الحد الأدنى للأجور .. ضبط الأسعار ومحاربة البطالة

02/09/2014 - 9:48:54

صوره ارشيفيه صوره ارشيفيه

تحقيق : بسمة أبوالعزم

ترجم خبراء الاقتصاد على «رمانة ميزان» المجتمع أو الطبقة الوسطى التى شهدت أزهى عصورها أثناء حكم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، لكنها تعرضت للضربة القاضية على يد سياسات الانفتاح التى افترستها وأودتها ضحية لجشع التجار وشبح البطالة الذى أنهك قواها فتحول جزء كبير منها إلى الطبقة الفقيرة.


أكد الخبراء أن الأمل موجود لإخراج تلك الطبقة من عثرتها فطالبوا الحكومة بزيادة دخل أبناء تلك الطبقة عبر إصلاح الخلل بهيكل الأجور والإسراع بتعميم الحد الأدنى للأجور، ومحاربة البطالة عبر توفير فرص عمل وتشجيع المشروعات الصغيرة والمتوسطة أيضا تحفيز الاستثمار لزيادة الانتاج، كذلك إصلاح الخلل بالموازنة العامة للدولة لتحقيق وفورات تسمح بتطبيق الكادرات الخاصة لتحسين المستوى المعيشى لهم


د. جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق يقول إن الطبقة الوسطى مصطلح اجتماعى أكثر من كونه اقتصادىاً فهناك مجموعة من الخصائص إذا توافرت لدى شريحة من المجتمع يجب تسميتها بالطبقة الوسطى، وجزء من هذه المقومات الدخل بطبيعة الحال لكن الأهم المستوى التعليمى والمهنى والثقافى.


هذه الشريحة تقع فى منتصف السلم الاقتصادى فليست على قمته أو منحدرة للقاع فمن حيث الدخل يحصل أفرادها على ما يقع حول المتوسط العام للدخل أو ما فوقه، وعن المستوى التعليمى فعادة يتمتع أبناء تلك الطبقة بدرجة عالية من التعليم تبدأ بالمستوى الجامعى إلى أعلى، أيضا لديهم حظ معقول من الثقافة العامة والاهتمام بالفن والمعارض، أما على المستوى المهنى فلا تعمل عادة فى أعمال يدوية فلا ينضم لهم عمال المصانع والمزارع لكن مجال الخدمات بكافة أنواعه سواء صحة أو تعليماً وغيره جزء أساسى من تلك الطبقة.


وأكد عبدالخالق أن الطبقة الوسطى بهذا المعنى شهدت أزهى عصورها فى الخمسينيات والستينيات بفضل طه حسين والذى أكد أن التعليم كالماء والهواء، فثورة 1952 نتج عنها عدة إجراءات كانت المحصلة الأخيرة لها زيادة الحراك المجتمعى وتوسيع قاعدة التعليم وبناء المصانع وزيادة شرائح الطبقة الوسطى وتقلدوا مقاعد الوزراء ورؤساء الوزراء التى كانت مقتصرة على الطبقة الرأسمالية، لكن بعد رحيل عبدالناصر وبدأت سياسة الانفتاح انقلب السلم الاقتصادى رأساً على عقب فانزلقت تلك الفئة خاصة مع انخفاض مؤشر الدخل لديهم، أيضا الهجرة للخليج أدت إلى الاتجاه نحو التدين على الطريقة الوهابية وظهور عادات خليجية لدى العائدين من السعودية وبالتالى خرجت تلك الفئة من تصنيف الطبقة الوسطى.


الانهيار استغرق عقوداً وبالتالى النهوض يتطلب فترة طويلة من الزمن لكن البداية تكمن فى إصلاح حال التعليم وإكساب أبنائهم المهارات المطلوبة لسوق العمل، أيضا الاهتمام بالنشاط الإقتصادى والإنتاجى والخدمات فبالتأكيد الصناعة تمنح فرصاً كبيرة لتوظيف المحاسبين والمهندسين، كذلك منح نصيب أكبر للزراعة والصناعة من الاستثمار العام، بجانب الاهتمام بتنمية البعد الثقافى وإعادة الاعتبار فى كافة الأعمال الفنية للبعد الاجتماعى لهم خاصة أن أغلب الأعمال الفنية تسخر منهم ولا تجعل أحداً يشعر بخيبة الأمل لعدم انتمائه لتلك الفئة مثل فيلم «البيه البواب».


وأضاف أن تحسين مستوى دخل تلك الأسر عنصر هام لكن يجب ربطه بالإنتاجية حتى لا تزيد معدلات التضخم.


د. سامى السيد رئيس قسم الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة يؤكد أن الطبقة الوسطى لها مفهوم سياسى واقتصادى فهى «البرجوازية الصغيرة» التى تربط بين طبقة العمال «البروليتاريا» الأقل دخلا وطبقة أثرياء المجتمع وأصحاب السلطة.


تلك الطبقة تضم غالبية أبناء المجتمع فيجب أن تضم نحو 70 بالمائة من أبناء الدولة ويحصلون على 70 بالمائة من الدخل القومى، فى حين يشكل الفقراء 20 بالمائة عدديا ويحصلون على 5 بالمائة من الدخل القومى أما الأغنياء فلا يتعدون 5 بالمائة عن تعداد ا لسكان لكنهم يحصلون على 25 بالمائة من الدخل ، لكن حينما يختل الوضع الاقتصادى وحجم الطبقة الوسطى يختل المجتمع بأكمله وبالفعل جزء كبير من أبناء تلك الطبقة انحدر إلى الأسفل وانضم للفقراء ومحدودى الدخل فى حين انتقل جزء من المتسلقين إلى طبقة الأغنياء على حساب أبناء الطبقة الفقيرة والوسطى بعيداً عن الاجتهاد الطبيعى .


نظراً لاتساع مساحة الطبقة الوسطى فيتم تقسيمها لثلاث شرائح العليا والمتوسطة والدنيا جميعها تشترك فى العادات والتقاليد الإجتماعية لكنها تختلف فى المستوى الاقتصادى وتحسن مستوى المعيشة لكن كل شريحة تسعى للأقتراب من الأخرى عبر الاشتراك فى أندية كبرى وتعليم الأبناء بمدارس خاصة ولغات للتقرب من الفئات الأعلى.


هناك معايير عالمية لتقسيم الفئات وفقا للدخل بالدولار فالأقل من 340 دولاراً سنويا يعد فقيراً جدا ويحتاج لمعونة عاجلة، أما صاحب دخل 700 دولار فهو تحت المتوسط ويلزم مساعدته أيضا، أما ما بين 700 حتى ألفى دولار فهو متوسط، يليه ما بين ألفين حتى 10 آلاف دولار سنويا فوق متوسطة ، لكن الذى يتجاوز 10 آلاف دولار يصبح غنىاً وبتطبيق تلك المعايير على مصر نجد أن متوسط دخل الفرد قبل ثورة يناير وصل إلى ثلاثة آلاف دولار سنويا بما يعادل 1500 جنيه شهرياً وذلك بتقسيم الدخل القومى على عدد سكان مصر وهذه النسبة فوق متوسطة، حتى بعد الثورة انخفضت القيمة إلى ألفى دولار بما يجعل تصنيف مصر عالمياً بأنها من الدول ذات الدخول المتوسطة التى لا تستحق معونات عاجلة بعكس الواقع الذى يؤكد على عدم العدالة فى توزيع الدخل القومى وزيادة معدلات الفقراء وتلك الأزمة بدأت خلال السنوات الأخيرة من عهد مبارك، بالرغم من تحسن الوضع الإقتصادى ووصوله لأعلى معدلات النمو المقدرة بنحو 7 بالمائة إلا أن سوء توزيع الدخل القومى تسبب فى تآكل الطبقة الوسطى وبالتالى الأمل الوحيد فى علاج هذا الخلل والعمل على زيادة مساحة تلك الطبقة يكمن فى إعادة توزيع الدخل القومى بشكل عادل وبالفعل بدأت أولى الخطوات متمثلة فى تطبيق الحد الأدنى للأجور وبمجرد تعميمه على قطاع الأعمال وكافة قطاعات الدولة تبدأ الطبقة الوسطى فى استرداد عافيتها.


ويوضح د. رشاد عبده الخبير الاقتصادى أنه كلما زادت معدلات التضخم ينحدر الوضع الاقتصادى للطبقة الوسطى فتتحول نسبة كبيرة منها إلى الفقر ، فظاهرة الطلاق المنتشرة بين الشباب أغلبهم من تلك الطبقة، فالدخل لا يزيد تماشيا مع معدلات التضخم أيضا التحول إلى الدعم النقدى من شأنه التأثير السلبى لأنه يؤدى إلى مزيد من ارتفاع أسعار السلع بالسوق الحر وإذا كانت الدولة تدعم الفقراء فهى لا تقترب من الطبقة الوسطى وبالتالى ستدفع فاتورة الغلاء وحدها.


ودعا د. عبده الحكومة لوضع منظومة عمل جديدة تساعد على زيادة الإنتاج والفوائض فيزيد الدخل، أيضا تعديل التشريعات وتغيير المنظومة الإدارية لجذب المستثمرين وتحسين بيئة الاستثمار، إلى جانب إحكام الرقابة على الأسواق لعدم استغلال الفقراء ومتوسطى الدخل، أيضا محاربة البطالة بقوة وتوفير فرص عمل سواء عبر المشروعات المتوسطة والصغيرة أو العمل بمشروعات البنية التحتية والقومية فإيجاد فرص عمل لعدد كبير من أعضاء الأسرة يحسن من مستوى معيشتهم.


د. فرج عبدالفتاح أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة يؤكد أن التدهور ليس وليد ثورة يناير فسبق أن صدر كتاب للمرحوم رمزى زكى نهاية تسعينيات القرن العشرين بعنوان "وداعا الطبقة الوسطى" فكان محاولة لاستشراف ما يحدث حالياً وبالفعل ظهرت المطالب الفئوية لهم واشتعلت الثورة، فحاليا المجتمع يعانى فقدان توازنه الداخلى بسبب الخلل الذى أصاب "رمانة الميزان" لكنه لازال متماسكاً لمواجهة العدو الخارجى بفضل قواته المسلحة.


بدأت الحلول الفعلية لانتشال الطبقة الوسطى من عثرتها هذا ما قاله د. فرج مؤكداًَ أن الموازنة العامة للدولة هى العصا السحرية التى تمتلكها الحكومة لتحسين الوضع الاقتصادى لهم ويتطلب ذلك تعديل جميع أشكال الخلل وبالفعل بدأت أولى خطوات الإصلاح عبر الموازنة حيث تقرر وضع حد أقصى للدخول يطبق على الجميع وصولا لرئيس الجمهورية أيضا فرض ضرائب على أرباح التعامل فى البورصة وتلك القرارات من شأنها توفير موارد إضافية تساهم فى تعديل وضع العاملين وتعميم الحد الأدنى، كما يجب إعادة هيكلة جداول المرتبات والأجور وعلاج الخلل المتمثل فى استحواذ الأجر الأساسى على نسبة لا تتجاوز 30 بالمائة من إجمالى المرتب فى حين تشكل البدلات والمكافآت والأجر المتغير 70 بالمائة وهذا يؤثر سلبا على المعاشات فيما بعد .


تحسن مستوى الدخول يساعد على رفع معدلات القوى الشرائية بالسوق فتتحرك عجلة الإنتاج ويتحسن الوضع الاقتصادى والرهان فى ذلك على استعادة السياحة لوضعها السابق وتعافى الشركات والمصانع المتعثرة من أزمتها بما يساهم فى زيادة فرص العمل وتحسن مستوى الدخل.


أضاف د. فرج أنه بعد إصلاح تشوهات نظام الأجور وتخفيض عجز الموازنة يمكن إعادة النظر بشأن الكادرات الخاصة لأن موازنة الدولة سيكون بها وفورات تتيح للمسئولين استغلالها فى رفع المستوى المعيشى للطبقة الوسطى.


على صعيد آخر أكد د. مختار الشريف الخبير الاقتصادى أن الحكومة فى مأزق كبير فليس بيدها شىء لمساعدتهم فى ظل العجز الشديد بالموازنة العامة للدولة كما لا يمكن الاقتراض لهذا السبب خاصة أن حجم الدين يقترب من الناتج المحلى الإجمالى متجاوزاً تريليون جنيه والقدرة على السداد مرتبطة بالإنتاج فيجب تفهم الوضع الاقتصادى الحرج للدولة فلا بديل عن العمل لزيادة الإنتاج ويزيد الدخل وتنخفض معدلات البطالة.


الطبقة الوسطى لا تحصل على كافة احتياجاتها الأساسية وبالتبعية كافة أشكال الرفاهيات والتمتع بالحياة فالضغوط الإقتصادية تتزايد عليها فهى تعانى من التضخم وارتفاع الأسعار مع انخفاض الدخل الحقيقى، بالتالى الاستثمار أولى خطوات زيادة الإنتاج وتوفير فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة.


من جانبه أشار د. وائل نحاس الخبير الاقتصادى أن عصر الانفتاح أدى إلى تذويب للطبقات والمتاح حاليا التقسيم وفقا لمناطق السكن فيمكن تقسيم الشعب إلى سكان المناطق العشوائية وسكان المناطق الشعبية وهناك أهالى الأحياء الراقية وتجاوزا يمكن اعتبار سكان المناطق الشعبية بأنهم ينتمون للطبقة الوسطي وهم أكثر تماسكاً من الناحية الأسرية مقارنة بالفقراء والأغنياء فالأب يتكفل بالأسرة كاملة وبالتالى الحل لتحسين الوضع الاقتصادى والمعيشى لهم لا يقف عند حد زيادة الحد الأدنى للأجور أو زيادة العلاوات الدورية ولكن إيجاد فرص عمل للأبناء ليتحقق زيادة فى الدخل الحقيقى للأسرة وليس متوسط دخل الفرد لاعتمادهم على سياسة التكافل الاجتماعى