هل انتهت الطبقة الوسطي أم أنها تآكلت فقط؟!

02/09/2014 - 9:53:30

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

بقلم : يوسف القعيد

في سينما الأبيض والأسود التي نطل من خلال أفلامها علي زمن الستينيات الجميل. الذي ولي ولن يعود أبداً - علي الأقل ونحن علي وجه الأرض - ثمة مشهد يتكرر كثيراً جداً. أراه فتنبثق في ذهني كلمتين تشكلان معني واحداً: الطبقة الوسطي. المشهد الذي يجعلني أقف أمام الحقائق الكبري في الوجود المصري. لموظف عائد إلي بيته من عمله وقت الظهر. ويكون الوقت صيفاً. وهذا الموظف تعرفه من أناقة ملابسه الفقيرة. ومن حرصه علي مظهره رغم ضيق ذات اليد


علامتان تقولان لك هذا موظف في طريقه إلي بيته. علي يده اليمني بطيخة. وفي يده اليسري جريدة واحدة. وهو عائد ليتناول طعام الغذاء ويحلي بالبطيخة. لأن بيوتنا لم تكن قد عرفت الثلاجات بعد. ثم يقضي "تعسيلة القيالة" ويصحو وقت العصاري ليقضي باقي يومه يتصفح الجريدة. يشغل باقي وقته بحل الكلمات المتقاطعة. ثم يطل علي صفحة الوفيات حيث الحقيقة الأزلية الباقية أبد الآبدين. وربما يمر علي صفحات الرياضة إن كان من محبي الكرة. ويختم بالحوادث. وبعد أن يلقي الجريدة يستعيدها مرة أخري يبدأ من صفحتها الأولي ليتابع أخبار السياسة.


كان ابن الطبقة الوسطي يبدأ من الصفحة الأخيرة. صفحة الوفيات. لإحساسه بالاطمئنان بأن السياسة هناك من يسهر عليها ويسير شئونها ويرعي مصالح الناس آناء الليل وأطراف النهار. استمر هذا الحال حتي وصلنا إلي منتصف سبعينيات القرن الماضي. بالتحديد 1974، كنا نخرج وقتها من حرب التحرير الكبري. حرب السادس من أكتوبر العظيمة. ولكن لهفة جني ثمار الحرب جعلت القيادة في ذلك الوقت تقدم هديتين للشعب الذي حارب وصبر ونال مراده.


الهديتان كانتا عبارة عن سلام منقوص مع العدو. وانفتاح اقتصادي دمر بنية المجتمع المصري. وقضي علي تماسكه القديم. وشوه معالمه التي كانت معروفة لنا حتي ذلك الوقت. فعدنا دون أن ندري إلي مجتمع الأغنياء الذين يزدادون غني والفقراء الذين يزدادون فقراً.


لا يتصور أحد أن 1974 كانت النهاية. ولكنها كانت بداية عصر جديد استمرت مصر في التدهور من يومه الأول وحتي الآن. والجراح التي انفتحت في الجسد المصري يومها وعبَّرت عن نفسها بكل قوة ما زالت مستمرة وعلامات التدهور تتضح أكثر فأكثر مع كل يوم جديد.


من المعروف أن ثورة يوليو قامت بحثاً عن العدل الاجتماعي. والمجتمع الذي كان سابقاً عليها كان يطلق عليه: مجتمع النصف في المائة. ولشرح ذلك للأجيال الطالعة التي تحيا بلا ذاكرة. وإن كانت لديها ذاكرة فهي ذاكرة ملعونة. تنتقي ما يوافق مصالحها فقط. وترفض ما يتناقض مع هذه المصالح.


حكاية النصف في المائة كانت تعني أن نصف الدخل القومي المصري كانت تحصل عليه نصف في المائة من المصريين. ونصف الدخل الآخر يحصل عليه 9905% من أهل مصر الفقراء والغلابة والمساكين. لدرجة أن طه حسين عندما كتب مجموعته القصصية: المعذبون في الأرض. أهدي مجموعته التي صدرت قبل ثورة يوليو إلي الذين يموتون من الجوع وإلي الذين يموتون من التخمة. وإلي الذين لا يجدون ما ينفقون ومن يجدون ما لا ينفقون.


من السهل العودة للموقف العام السائد في خمسينيات وستينيات القرن الماضي الذي كان يعتبر العدل الاجتماعي أحد أسس الحكم في ذلك الوقت. وما زلت أذكر نقاشاتنا الثقافية في مجتمع المثقفين التي كانت بلا نهاية حول تعبير تذويب الطبقات في المجتمع. أو تذويب الفوارق بين الطبقات. وقد ترددت هذه العبارة كثيرة جداً خلال مناقشات اللجنة الكبري التي أعدت لميثاق العمل الثوري الذي تلاه جمال عبد الناصر في جلسة ربما كانت أطول جلسة سياسية في تاريخ مصر. ومن المعروف أن الذي كتبه هو الأستاذ محمد حسنين هيكل. مستفيداً من مناقشات اللجنة.


من يهاجمون تجربة عبد الناصر العظيمة بأثر رجعي. ويقولون أنه أقصي الفصائل الإسلامية عن العمل العام. أقول لهم أن ضمن الأصوات التي "لعلعت" في مناقشات هذه اللجنة وقتها: الشيخ أحمد حسن الباقوري، الشيخ محمد أبو زهرة، الشيخ محمد الغزالي، ومن قبلهم ومن بعدهم المفكر والكاتب خالد محمد خالد.


ومن يعد إلي مضابط المناقشات وأتمني أن تكون موجودة. وإن كنت أشك في هذا. سيكتشف أن كل تيار كان موجوداً في مصر في ذلك الوقت قال رأيه في الميثاق الذي ما زال صالحاً لكي يرسم لمصر طريقها لتخرج من النفق المظلم الذي تعيش فيه ولا تعرف أين توجد بداية الطريق.


الكلام عن الطبقة الوسطي يجرنا إلي موقفنا عموماً من الطبقات. فلدينا موقف يمكن وصفه بالميوعة من الفكر الطبقي. ربما لأن أكثر اتجاه سياسي وفكري ركز علي الطبقات كان الماركسية التي ترتبط في العقل الجمعي العام بالشيوعية. التي تعرضت لهجوم مستمر فيما مضي والآن وفيما هو آت.


لذلك لم نكن نحب كثيراً الكلام عن الطبقات ونعتبره امتداداً لفكرٍ نريد أن نحمي مجتمعنا منه. مع أن هذا الفكر حمل إلي البشرية حلم العدل الاجتماعي الذي قامت الحضارة الغربية عليه. ولا يتصور أحد أن أمريكا وحديقتها الخلفية المسماه بأوروبا تعيش حالة من الاستقرار. إلا بالحرص الشديد علي العدل الاجتماعي.


لدينا في مصر الآن غني بلا حدود. وأسواق المدينة مليئة بالسلع الاستفزازية. ونستورد من الخارج أشياء لا أتصور أن مصرياً يستخدمها. مثل أطعمة الكلاب أو اللب والفول السوداني. ولكن ما دام يستورد بالملايين. لا بد أن هناك من يشتريه ويستهلكه ويقبل عليه. ولدينا في مصر الآن ? وتلك هي المحنة الكبري ? فقرٌ أكثر مما يتصور أي إنسان. بل إنني أدرك بعيداً عن أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أن من يعيشون تحت خط الفقر من أهل مصر يصل تعدادهم إلي أكثر من 50% من المصريين.


كل هذا يعني أن الطبقة الوسطي أصبحت تسكن كتب التاريخ. مع العلم أنها حاملة القيم والعادات والتقاليد من جيل إلي جيل. والحافظة للروح المصري والإشعاع المصري والاعتدال المصري عبر كل التقلبات الكبري التي مرت بمصر. وحالات الاحتلال الطويلة التي رزح فيها المصريين تحت نيل المحتل.


كانت الطبقة الوسطي هي الأمل الأخير في استمرار روح مصر وضمير مصر ووجدان مصر في مواجهة كل المتغيرات التي تحدث. بل إنني أستطيع أن أقول بضمير مرتاح لو أن الطبقة المصرية الوسطي لم يتم بداية إعلان الحرب عليها ابتداءاً من سنة 1974 لما تمكنت جماعة الإخوان الإرهابية من سرقة سنة من عمرها.


الطبقة الوسطي تعني الاعتدال. والطبقة الوسطي نشأت بعد بناء المدن. وعاشت في المدينة. لا هم من العمال ولا من الفلاحين. ولا من الأغنياء. هم مساتير الناس. هم الشريحة أو الطبقة التي تحصل علي ما يكفيها فقط. لا تمد يدها للحرام. ولا تجري وراء أحلام الثراء الوهمية. وابن الطبقة الوسطي الحقيقي هو الذي يقَبِّل يده وجهاً وظهر مع كل صباح ومساء. ويعلم أولاده أن القناعة كنز لا يفني.


قبل أن أستعد للكتابة بحثت في مكتبتي عن كتاب مهم للمرحوم الدكتور رمزي زكي. أعتقد أن عنوانه: وداعاً للطبقة الوسطي. فلم أتمكن من الوصول إليه. وأيضاً بحثت عن كتاب للدكتورة نيللي حنا عن الطبقة الوسطي ونشأتها في زمن شهبندر التجار. وفيه تأصيل تاريخي لنشأة الطبقة الوسطي المصرية. ولكني أيضاً لم أتمكن من الوصول إليه. لأنه ليس مهماً أن تكون لديك مكتبة كبيرة. الأكثر أهمية أن تكون منظمة. وأن تصل إلي ما تريد بسهولة شديدة. وهذا للأسف الشديد ليس متوفراً عندي.


وإذا اعتبرنا نجيب محفوظ روائي المدينة المصرية الأول. فلا بد أن نقول أنه روائي الطبقة الوسطي. وأشهد أن حزنه كان بلا حدود لتآكل هذه الطبقة. لم يكن يحب أبداً أن يتحدث عن نهايتها. ولكن كان يفضل عبارة تآكلها. وكان يتصور أن عودتها هي الأمل الأخير لمصر حتي تصبح دولة مدنية ديمقراطية حديثة.


وتعالوا نقرأ هذا الحوار في رواية: بداية ونهاية. بعد أن تعرف الأسرة بوفاة عائلها. وتستعد لمواجهة المجهول القادم من المجهول:


يجب أن نكون جميعاً أغنياء.


وإذا لم يكن هذا؟


إذن يجب أن نكون جميعاً فقراء.


وإذا لم يكن هذا؟


إذن نثور، ونقتل، ونسرق.


هذا ما نفعله منذ آلاف السنين.


وفي مكان آخر من نفس الرواية نقرأ:


- الجاه والحظ والمهن المحترمة في بلدنا هذا وراثية. لست حاقداً ولكني حزين. حزين علي نفسي وعلي الملايين. لست فرداً ولكنني أمة مظلومة. وهذا ما يولِّد في روح المقاومة ويعزيني بنوع من السعادة لا أدري كيف أسميه.


إني أكسب بعرق جبيني علي نحو ما (...) لا بد من العرق كي تعيش ولكن يختلف العضو الذي يعرق بين فرد وآخر؛


ثمة أناس يكسبون دون أن يعرق لهم جبين؛


هذه غابة الشطارة، أن تكسب بعرق جباه الآخرين.


وفي روايته: قلب الليل، نقرأ:


- إني أجد في الصفوة (الأرستقراطية) نبلاً وثقافة وعراقة تاريخية (...) وفي الليبرالية حرية وقيم وحقوق للإنسان آية في الجمال (...) وفي الشيوعية عدالة كاملة تجد المذاهب البشرية في مناخها تفتحها وازدهارها (...) وفي الدين مزايا متوازنة لا تعد ولا تحصي.


lll


وفي نفس الرواية نقرأ:


- أخذت في تحليل أسباب الثراء من الهبات والانتهازية والاستغلال والعسف والقوة حتي اقتنعت بأنه لا يوجد ثراء مشروع بالمعني الدقيق لهذه الكلمة.


lll


وفي قصر الشوق نقرأ:


- إني أكره التودد إلي الكبراء. ولكن لا يعني هذا أن أحترم العامة. إني أحب الجمال وأزدري القبح. ومن المؤسف أن الجمال قل أن يوجد في العامة.


وإن كنت ترغب عزيزي القارئ. في قراءة المزيد عن مرسية تآكل الطبقة الوسطي وميلاد اللصوص من المصريين من سرقوا منا الحاضر وصادروا المستقبل بعد أن مسحوا الماضي بأستيكة. أنصحك بعملين للقراءة أو لمشاهدتهما كفيلمين لنجيب محفوظ. أولهما: الحب فوق هضبة الهرم، الذي يعد أكبر مرسية لنهاية الطبقة الوسطي نهاية مأساوية. وثانيهما: أهل القمة، الذي يبشر بزمن اللصوص الذي ما زلنا نعيش فيه حتي الآن وإلي إشعار آخر