياض ثم سفيراً للقاهرة فى المملكة بين عامى ٢٠٠٨ حتى عام ٢٠١٢. اقترب الرجل من دوائر صنع القرار السعودى بحكم منصبه الدبلوماسى، وتعرف على الملك سلمان بن عبدالعزيز حينما كان أميرًا للرياض.


السفير “عوف” قال إن العلاقات المصرية – السعودية، “علاقات شعوب” قبل أن تكون علاقات حكام، متمنيًا أن تخرج المباحثات بين الملك سلمان والسيسى، خلال زيارة الملك المرتقبة إلى القاهرة بما يفيد المنطقة العربية بأسرها


خلال السنوات الماضية وقعت عدة متغيرات فى المشهدين المصرى والسعودى اعتقد على إثرها البعض تغير العلاقة بين القاهرة والمملكة.. ما رؤيتك لطبيعة هذه العلاقة فى الوقت الحالى؟


مبدئيًا، العلاقة بين مصر وأى دولة لا تقوم على تغيّر الأشخاص، أو تغيّر الحكومات، فهى بالأساس علاقات مصالح، وعندما تكون هناك مصلحة مشتركة مع دولة ما فأنا أسعى إلى توطيد هذه العلاقة لتنمية مصالحى وتعظيم أوجه الاستفادة، ومصر والسعودية ليسا استثناء فى ذلك، والمنطقة العربية كلها ليست استثناء كذلك. ومن هذا المنطلق، فإن العلاقة بين مصر والسعودية مصالح استراتيجية، وليست مصالح وقتية أو أنيّة التى تتغير بتغير الحكومات، لأنها تكون من أجل تحقيق مصلحة ما بالتحالف والتقارب، وعندما ينتهى هذا الظرف تنتهى هذه العلاقة. أما العلاقات الاستراتيجية فهى دائمة، قد يتغير ملك أو رئيس أو حكومة كاملة ولا تتأثر مصالح البلدين. ربما تتأثر قليلًا باختلاف وجهات النظر لتحقيق الهدف الاستراتيجى لأى دولة، وهذه الاختلافات لا تؤثر على عمق العلاقة ذاتها.


هذا هو الإطار الحاكم لعلاقات الدولة، لكن مصر والسعودية استثناء لأنها علاقة شعوب بالدرجة الأولى، والكثير لا يعرف أن هناك ٦٠٠ ألف سعودى مقيمين فى مصر إقامة دائمة، ولدينا فى السعودية نحو ٢ مليون مواطن مصرى يعملون هناك وتُعد أكبر جالية مصرية فى العالم، وعند حساب النسبة بين عدد السكان وجاليتها فى كل دولة ستجد النسب ذاتها بين مصر والسعودية. هذا الترابط والتزاوج بين الشعوب هو الذى يعطى البعد الاستراتيجى للعلاقة. الأمر الثانى؛ الجغرافيا، فمصر والسعودية لديهما مصالح مشتركة فى الحفاظ على الإقليم، وإذا نظرت إلى المنطقة العربية أو ما يسمى بمنطقة الشرق الأوسط ستجد فى القلب منها مصر والسعودية، ولابد لهاتين الدولتين أن تكون علاقتهما قوية للحفاظ على مصالحهم وأمنهم ووجود الإقليم نفسه بين مصر والسعودية علاقات تلازم وأخوة، ولم تنشأ من الإسلام مثلا بل من قبل الإسلام، لأن المصريين والسعوديين قاموا بهجرات من قبل الإسلام، وهناك قبائل سعودية أتت إلى مصر فى تلك الفترة. والتاريخ يقول إن مصر لابد أن تؤمّن جناحها الشرقى بما فيه فلسطين والأردن والسعودية. وبسبب العوامل المشتركة يجب ألا ننزعج من وجود اختلافات فى وجهات النظر بشأن موضوع أو آخر، لأن الأصل موجود مثل أخوين شقيقين، وهذه الاختلافات “وقتية”، علاوة على أنّ المصالح المشتركة هى التى تحتم أن تكون هذه العلاقة وثيقة ومستمرة.


كيف ترى الزيارة الأولى لعاهل السعودية الملك سلمان إلى القاهرة، فى وقت تموج المنطقة بأكملها بمنعطفات كثيرة ومتداخلة؟


أولا؛ الملك عبدالله كان يحرص على زيارة مصر كل عام، والرئيس السابق مبارك كان يذهب إلى المملكة ٤ مرات سنويًا. وبكل تأكيد نرحب بزيارة الملك سلمان إلى مصر ونتمنى أن تنجح ويتم خلالها مناقشة القضايا التى تهم الأمة العربية بين القادة فى مصر والسعودية، لأنها تركة ثقيلة وعبء متجزر على أن يخرجا برؤية مشتركة تساهم فى دفع الأمور إلى النصاب الذى يحقق الأمن القومى لكل الطرفين والمنطقة بأسرها سواء التطورات فى سوريا أو اليمن أو ليبيا والعراق.


إن حاولنا فك الاشتباك بين الملفات المنتظر مناقشتها خلال القمة، سيأتى على رأسها الأزمة السورية خاصة فى ظل تباعد وجهتى النظر بين مصر والمملكة.. هل تتوقع موقفًا متقاربًا فى هذا الصدد؟


بالنسبة لمصر والسعودية فمن الضرورة أن نتفق على أن تكون سوريا موحدة ومستقرة، ويبقى كيفية تحقيق هذا الهدف والذى به خلاف فى الرؤى، وأساس حل الاختلافات هى الصراحة بأن تقول كل دولة رأيها بشكل مباشر ومبررات ذلك، فنحن نتخذ هذا الموقف مما يحدث فى سوريا لأنه الأصح للمنطقة ولدمشق ذاتها. عندما لا نتفق تماما أو تتطابق وجهات النظر، فمن الواجب البحث عن آليات للتفاهم والسير قدما فى العلاقة وحل الأزمة، خاصة بالنظر أننا لسنا الطرفين الوحيدين للحل فى سوريا، فهناك أطراف كثيرة جدا، لكن كلما بُنيت رؤية البلدين على موقف موحد سيكون ذلك أفضل بكثير.


لكن السعودية تتمسك دوما بموقفها من المطالبة برحيل بشار الأسد بكامل نظامه، فيما تعارض مصر بقوة التدخل العسكرى هناك وتدعم بقاء الجيش والمؤسسات.. ألا يعنى ذلك تنافرًا ملحوظًا فى هذا الموقف؟


نحن ندعم استقرار سوريا، وأعتقد أن التصريحات المصرية التى صدرت فى هذا الصدد تؤكد أن بقاء بشار أو رحيله يقرره الشعب السورى، ويهمنا فى المقام الأول سوريا بجيشها القوى الموحد الذى يستطيع أن يحكم هذا البلد، وأن تكون موحدة ولا تتجزأ إلى شراذم، ويجب ألا ننسى تجربة العراق.


هل هذا التوجه المصرى بناءً على تخوف من الجماعات الإرهابية المسلحة أم تدعيمًا لموقف روسيا الحليف الدولى لمصر؟


التخوف ليس فقط من الجماعات الإرهابية والمتشددة هناك فحسب، فهذه الجماعات “مقدور عليها” وتم تضخيمها بهذه الصورة عقب التدخل الدولى، وهى “جماعات” فى نهاية المطاف، وإذا تركت كل دولة على حدة أنها تتعامل مع هذه الجماعات ستنتهى من هذا “الأرق”، لكن التدخل الدولى يتيح لها استغلال فرصة وجود قلاقل، وبناءً على ذلك يتم تغذيته أو إخماده، طبقا لمصالح القوى المسيطرة، وهناك دول من مصلحتها وجود “داعش” ذلك “البعبع” الذى يخوف بعض الدول إلى أقصى أمد ممكن. الأهم أن تستقر سوريا لأن ذلك فى مصلحة دول المنطقة، وعدم استقرارها يأتى وفقا لرؤية بعض الدول التى تريد بقاء هذا الوضع المضطرب وفقاً لمصلحتها.


هل تتوقع توافقًا محتملًا خلال زيارة الملك؟


يُسأل فى ذلك الجالسون على مائدة المباحثات. نحن نتحدث عن مجمل العلاقات، لكن تفصيلات هذه العلاقات بها أمور كثيرة لا يعلمها إلا أصحاب القرار، فالملف السورى طفا على السطح بعد مغادرتى للسعودية.


ماذا عن الملف اليمنى؟


اتفقنا أن تكون اليمن مستقرة، وأن مصر تؤمِّن بشكل كامل مضيق باب المندب، لأنها مصلحة مصرية مباشرة وتصب فى عمق الأمن القومى، كما أن السعودية كذلك تحمى مصالحها المباشرة فى اليمن. والعلاقات بين مصر واليمن قائمة منذ الثورة اليمنية وكانت على ما يرام، ولا أعرف تفصيلات التدخل المصرى فى اليمن، لكن ما هو معلوم أن مصر تحمى باب المندب، وأى رئيس لابد أن يتخذ هذا الموقف.


ما موقف مصر من الصراع الخليجى بصفة عامة والسعودى بصفة خاصة مع إيران؟


لا أود أن اسميه “صراعًا” بل هو اختلاف فى وجهات النظر بين السعودية وإيران، وفى النهاية تطوير هذا الاختلاف ليس من مصلحة المنطقة العربية، فمصلحتنا أن يتم احتواء أى اختلاف فى وجهات النظر بين كل الأطراف الفاعلة، أضف إلى ذلك تركيا أيضًا باعتبارهم الجيران المباشرين للمنطقة العربية. هذه مصلحة أكيدة للمنطقة العربية ولإيران ولتركيا، وتصوير ذلك بالصراع لا يخدم المصالح العربية فى شيء.


لكن الكُتاب السعوديين المقربين من دوائر الحكم يصرّون على وصف هذا الاختلاف بـ”الصراع”، وربما تتفق وجهة نظر المملكة فى ذلك ؟


لا أتفق مع هذا جملة وتفصيلاً، فإيران ليست العدو، وفى هذا إحلال لصديق محتمل بعدو، ولا أستطيع أن أتقبل ذلك. هناك خلافات فى وجهات النظر بين المنطقة العربية وإيران، بل وتدخل إيران فى الشئون الداخلية ودعمها لبعض الطوائف والأحزاب، وهذا واضح ولابد من حلها مع طهران. العدو له مفهوم مختلف تماما، فهناك عدو حقيقى لا أحد يتكلم عنه، وفى المفاهيم الاستراتيجية فهذا لا يعقل أن نصدره للرأى العام.


ما دور مصر فى هذا الإطار؟


مصر لها وجهات نظر مع إيران، ونتمنى أن تكون العلاقات المصرية الإيرانية جيدة ولكن بشروط أيضًا، وهذه الشروط لا تختلف كثيرًا عن وجهات النظر السعودية أو الخليجية الذى نعتبرهم جزءاً من أمننا القومى. وعندما نتحدث عن علاقة مصر بإيران فأحد الأطراف فيها وقف تدخل طهران فى المنطقة العربية بأسرها، وهذا أحد المحددات لكى تكون هناك علاقة وثيقة وصداقة وأخوة بين مصر وإيران، ومازل ذلك السبب فى عدم تطوير العلاقات المصرية الإيرانية كما كانت فى السابق.


لكن ذلك كله يمكن أن يُحل، فلا يوجد هناك خلاف استراتيجى أو “خلاف بقاء”. النسيج الإيرانى – العربى واحد. نحن ندين بدين واحد، وحضارتنا الإسلامية قائمة على جهد بشرى فكرى مصرى إيرانى ومن دول أسيا الوسطى، فالقصة لابد أن ننظر إليها من جانب المسائل التى توحدنا وليس التى تفرقنا أو تجعلنا مختلفين، وحتى إن كان هناك اختلاف فلا يمكن تطويره إلى عداوة، وألا نفتعل صراعا مع إيران بإيجاد وسائل للتفاهم.


الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامى ذكر أن هناك مساعٍ لمصالحة بين مصر وتركيا برعاية سعودية قبيل عقد القمة الإسلامية.. هل ذلك ممكنًا؟


هل مصر وتركيا تحتاجان إلى وساطة ؟! لا أعرف أسباب الخلاف.


الأسباب واضحة وهو الموقف من رحيل نظام الإخوان، ومناهضة أردوغان لنظام ما بعد ٣٠ يونيو؟


هذا ما يقوله الإعلام، ولا أستطيع أن أحكم عليه. الإخوان مهما أتوا أو ذهبوا فهم جماعة فى نهاية المطاف. وإن كان هناك خلاف فى وجهات النظر بين مصر وتركيا، وبين السعودية وإيران كدول فلابد أن تُحل بالتفاهم لأننا فى خندق واحد. نحن نتعرض لغزوة غربية شرسة لتفتيت المنطقة العربية إلى كيانات صغيرة، وإن استجبنا لهذا المخطط فقد وقعنا فى أيدى أعدائنا.


بما فى ذلك الموقف من قطر؟


نعم، بما فى ذلك الموقف من الدوحة. عندما يصور لنا أحد أن هؤلاء هم أعداؤنا فهذا خطأ استراتيجى فادح نقع فيه. لا يوجد مصلحة أن نصور الخلافات فيما بيننا على أنها صراع. وباب الفتوى فى العلاقات بين الدول يجب أن يغلق، فهذا ليس من مصلحتنا. العلاقات لا تقاس بالمشاعر بل بالمصالح. كل العالم هكذا.


كيف قرأت مشاركة الرئيس السيسى بجانب العاهل السعودى ورؤساء دول عربية وإسلامية فى مناورات رعد الشمال؟


أرحب للغاية بهذه المناورات، وأقول إن المناورات المشتركة بين مصر والسعودية تكاد تكون سنوية فى كافة المجالات ومنذ أوقات طويلة جداً، والتعاون الأمنى والعسكرى بين كل المنطقة العربية مرحب به للغاية، و”عين المنى” أن تضم إليها دول إسلامية متفقة معنا فى التقدير.


ما الدلالات والإشارات وراء ما يمكن وصفه بـ”التلويح” باستخدام القوة العسكرية فى المنطقة؟


حتى لو كان “تلويح” وإشارة باستخدام عسكرى، فإنه يؤكد أن هذه المنطقة مستعدة للدفاع عن مصالحها، وهذا أمر إستراتيجى أكثر من رائع لأعدائها ومن يريد الشر لها. هكذا يجب أن نكون.


قابلت الملك سلمان عندما كنت قنصلاً عاماً لمصر فى الرياض.. لك أن ترسم لنا صورة عن شخصيته؟


اقتربت من الملك سلمان حينما كان أميراً لمنطقة الرياض، ثم عندما كان وليًا للعهد، وكان هو المدافع الأول والأكبر عن مصالح المصريين فى المملكة العربية السعودية. عندما تواجهنى مشكلة لا أستطيع أن أحلها كان الملك سلمان بابى الذى أطرقه فى كثير من الحالات وكان يتجاوب بسرعة عالية. الملك سلمان علاقته بمصر والمصريين قديمة جدا، عندما أصبح وليا للعهد كنت سفيرا لمصر هناك وحضرت لقاءات معه. وهو رجل محب لهذا البلد ويعرف قيمته، ويدرك وصية والده الملك عبدالعزيز لجميع أولاده عن مصر ويحفظها جيدا ويطبقها جيدا.


هل يؤثر انخفاض أسعار النفط فى العالم على الدعم السعودى لمصر؟


بالطبع، فانخفاض سعر النفط يعنى انخفاض العائدات، وانخفاض القدرة على مساعدة الآخر، بل والإنفاق على البلد نفسها. السعودية لأول مرة فى تاريخها منذ عشرات السنين يكون عندها عجز فى ميزانيتها الداخلية يقدر بـ١٠٠ مليار. ولابد ألا يستمر الاعتماد كثيراً على المساعدات الخارجية، الحل فى الإنتاج المصرى. والسعوديون لم يسحبوا استثماراتهم من مصر رغم ما مرت به ثورتين، وهذه الاستثمارات ليست فقط فى العقارات، بل هناك مصانع حديد وصلب و٢٥ ألف فدان على الأقل للزراعة، ومنتجات للبيض والألبان.