“هما سر قوة العرب وركيزة مستقبلهم”

06/04/2016 - 2:01:11

سفير د. محمد حجازى

“إن جيش مصر هو جيشكم وجيشكم هو جيش مصر


وحضارة مصر هى حضارتكم وحضارتكم هى حضارة مصر


والجيشان والحضارتان جند العرب”


تعبر تلك الكلمات الرائعة والتى ألقاها الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود فى جبل رضوى عام ١٩٤٥، عن الفهم الواعى والعميق لطبيعة العلاقات المصرية السعودية، وأبعادها الاستراتيجية، وما تمثله الدولتان من عمق متبادل يصون مصالحهما ومصالح أمتهم العربية وأمنها القومى.


وليس هناك من وقت أهم وتحد أشد تمر به الأمة العربية وتحتاج فيه لتلاقى جناحيها وركيزتا استقراره وأمنه، ممثلة فى تلاقى الشعبين والقيادتين المصرية والسعودية، من هذا الوقت الأصعب وهذه المرحلة العصيبة.


فالمنطقة تعيش تحولات سياسية كبرى، وتتزايد ضغوط الإرهاب على كيان الدولة القومية، وتتوغل القوى الإقليمية من خارج المحيط العربى منتهزة لحظة الانشغال الراهنة لفرض نفوذها وهيمنتها وأجندتها التى تتعارض مع أمن واستقرار المنطقة، وتدفع بشعوبها لفتن وصراعات مذهبية مدمرة، تعرض كل المكتسبات التى تحققت عبر السنين سياسيا واقتصاديا وثقافيا لمخاطر جمة.


ولاتخفى القوى الكبرى مطامعها فتترك دول المنطقة وخارجها فى حالة صراع تضعف الكيان العربى لينفذوا لمشاريع إقليمية لشرق أوسط جديد مقسم ومشتت القوى ومستنفد الثروات، تعمل أجزاؤه المفتتة لخدمة مصالح تلك القوى وعرابيها وعملائها الإقليميين.


كما تتعرض مصر فى تلك الآونة شأنها وباقى دول المنطقة لضغوط خارجية وإقليمية متواصلة، على مستوى الاقتصاد الوطنى وعلى المستويين السياسى والمؤسسى.


وسط تلك الأجواء الصعبة أدركت القاهرة والرياض حجم الضغوط ومخاطرها، وما يخطط لهما، وما تغمره قوى كبرى وأطراف إقليمية من مكائد لدولنا وشعوبنا، وما يمارس على الوطن ككل ومصر والمملكة فى القلب منه من ضغوط ومؤامرات.


وسط هذا المناخ تأتى زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الأولى منذ توليه منصبه إلى مصر، وسط استعدادات تليق بالزيارة واهتمام رسمى وشعبى، وتحضير عالى المستوى من خلال اللجنة التنسيقية والتى عقدت اجتماعها الخامس بالرياض منذ عدة أيام برئاسة وزيرى خارجية البلدين لتضع اللمسات الأخيرة على برنامج الزيارة وعلى ما سيتم توقيعه من اتفاقيات.


وقبل الخوض فى مضامين ما سيتم توقيعه والاتفاق عليه وهو كثير، كانت الدولتان وبحسب مقولة الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود التقى الجيشان اللذان هما جيش وجند العرب فى مناورة ضخمة على أراضى المملكة هى “رعد الشمال” بمشاركة ١٤ دولة عربية و٦ دول إسلامية، لتضع قدرات الوطن العربى وشركائه أمام ناظرى الجميع العدو والصديق، فهى رسالة تعبر عن القدرة والقوة، ولكنها لاتعتدى ولاتستهدف أحداً، فقط للتذكرة بأن هذه الأمة قادرة على حشد قدراتها، ومستعدة للتصدى لأى اعتداء، وأنه ولنا قبل كل شيء رب يحرسنا فتلك مهد الرسالة وتلك كنانة الله فى الأرض، فإن لنا أيضا جيشاً وجيوشاً تحمينا قال الله تعالى «وأعدو لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم «صدق الله العظيم، فالمقصود أننا عازمون على رد التدخل والعدوان، وعازمون على الاصطفاف وتأمين أراضينا وحماية مصالحنا من خطر التدخلات وضد المؤامرات وفى مواجهة جادة وصارمة وجماعية ضد الإرهاب. وتبع مناورات رعد الشمال عقد لقاء تنسيقى فى الرياض تحت رعاية سمو ولى ولى العهد الأمير محمد بن سلمان حيث تم الاتفاق على إنشاء مركز لتنسيق عمليات التحالف.


وعودة لمسار العلاقات الثنائية ارتباطا بالزيارة وإدراكا من البلدين لأهمية البعدين الاقتصادى والتنموى لاستقرار المنطقة ورفاهية شعوبها، فستواصل المملكة العربية تقديم مساهماتها المهمة فى بناء الاقتصاد المصرى، إدراكا للفرص الواعدة التى يحملها وما يمكن أن يقدمه من عوائد استثمارية مهمة هى الأكبر على مستوى العالم من حيث نسبة العائد على الاستثمار تالية فقط للبرازيل التى تحتل المركز الأول، فالمصالح إذن متبادلة، مصر فى حاجة للاستثمارات الخارجية والمملكة تقدم هذا الدعم بنية الشقيق دون مشروطية لبناء وتعزيز خطط مصرية طموحة لإرساء البنية التحتية لاقتصاد المستقبل بعد أن أثبتت مصر ما بعد ٣٠ يونيه التفاف شعبها تحت قيادة سياسية وطنية مخلصة تستهدف ما فيه مصلحة الوطن.


كانت المملكة داعمة للتحول السياسى فى مصر وساندت مرحلة ما بعد ثورة يونيه سياسيا واقتصاديا، مما ساعد فى مواجهة الضغوط الخارجية التى كانت تمارس ضدنا، حتى تجاوزت مصر ضغوط تلك المرحلة وانطلقت لأفق اقتصادى وسياسى لفت أنظار العالم، فاستكملت مؤسساتها الدستورية بانتخاب برلمانها الجديد، لتكتمل بذلك خريطة الطريق السياسية التى تم تحديد بنودها والتزمت بها مصر من تعديل للدستور لانتخابات رئاسية نزيهة إلى انتخاب البرلمان الجديد.


وانطلقت مصر لتنفذ عدداً من المشروعات الاستراتيجية ووضع بنية تحتية تليق بطموحات الشعب والقيادة السياسية فتم شق قناة السويس الجديدة وتحديث الموانئ وإنشاء منطقة صناعية كبرى فى منطقة السويس، وبدء الأعمال الإنشائية والبنية التحتية للعاصمة الإدارية الجديدة، واستصلاح مليون ونصف المليون فدان لبناء ريف مصرى عصرى ومنتج، علاوة على إنشاء نحو ٤ آلاف كيلو متر من الطرق، والأنفاق عبر قناة السويس، ومشروع توليد الطاقة مع شركة “سيمنز” الألمانية ليضيف نحو ١٤ ألف ميجاوات للشبكة القومية الموحدة.


ويحمل العاهل السعودى معه رؤية لمستقبل التعاون قائمة على تقدير بأن نجاح مصر اقتصاديا واستقرارها السياسى هو من صميم أمنها وأمن دول الخليج وداعم رئيسى للأمن القومى العربى، فهنا المساندة من خلال الاستثمار والبناء هى مساندة للمستقبل ودعم لاستقرار مصر قلب العروبة النابض.


وتابعنا توقيع اتفاقية استراتيجية مهمة لقطاع البترول تقدم من خلالها المملكة وشركتها الوطنية “ارامكو” مشتقات نفطية لمصر على مدار السنوات الخمس القادمة وبتسهيلات ائتمانية ميسرة ممتدة لعشر سنوات وبقيمة ٢٣ مليار دولار، كما اتفق على ضخ استثمارات سعودية بشكل منتظم فى مشروعات مصرية بقيمة (٣٠ مليار ريال سعودى) أى ما يعادل ٨ مليارات دولار تقريبا كمرحلة أولى، علاوة على اتفاقية لتنمية شبه جزيرة سيناء بقيمة ١.٥ مليار دولار لإنشاء تجمعات سكنية وزراعية، ومن بينها إقامة جامعة الملك سلمان فى مدينة الطور بجنوب سيناء لتخدم أبناء الوطن فى سيناء والوادى وتكون منارة للعلم والمعرفة والنهوض بالبيئة، فإذا أضفنا كل ذلك لمشروع ربط كهربائى عملاق بين المملكة ومصر يجمع شبكتى البلدين ودول الخليج ودول المغرب العربى فى منظومة متكاملة يصل حجمها لنحو ٩٠ ألف ميجاوات، وتوفر زيادة أحمال نحو ٣ آلاف ميجاوات، وغيرها من المشروعات المهمة الجارى تنفيذها بين البلدين، لإدراكنا عمق العلاقات وأبعادها الاستراتيجية، ولذلك فالزيارة فاتحة خير للمصالح العربية فما إن تتلاقى أجنحة الأمة وتقف على ركيزتيها، فإنه لاسقف للطموح ولا خوف علينا.