دماء على جدار السلطة (١٨) خروجًا عن مبادئ الإسلام

06/04/2016 - 12:06:42

بقلم - رجائى عطية

بقتل الخليفة الأموى مروان بن محمد بن محمد بن مروان بن الحكم ، الملقب بالحمار ، لثلاث بقين من ذى الحجة سنة ١٣٢ هـ ، انتهى حكم البيت الأموى ، وبدأ رسميًّا ـ وإن بدأ واقعًا قبل ذلك ـ حكم الأسرة أو الدولة العباسية التى حكمت ٥٢٤ سنة ، من سنة ١٣٢ هـ إلى سنة ٦٥٦ هـ ، وإن بقى لبيتهم بعد ذلك اسم « الخلافة » بمصر حتى سنة ٩٣٢ هـ .


ومن المفارقة أن يؤول حكم هذه الدولة العريضة ـ وباسم الإسلام ـ إلى أسرة جدها الأول «العباس » بن عبد المطلب ، عم النبى عليه الصلاة والسلام ، بدعوى أن العم يؤول إليه الحق إذا لم يكن هناك وارث ذكر ـ مع أن محمدًا كان نبيًّا ولم يكن حاكمًا بالمعنى الاصطلاحى للحكم والحاكم ، فجعلوا النبوة وكأنها تركة تورث ، وبرغم أن العباس لم يُسلم إلاَّ مع فتح مكة ، وكان من الذين حاربوا الإسلام ورسوله والمسلمين فى موقعة بدر سنة ٢ هـ ، وفيها أُسر ، وأُطلق من الأسر بفدية على ما هو ثابت ، ومحاربته للإسلام والمسلمين ، دالة على أن بعض المواقف التى رصدت له من وقت لآخر فى دعم النبى عليه الصلاة والسلام ، إنما كان دافعها العصبية القبلية لا الإيمان والإسلام ، كحال أبى لهب فى الفترة التالية لوفاة
أبى طالب التى أعلن فيها ـ من باب القبلية ـ حمايته لمحمد ، حتى إذا ما أخبروه أن دين محمد يؤول بوالده عبد المطلب إلى النار لأنه غير مسلم ، متجاهلين أنه توفى أصلاً قبل الإسلام ، نكل عن الحماية التى وعد بها ، وارتد إلى صفوف المشركين يعادى محمدًا والإسلام عداوةً شديدة .


قفز العباسيون الذين بدأوا حركتهم مبكرًا ، على حق العلويين الذين كانوا
يناصرون حقهم فى ولاية الأمر إلى وقت ليس ببعيد ، وانتحلوا قصة مؤداها أن أبا هاشم عبد الله بن محمد بن على بن أبى طالب ، عرج حين استشعر سريان السم الذى دُسَّ له ، على « الحميمة » حيث يقيم محمد بن على بن عبد الله بن العباس ، فأفضى إليه بأسرار الدعوة الهاشمية ، ونزل إليه عن حقه فى الإمامة (؟!) ، وأنه بذلك تحول حق الإمامة من بيت على إلى بيت العباس بمقتضى وصية أبى هاشم عبد الله حفيد الإمام على من ابنه المعروف بمحمد بن الحنفية .


شجرة البيت العباسى


ومادامت ولاية أمور المسلمين تؤول من أسرة إلى أسرة ، على هذا التخريج العجيب الذى يخالف الإسلام الذى لم يجعل لأحدٍ على أحد فضلاً إلا بالتقوى والعمل الصالح ، وبلا نظر إلى جنس أو عصبية ، وبلا فضل لعربى على أعجمى ، ولا لقرشى على حبشى كما تحدث نبى الإسلام عليه السلام ، فقد بات علينا أن ننظر فى شجرة البيت العباسى لنرى كيف سارت أمور توارث الخلافة ، دون أن يتعظ أحد بأن ذات هذه الوراثة هى التى أذهبت ريح خلافة الأسرة الأموية ؛ وأدت إلى سقوط دولتها !


رأس الأسرة العباسية، هو العباس بن عبد المطلب الذى أسلم بآخرة يوم فتح مكة، وكان له عقل ورجاحة ومكانة،ولكنه لم يأمل قط فى تولى الخلافة ، وهو الذى دعا « على بن أبى طالب » يوم وفاة النبى عليه السلام ـ أن يدعو لنفسه ، وقال له : « امدد يدك أبايعك » ، ولكن عليًّا لم يقبل وانتهى رأيه إلى مبايعة أبى بكر الذى بايعه المسلمون يوم السقيفة وأكدوا بيعتهم له فى اليوم التالى . وقد توفى العباس عن ثمانية وثمانين عامًا فى خلافة عثمان بن عفان رضى الله عنه .


وأشهر أولاد العباس ، الذى انتقل إليه عمود النسب ، هو « عبد الله بن العباس » ، وولد قبل الهجرة بعامين ، وكان فى الثالثة عشرة يوم صعد محمد عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى ، وعرف بالعلم والفقه والتأويل ، وعضد الإمام علىّ من يوم بويع بالخلافة ، وقيل إنه تركه مغاضبًا لأمرٍ خاصٍ به ، ولحق بمعاوية فى رواية غير مؤيدة ، والراجح أنه رحل إلى مكة ، وأقام بالطائف بعد مقتل الإمام علىّ ، وظل مقيمًا بها إلى أن توفى عام
٦٨ هـ فى ولاية معاوية الذى كان يجلّه ويتودد إليه كثيرًا فيما تناقل الرواة .


وتبعًا لعمود النسب ، كان « علىّ » بن عبد الله بن عباس هو التالى فى الشجرة ، ولم يكن له مطمع فى الحكم ، وأعقب اثنين وعشرين ذكرًا ، أهمهم الذى يعنينا هنا هو « محمد بن على بن عبد الله بن العباس » ، فهو الذى ابتدأت به الدعوة العباسية ، ولأنه والد أبرز ثلاث شخصيات قامت عليهم الدولة العباسية : إبراهيم الإمام ، وأبو العباس الملقب بالسفاح ، وأبو جعفر المنصور ..


محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس


يعسوب القوم ، وأبو الخلفاء


محمد بن علىّ ، وإن لم يتول الخلافة ، إلا أنه المخطط الأساسى لنقل الخلافة من البيت الأموى إلى البيت العباسى ، وخطَّط ودبَّر لما يريد ، وتحرك بحزم وأناة ، وحض أتباعه على الدعوة إلى ولاية « أهل البيت » بدون أن يسمُّوا أحدًا بعينه تحوطًا من التصفية المادية أو المعنوية ، واختار للدعوة العباسية مركزين : الكوفة ، وخراسان . أما الكوفة فهى مهد التشيع لآل البيت من قديم ، وأما خراسان فلأن فكرة التشيع يفهمها الخراسانى بسهولة حيث تُرد الخلافة إلى بيت النبى عليه الصلاة والسلام ، ولأن البلاد الفارسية ذات تاريخ وملك قديمين ، ولأن الأمويين عاملوا الموالى من الفرس معاملة السادة للعبيد ، فخلقوا مواجدَ وضغائنَ واحتقانًا .


وألّف محمد بن علىّ جمعية سرية للدعوة ، مختارة بعناية من اثنتى عشرة شخصية لكل منها وزنها وتأثيرها ، ثم جعل طوعهم سبعين رجلاً يأتمرون بأمرهم وينفذون تعليماتهم ، وقد سارت الدعوة بعناية على مرحلتين : خلت الأولى من استعمال القوة ، ولجأت الثانية إلى استعمال القوة بعد أن انضم إليها أبو مسلم الخراسانى الذى كان صرحًا كبيرًا لقيام الدولة العباسية ، ولكنه لاقى فى النهاية جزاء سنمار ، وقتل شر قتلة كالمعتاد ، وكما سوف نرى!


وداعًا للبيعة الحرة كما ودعها الأمويون


ومرحى بالتوريث


وفرض ولاية العهد فرضًا !


لم يأت العباسيون للحكم لإصلاح ما فسد من أمور فى عهد الدولة الأموية ، وإنما جاءوا حبًّا فى السلطة وعشقًا للسلطان ، بلا أى مخطط سوى تكريس هذه السلطة ، مهما أريقت الدماء من أجلها ، ومهما ارتكبوا من صور الغدر والخيانة ، والقتل والإهلاك ، حتى نبش القبور والتمثيل بالموتى المستخرج عظامهم منها !


من أجل ذلك جرى العباسيون على ذات العادة الضريرة فى ولاية العهد ، وبدأ أول خلفائهم أبو العباس السفاح ، فأعطى ولاية العهد لرجلين على التوالى : أخيه أبى جعفر المنصور ، ثم ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علىّ . وسوف نرى ما نجم عن ذلك من ضغائن وحزازات ، مثلما كانت تجرى الأمور تمامًا فى الدولة الأموية ، فيحاول أبو جعفر المنصور أن يغير ولاية العهد ويحولها عن عيسى بن محمد ـ الذى فشل فى قتله بالسم ـ إلى ابنه هو محمد المهدى ، ولتكون لعيسى من بعده ، ولكن سرعان ما ذابت الوعود والعهود ، وكرر « المهدى» ما فعله أبوه المنصور ، فعهد إلى ابنه « الهادى » ليليه ابنه « هارون » ، فلما تولى «الهادى » سعى كالعادة لخلع أخيه « هارون » من ولاية العهد لصالح ابنه مع أنه كان صغيرًا لم يبلغ الحلم ، ولكنه لم يفلح فى إمضاء ما يريد ، ومات مسمومًا فى بعض الروايات .


وعلى الرغم من رجاحة عقل هارون الرشيد ، وذكائه وبصيرته ، إلاَّ أنه لم يتعظ بما كان بين العباسيين ومن قبلهم بين الأمويين ، وأمعن هو الآخر فى ازدواجية ثم ثلاثية ولاية العهد ، ليضمن بقاء سلطة الحكم فى ذريته .. بدأ فتجاهل « المأمون » أكبر أبنائه لأن أمه أَمَةٌ مجلوبة من فارس ، وعقد ولاية العهد لابنه التالى « الأمين » لأنه ابن زبيدة بنت
جعفر بن أبى جعفر المنصور ، مع أن « الأمين » كان لا يتجاوز الثالثة من عمره حين منحه ولاية العهد !


وبعد عشر سنين ، عَنَّ لهارون أن يضم « المأمون » لولاية العهد سنة ١٨٣ هـ ، ولكن ليكون بعد « الأمين » استجابةً فيما قيل لرأى ومشورة وسعى جعفر بن يحيى البرمكى . ثم ما لبث « هارون » أن استمع لرأى ومشورة « عبد الملك بن صالح بن على » ، فبايع بولاية عهد ثالثة لابنه « القاسم » وسماه « المؤتمن » ، وقسم هارون البلاد بين أولاده الثلاثة هؤلاء ، فجعل ولاية الشرق للمأمون شاملة خراسان والرى إلى همذان ، وولاية الغرب للأمين شاملة المغرب ومصر والشام ، وجعل للمؤتمن ( القاسم ) ، ولاية الجزيرة والثغور والعواصم .


وسترى ما نجم عن ذلك من فتنة وشرور وخطوب ! فقد امتد العرق الدساس ، حتى قتل الخليفة « المنتصر بالله » ـ أباه الخليفة « المتوكل » ، ليتولى هو الخلافة بمبايعة أخويه بعد إراقة دم أبيهم الخليفة المتوكل . فى مشاهد مأساوية متكررة سنعود إليها بعد أن نرى ـ الآن ـ كيف قامت الدولة العباسية واستقامت لها الأمور على إراقة الدماء ، ونبش القبور وامتهان حرمة الأموات !!


الطريق إلى الحكم


المفروش بالدماء !


جاء العباسيون إلى الحكم على طريق مفروش بالدماء ، لم تقتصر الدماء المراقة على الأعداء أو المنافسين ، وإنما طالت الموالين .


وقد جاءت الخلافة إلى أبى العباس السفاح تسعى من يوم أن قتل أخوه إبراهيم بن محمد بن علىّ الملقب بالإمام الذى كان قد انتقلت إليه رئاسة الحركة بوفاة أبيهم
« محمد بن علىّ العباسى » سنة ١١٨ هـ . وظل إبراهيم الإمام مضطلعًا بالرئاسة حتى قُتل سنة ١٣٢ هـ وهو فى أسر الخليفة الأموى « مروان بن محمد » الملقب بالحمار ، وقيل إن مروان هدم عليه البيت الأسير فيه فقتل ، وقيل فى رواية أخرى إنه مات مسمومًا .


وبموت إبراهيم الإمام ، صار « أبو العباس السفاح » رئيسًا للحركة العباسية ، وأرسل أتباعًا وأمدادًا لملاحقة « مروان بن محمد » الذى انهزم عنه من معه ، ومات قتيلا على يد رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان ، فاحتز رأسه كالعادة ، وأرسلت إلى
« صالح بن محمد بن علىّ » ، فأمر يومها بقص لسانه ، فخطفه هرّ ، وجعل صالح يتعجب مما تريهم الأيام من عجائب وعِبَر ! ويقول : هذا لسان مروان قد أخذه هرّ ! ، ثم إنه بعث بالرأس المحتز إلى أخيه أبى العباس السفاح !


قتل يدهم اليمنى : أبو سلمة الخلاَّل


حيلةً وغدرًا


قبل أن نستعرض المذبحة الشنيعة التى أقامها أبو العباس السفاح للأمويين ، نعود قليلاً إلى ما قبل تولى العباسيين الخلافة رسميًّا ، فقد روى المؤرخون على بعض الاختلاف فى الروايات ، إسنادًا أو تفصيلاً ، أن « إبراهيم الإمام » إبان رئاسته ـ قبل مقتله ـ للحركة العباسية ، وجه أبا مسلم الخراسانى إلى خراسان مزودًا بنصائح وبوصية ، ونقل أكثر من مؤرخ نص هذه الوصية المتفق على أنه ورد فيها : « وانظر هذا الحىّ من مضر فإنهم العدو قريب الدار ، فاقتل من شككت فيه ومن كان فى أمره شبهة ، ومن وقع فى نفسك منه شىء ، وإن استطعت ألاَّ تدع بخراسان لسانًا عربيًّا ( وقيل إن المقصود بهذه العبارة ـ تحذير الخراسانى من العناصر العربية التى تعيش هناك ولديها ميل للثورة ) ، وأيَّما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله .. ولا تخالف هذا الشيخ ـ يعنى بذلك سليمان بن كثير » .


ومع اضطلاع عبد الرحمن ابن مسلم ، الملقب بالخراسانى ، بالدور الكبير فى نجاح الدعوة العباسية نتيجة جهوده الصادقة التى بذلها فى خراسان ، فإن من المتفق عليه أيضًا بين المؤرخين أن « أبا سلمة الخلاَّل » ، وكان من الموالى ، كان من كبار دعاة العباسيين ، واتخذه « إبراهيم الإمام » داعيًا فى العراق ، وكان من أهم دعاة بنى العباس ، حيث كان من ميسورى أهل الكوفة ، وأنفق من ماله فى الدعوة لآل البيت حتى لقب بوزير آل محمد ، وإليه لجأ الهاربون العباسيون إثر مقتل « إبراهيم الإمام » ، ولكن ما لبثوا أن قالوا إن عنايته بهم قد قلَّت أو أنه أهمل أمرهم ، وتأول البعض أنه استأثر بالسلطة ، ووقع خُلْف بينه وبين أبى العباس السفاح ربما لازدياد نفوذه ، وتأول البعض أن الرجل كان يريد أن يحول الأمر إلى أحد العلويين ، ولكن « أبا سلمة الخلاَل » قطعًا لدابر هذه الأقاويل تعمد حين ذهب إلى السفاح مهنئًا بالخلافة ، أن يقبل يد أبى العباس وقيل إنه قبل قدميه أيضًا ، وبدأ فى الاعتذار ، فقال له أبو العباس : « عذرناك أبا سلمة غير معتد ، وحقك معظم ، وسابقتك فى دولتنا مشكورة وزلَّتك مغفورة ، انصرف إلى معسكرك لا يدخل خلل ... » .


بيد أن السفاح كان قد أضمر قتله ، وأرسل يشاور أبا مسلم الخراسانى ، فأشار عليه بأن يضرب عنقه إن كان يشك فى أمره ، هنالك أشار أحدهم على السفاح ألاَّ يفعل حتى لا يحتج بها عليه أبو مسلم الخراسانى مستقبلا ، وبأن يكتب إلى الخراسانى ليبعث هو بمن يقتله ، فبعث أبو مسلم لذلك بمن يدعى « مرار بن أنس الضبى » لقتله ، بينما أرسل السفاح من ينادى خداعًا أن أمير المؤمنين قد رضى على أبى سلمة الخلاًل وكساه ، إلاَّ أنهم قتلوه وهو منصرف وحده إلى منزله فى أواخر ١٣٢ هـ ، وأشاعوا ـ كذبًا ـ أن الخوارج هم الذين قتلوه ، ثم أتبعه الخراسانى بقتل الشيخ « سليمان بن كثير » الذى كان إبراهيم الإمام قد أوصاه به فى وصيته ، وقيل إنه قتله لأنه نفس عليه مكانته وزعامته ، ولم يكن الخراسانى يدرى أن الدور سوف يجىء عليه !


مذبحة الأمويين !


أبو العباس السفاح ، هو « عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن العباس » ، ولقب « بأبى العباس السفاح » ، ولست أميل إلى تصديق أن لقب السفاح أطلق عليه لأنه كريم يذبح لضيوفه ، ولأنه قال عن نفسه فى خطبته بالكوفة : « أنا السفاح المبيح والثائر المنيح » . ومعناها أنه الكريم الذى يكثر الذبح لضيوفه .


وظنى أن هذه الرواية مفتعلة ، وأن تاريخ أبى العباس الدموى ـ يشهد بأن اللقب صادف محله وإسرافه القاسى فى إراقة الدماء .. فعلى هذه القسوة أجمعت الروايات ، وهذا هو الموافق للمعقول بغير افتعال أو اصطناع !


كانت حياة السفاح مليئة بحوادث القسوة التى لم يشهد لها التاريخ مثيلا ، لا يكاد يضارعه فى قسوته إلاَّ الحجاج بن يوسف الثقفى ، وامتدت هذه القسوة العنيفة إلى كل من بقى من بنى أميّه لم ينج منهم إلاَّ من فروا وراء عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ، بل وطالت القسوة وإراقة الدماء أولياء الدولة وعمدها ، حسبما رأينا مع « الخلاَّل » ، وعلى ما سوف نرى مع أبى مسلم الخراسانى نفسه ـ صاحب الفضل الأكبر فى إقامة الدولة العباسية .


فأما الامويون ، فمن أبشع الروايات ـ المذبحة التى أقامها لهم أبو العباس السفاح فى قصر ملكه ، فطبقا لرواية أبى الفرج الأصبهانى بسنده فى موسوعة « الأغانى » ، وما ذكره ابن الأثير فى الكامل ، وغيرهما . أن أبا العباس كان فى مجلسه على سرير ملكه وقد أجلس بنى هاشم دونه على الكراسى عن يمينه ، وبنى أمية دونهم على الوسائد عن شماله ، وقيل إنهم كانوا ثلاثة وثمانين رجلاً من خيارهم ، وجوهر المأساة أنه دخل على أبى العباس السفاح من لامه على إكرامه من قتلوا ذويه ، فأقبل السفاح على ضيوفه يقرعهم ويسبهم أنهم قتلوا من أهله من قتلوا ، ثم ها هم أحياء يتلذذون بالدنيا ، وأمر بهم فضربوا بالعمد ( أعمدة الخيام) حتى قتلوا ، وبسط عليهم الأنطاع ( جمع نطع وهو بساط الجلد ) ، فأكل الطعام عليها وهو يسمع أنين بعضهم حتى ماتوا جميعًا !!!


ودخل من يدعى « سديف » على هذا السفاح وعنده « سـليمان بن هشـام بـن عبدالملك » ، فأنشده يستثيره ويهيج خواطره بأبيات ، فأمر السفاح بسليمان فقُتل .


وكان للأمويين يوم عصيب آخر بنهر أبى فُطْرس ، فقد تتبع أبو العباس عبد الله السفاح أولاد الخلفاء وغيرهم فأخذهم ، ولم يفلت منهم إلاَّ رضيع أو من تمكن من الهرب إلى الأندلس فقتلهم جميعًا بنهر أبى فُطْرس ، وكان فيمن قتل فى هذه المذبحة محمد بن عبد الملك بن مروان ، والغَمْر بن يزيد بن عبد الملك ، وعبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ، وآخرون .


ومن بنى أمية من قتلوا بالبصرة ، ومنهم من قتلوا بمكة والمدينة ، ومنهم من أحضرهم «سليمان بن علىّ بن عبد الله بن العباس » ، وعليهم الثياب الموشية ، فأمر بهم فقتلوا ، ومنهم من جروا من أرجلهم وقتلوا على الطريق !


ولم تكتف هذه المذابح بالأحياء ، فعمدت إلى قبور بنى أمية ، فنبشت قبورهم بدمشق ، ونُبش قبر معاوية بن أبى سفيان فلم يجدوا فيه إلاَّ خيطًا مثل الهباء ، ونُبش قبر يزيد بن معاوية فوجدوا فيه حطامًا كأنه الرماد ، ونُبش قبر عبد الملك بن مروان أبى الملوك الأربعة ، فوجدوا جمجمته وكان لا يوجد فى القبر إلاَّ العضو بعد العضو ، ولم يجدوا جثمانًا صحيحًا سوى جثمان هشام بن عبد الملك ، لم يبل منه إلاَّ أرنبة أنفه ، فضربوا جثمانه بالسياط ، وصلبوه وحرقوه وذرّوه فى الريح !


أين هذا من الإسلام ؟!


ولم يكن هذا الإيغال فى الدماء ، وانتهاك حرمة الأموات ، من الإسلام ، والمؤسف الموجع أن الفعلة يدينون بالإسلام ، ومحسوبون على الإسلام ، ولكنهم لم يعرفوا إلاَّ جنون عشق السلطة ، وجنون الثأر والانتقام ، ولم يعرفوا شيئًا من الإسلام ، ولا من سنة رسول الإسلام الذى لم يلاق أحدٌ ما لاقاه عليه الصلاة والسلام ، ولم يُعَذَّب أحدٌ بمثل ما وقع عليه من عذاب ومن سخرية السفهاء والغلمان ، وقُتِلَ من آلِهِ وأعمامِهِ وبنى عمومته وخؤولته أعز الأقارب والأحباب ، ولكنه عليه الصلاة والسلام حين دخل والمسلمون منصورين يوم فتح مكة ، لم يزد على أن قال لطواغيت الشرك والضلال :« ما تظنون أنى فاعل بكم ؟! قالوا : أخٌ كريم وابن أخٍ كريم » ، قال : « لا تثريب عليكم اليوم ، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين . اذهبوا فأنتم الطلقاء


للحديث بقية )