بعد فشله فى تعديل الدستور هولاند فى مهب الريح

06/04/2016 - 1:41:07

  الأزمة على وجه الرئيس هولاند الأزمة على وجه الرئيس هولاند

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

بعد أربعة أشهر من النقاش بين البرلمان الفرنسي حول تعديلات دستورية تستهدف عقاب الإرهابيين، قرر الرئيس فرانسوا هولاند التراجع عن مشروع التعديلات المثير للجدل؛ وهو ما وصف «بالإخفاق السياسي الكبير» للحزب الاشتراكي الحاكم قبل عام من الانتخابات الرئاسية، كما أنه من المتوقع أن يشجع هذا التراجع المظاهرات والاحتجاجات المختلفة التي تشهدها البلاد.


وقد أعلن هولاند تخليه عن مشروع الإصلاح الدستوري الذي يقضي بإسقاط الجنسية عن المدانين في قضايا الإرهاب، وذلك بعد أن فشلت الجمعية الوطنية «البرلمان» (ذات الأغلبية اليسارية) ومجلس الشيوخ (ذات الأغلبية اليمينية) في التوافق حول نص واحد،  وهو شرط أساسي  لإقرار إصلاح دستوري، حيث يفترض الحصول على موافقة ثلثي أعضاء المجلسين (النواب والشيوخ) على نص مشترك أي بالصيغة نفسها. ووجه هولاند كلمة مقتضبة إلى الشعب الفرنسي تحمل نبرة غضب وإحباط، وقال فيها: «قررت بعد الاجتماع مع رئيسي الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ إنهاء الجدل الدستوري»، مبديا أسفه لـ»استحالة توافق الطبقة السياسية حول مشروعه لإصلاح الدستور».


مسؤولية المعارضة


هولاند قال إن قسما من المعارضة يرفض أي مراجعة دستورية، لذلك قرر وضع حد لهذا الجدل، مضيفا «آسف تماما لهذا الموقف لأن علينا أن نفعل كل شيء لتجنب الانقسامات واستبعاد المزايدات»، ملقيا اللوم على المعارضة اليمينية، مشيرًا إلى أنه اقترح التعديل الدستوري بعد ثلاثة أيام من اعتداءات نوفمبر بهدف «ضمان الاستخدام الأمثل لحالة الطوارئ وحرمان الإرهابيين الذين يوجهون السلاح ضد وطنهم من الجنسية الفرنسية، وقد فعلت ذلك مع الدعوة إلى تجاوز الحدود الحزبية، ومن أجل توحيد صفوف الفرنسيين في فترة نمر فيها بمحنة كبيرة، ولكن يبقى التهديد أكبر من أي وقت مع هجمات باريس وبروكسل، وكذلك اعتداءات لاهور ضد الأقلية المسيحية في باكستان، فالتطرّف الجهادي أعلن الحرب على فرنسا وأوروبا والعالم أجمع»، متعهدًا بضمان أمن وسلامة الفرنسيين.


وكان المشروع الذي سحبه الرئيس الفرنسي يتضمن إدراج حالة الطوارئ في الدستور وإسقاط الجنسية عن المدانين في قضايا الإرهاب من مزدوجي الجنسية. 


وجاء الخلاف بعد أن رأت الأغلبية اليسارية  في الجمعية الوطنية ضرورة تطبيق عقوبة نزع الجنسية عن جميع الفرنسيين بلا أي استثناء حفاظا على الوحدة الوطنية، بينما في المقابل اعتبرت الأغلبية اليمينية في مجلس الشيوخ أن فرنسا لا يمكنها الإخلال بالتزاماتها الدولية وهي عدم التسبب في حالات انعدام جنسية.


وقد أثار هذا الخلاف انقسامات بين السياسيين، وأدى إلى استقالة وزيرة العدل كريستيان توبيرا، التي كانت من أشد المعارضين لإسقاط الجنسية عن الفرنسيين الذين يحملون جنسيتين، واعتبرته «غير فعال» وتمييزي ضد الفرنسيين من أصول أجنبية، كما أن القوانين الفرنسية تتيح بالفعل إسقاط الجنسية لمن أسندت له منذ أقل من ١٥ عاما في حال الإدانة في جريمة إرهابية.


إخفاق سياسي


ورأى السياسيون الفرنسيون أن سحب هولاند مشروع التعديل الدستوري يعد إخفاقا للحكومة والحزب الاشتراكي الحاكم، فضلا عن أنه يعكس عجز الطبقة السياسية عن التوافق حول قرارات مصيرية للبلاد. وأعربت كريستيان توبيرا- التي أصدرت كتابا فور تقديم استقالتها بعنوان «همسات للشباب» يهاجم إجراء إسقاط الجنسية- عن ترحيبها بتخلي هولاند عن هذا المشروع، وعن ارتياحها لأن الدستور  لن يتضمن بند إسقاط الجنسية الذي يمس بقيم الجمهورية ومبدأ «حق الأرض»، معتبرة أن اليسار خرج منكسرا ومنقسما، معربة عن أملها في أن يتجاوز الرئيس هذه الفترة الصعبة حتى لا يصاب الفرنسيون بخيبة أمل. 


وتقدم الأمين العام للحزب الاشتراكي جون كريستوف كومبادليس بالاعتذار إلى الفرنسيين قائلا: «نعتذر للفرنسيين. فلم نستطع إقناع اليمين بشكل عام وأعضاء مجلس الشيوخ بشكل خاص بإعلاء الوحدة الوطنية لدعم حقنا في مواجهة الإرهاب»، أما رئيس الوزراء مانويل فالس، الذي دافع عن هذا المشروع بشدة، فعبر عن أسفه، قائلا «أعضاء مجلس الشيوخ اليمينين رفضوا أيدي اليسار الممدودة»،


واعتبر نيكولا ساركوزي رئيس حزب الجمهوريين (يمين وسط) أن الرئيس الفرنسي هو من هيأ ظروف فشل مشروع الإصلاح الدستوري، «فقد وعد بأشياء وبعكسها، مما يغرق البلاد في حالة من الجمود”، حسب قوله. ورأت رئيسة حزب الجبهة الوطنية (اليمين المتطرف)  مارين لوبان أن هولاند يتحمل وحده ما وصفته بـ«الإخفاق التاريخي».


تداعيات التراجع


ويهدد هذا الفشل السياسي فرص الحزب الاشتراكي الحاكم في الفوز بثقة الفرنسيين خلال الانتخابات الرئاسية المرتقبة في أبريل من العام المقبل، فقد تدنت شعبية الحكومة الاشتراكية برئاسة مانويل فالس في الشارع الفرنسي، ويتزامن ذلك مع استطلاع رأي أجراه مركز «أودوكسا» -قبل يوم واحد من عدول أولاند عن التعديل الدستوري، وكشف أن ١٨٪ فقط ممن الذين شملهم الاستطلاع يرون هولاند رئيس جيد، فيما أجاب ٨١٪ بـأنه ليس جيدًا، ولم يعلن واحد بالمئة من الذين استطلعت آراؤهم أي موقف، وهو ما يعني تراجع هولاند وفق الاستطلاع إلى مستوى منذ نوفمبر ٢٠١٤ عندما كانت نسبة التأييد له تبلغ ١٦ ٪، كما أن ٤٥ ٪ من كتلة اليسار تؤيد هولاند مقابل ٥٤٪ يرفضونه.


وتخشى الحكومة من تداعيات التراجع عن مشروع الإصلاح الدستوري، وهو الأمر الذي قد يشجع المظاهرات الفئوية التي تشهدها البلاد منذ فترة في قطاعات متعددة (تعليم، زراعة، نقل، طيران، مستشفيات، منظمات ونقابات)، وقد يزيد من الاحتجاجات المتكررة  ضد مشروع إصلاح قانون العمل والمعروف إعلاميا بـ»قانون الخمري» نسبة لوزيرة العمل مريم الخمري، والذي  قامت الحكومة بتعديله إلا أنه بصيغته الجديدة لم يلب طموحات الشباب ومختلف النقابات التي تطالب بالتخلى عنه تماما.


وغداة عدول الرئيس الفرنسي عن مشروع القانون شهدت مختلف المدن الفرنسية مظاهرات حاشدة- كانت مقررة- للتنديد بقانون العمل، وقد أبدى المتظاهرون رغبتهم في أن يسحب الرئيس هولاند مشروع تعديل قانون العمل كما فعل في مشروعه الدستوري.


ولاشك أن الحكومة الحالية بفرنسا تعيش أسوأ فتراتها، من إخفاقات سياسية واقتصادية لانقسامات داخل الحزب الاشتراكي الحاكم، فضلا عن مواجهة عدد من التحديات منها تنامي العنصرية في المجتمع وتدفق المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين وتزايد خطر التطرّف والإرهاب، وربما يواجه هولاند ثورة غضب شبابية تطيح به وتهدد آماله في الفوز بولاية رئاسية ثانية