« المصور » تكشف من التجمع الخامس: الغابات المتحجرة تنتحر.. و«البيئة» تضحك!

06/04/2016 - 12:13:55

  الزميل محمد السويدى داخل الغابة المحتجزة يجرى تحقيقه دون حسيب أو رقيب الزميل محمد السويدى داخل الغابة المحتجزة يجرى تحقيقه دون حسيب أو رقيب

تحقيق: محمد السويدى

منتصف الأسبوع الماضي، شن الدكتور خالد فهمى، وزير البيئة، بمعاونة قوات من مديرية أمن القاهرة يتقدمهم اللواء عاطف زهران، نائب مدير الأمن، حملة مكبرة ومداهمة لمحمية الغابة المتحجرة بالقاهرة الجديدة، وأسفرت الحملة عن ضبط عدد من الجرارات الثقيلة و١٥ لوري محملا بأحجار ورمال من المحمية بالمخالفة لقانون حماية الطبيعة، وتم التحفظ عليها وإحالة من تم ضبطهم للنيابة العامة.


وبعد الحملة، اعتقد أهالى القاهرة الجديدة والتجمع الخامس أن أزمة الغابات المتحجرة والاعتداءات المتكررة عليها من قبل البلطجية ولصوص الأراضى ومتخصصى سرقة الرمال، وكنوز المحمية قد انتهت بلا رجعة، بعد مرارة كبيرة اعتصرت قلوبهم شهورا طويلة رأوا فيها بأعينهم تاريخ بلادهم وثرواته يتم نهبها على مسمع ومرأى الجميع، دون رد أو عقاب.. وعلى عكس توقعات الأهالي، تحولت المحمية لمقلب كبير للقمامة ومخلفات المبانى، وتم إتلاف التكوينات الجيولوجية وتدميرها بالكامل وسرقة رمالها.


وكان من المفترض أن تتخذ وزارة البيئة، سلسلة من الإجراءات الفورية لحماية كنوز المحمية من السطو والاعتداء، وإعادة بناء جدران المحمية، التى تم هدم كثير من أجزائها من قبل البلطجية والمجرمين لسرقة كنوزها وإلقاء القمامة فيها، لكن هذا كله لم يحدث وتم توجيه الانتقادات الشديدة للوزير خالد فهمى وصلت إلى حد تهديد بعض المهتمين بالبيئة بتقديم بلاغ ضده للنائب العام لعدم جديته فى حماية محمية الغابات المتحجرة من اللصوص، معتبرين أن حملة المداهمة الكبرى، التى قام بها لم تكن سوى «شو إعلامي».


قررت «المصور» الذهاب إلى المحمية لمشاهدة ما جرى فيها على أرض الواقع بعد مداهمة حملة أمنية يرافقها وزير البيئة لها، ولم يكن هناك أفراد أمن من وزارة البيئة لحماية المحمية وكانت المفاجأة أن الأجزاء المتهدمة فى سور المحمية كما هي، يستطيع أى فرد وأى مجموعة تدخل لتسرق كنوز المحمية وتخرج أمام الجميع دون ردع أو حساب.. سرنا بالسيارة مسافة طويلة بجوار سور المحمية، وسرنا مسافات أخرى مترجلين لعلنا نجد سدا للأجزاء المتهدمة فى السور، ولكن وجدنا أن عدد فتحات السور المتهدمة لا حصر لها.


فى المحمية، توجد بقايا إطارات عربات النقل والجرارت، التى اعتادات على سرقة الرمال من المحمية واعتادت كذلك على إلقاء القمامة وركام المنازل بداخلها، لدرجة أن تلال الرمال المتحجرة فى أجزء كبيرة منها تبين أن تمت سرقتها، وكان ارتفاع التل الوحد يعادل ارتفاع عمارة سكنية مكونة من ستة طوابق على الأقل وبامتداد طولى وعرضى لأكثر من ٥٠ مترا.


طبيعة المحمية التى تكسوها الحشائش النادرة وتغطى أرضها بعض البذور والنباتات الطبيعية عبارة عن مرتفعات ومنخفضات، وبينما نسير فيها لتوثيق ما تم نهبه وسرقته، فوجئنا بثلاثة أفراد من البدو العرب يرتدون «جلابيب» وبدا عليهم أنهم من لصوص المحمية، يختبئون فى مكان منحدر بأحد تجويفات المحمية، حاولوا الاعتداء علينا بالعصى وملاحقتنا وجروا خلفنا عندما رأوا بحوذتنا كاميرات نلتقط بها الصور ورددوا شتائم، وقال أحدهم للآخرين عندما فشل فى ملاحقتنا «ياللا نخرج بسرعة قبل ما يبلغوا الشرطة»، وبعدها قررنا ترك المحمية، وعرض الأمر على وزير البيئة د. خالد فهمى، وحاولنا الاتصال به مرات عديدة، لكنه لم يرد، وكان قد اعترف فى وسائل الإعلام بعد مداهمته للغابات المتحجرة بأنها تعانى الإهمال وأنه غير قادر على حمايتها وغير قادر على التعاقد مع شركة أمن لحماية المحمية من اعتداء اللصوص والمجرمين، ورغم ذلك أبدى رغبته فى إنشاء متحف ومنتزه جيولوجى بالمحمية ليخدم سكان القاهرة الجديدة والتجمع الخامس، على أن يجرى الاتفاق مع وزارة الإسكان لإدارتها بما تدر دخلا وعائدا اقتصاديا للدولة.


وقد تم إعلان الغابة المتحجرة كمحمية طبيعية عام ١٩٨٩ وتبلغ مساحتها ٧ كم تزخر منطقة الغابة المتحجرة بكثافة من السيقان وجذوع الأشجار المتحجرة ضمن تكوين جبل الخشب، والذى ينتمى إلى العصر الأوليجوسينى قبل ٣٥ مليون سلامة ويتكون من طبقات رملية وحصى وطفلة وخشب متحجر يتراوح سمكها ٧٠ -١٠٠متر، وهى غنية ببقايا وجذوع وسيقان الأشجار الضخمة المتحجرة، والتى تأخذ أشكال قطع صخرية ذات مقاطع أسطوانية تتراوح أبعادها من سنتيمترات إلى عدة أمتار، وتتجمع مع بعضها على شكل غابة متحجرة، وتعود أولى محاولات الاعتداء على محمية الغابات المتحجرة إلى عهد حكومة أحمد نظيف فى عام ٢٠٠٥ ، عندما سعى وزير الإسكان آنذاك محمد إبراهيم سليمان للاستحواذ على مساحة كبيرة من المحمية وضمها إلى جهاز القاهرة الجديدة للاستفادة فى بناء منتجعات لرجال الأعمال، ولكن تصدى الدكتور ماجد جورج، وزير البيئة، فى ذلك الوقت مدعوما بجهات سيادية حال دون استحواذ سليمان على أراضى المحمية.


من جهته، كشف المهندس أحمد أبو السعود، رئيس جهاز شئون البيئة، عن خطة عاجلة تقوم بها وزارة البيئة بمعاونة بعض الخبراء الجيولوجيين فى الجامعات المصرية، وكذلك هيئة المساحة الجيولوجية، ووزارة الإسكان وتقسيم المحمية إلى قطاعات للوقوف على حجم الضرر الفعلى على محمية الغابات المتحجرة وإعداد تقرير فنى متكامل عن المناطق، التى تأثرت بيئيا وجيولوجيا بالاعتداءات عليها فى الفترة الأخيرة والمناطق التى لم تعد حساسية بيئية، ومن ثم تحديد بدائل الحماية لها وإمكانية الاستفادة منها فى أنشطة اقتصادية تقام عليها تدر دخلا للبلد، وكذلك تحديد الأماكن التى لا تزال تتمتع بحساسيتها البيئية حتى يمكن وضع آلية وضوابط لحمايتها فى المستقبل وعدم الالتفاف حولها مجددا.


وأضاف: ما أسهل أن تقوم الوزارة بإعادة بناء الأجزاء المتهدمة فى سور المحمية، ولكن إذا أعيد بناؤها نهارا يتم هدمها بالجرارات ليلا، لأن مساحة السور كبيرة جدا ومترامية الأطراف ومن الصعب حمايتها إلا من خلال أفراد متخصصين على أعلى مستوى وهذا تكلفته عالية جدا، كما أن اللجنة المشكلة من الجهات السابق ذكرها تضع مقترحات لحماية المحمية من الداخل والخارج، وفى القريب ستنتهى أعمالها ونكشف معها إجراءات الحفاظ على الغابات المتحجرة والاستفادة منها تمهيدا لتنفيذها.


الخبير الجيولوجى د. إسماعيل عثمان أبدى استياءه من تعامل وزارة البيئة مع محمية الغابات المتحجرة، حتى وصلت إلى هذا المشهد المُدمى للقلوب على كنز حجرى وأثرى لا يوجد له مثيل فى العالم، متسائلا: أين كانت الحكومة من اعتداءات اللصوص على المحمية رغم تكرار البلاغات، مناشدا رئيس الحكومة بتعيين جيولوجيين حراس على المحميات الطبيعية بدلا من وزير البيئة، لأن الجيولوجيين هم الأقدر على فهم طبيعة المحميات ومنها الغابات المتحجرة جيولوجيا وجغرافيا وتاريخيا ولديهم رؤية وتواصل مع الجهات العالمية فى كيفية الاستفادة منها أثريا وسياحيا واقتصاديا.


وأشار إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والصين والهند وكبرى الدول، التى لديها محميات طبيعية لا يوجد لديها محمية مثل الغابات المتحجرة، والتى عانت من عبث وإهمال وزارة البيئة وتحولت إلى وكر للجريمة.