عودة غير حميدة للخصخصة البغيضة

06/04/2016 - 10:57:35

  نجوان عبد اللطيف نجوان عبد اللطيف

بقلم - نجوان عبد اللطيف

عشرة أعوام فقط تفصل بين اليوم وتاريخ بيع أول بنك تمتلكه الحكومة، وبسبب فساد تلك الصفقة، تم إجهاض محاولات البيع التالية، ومن المفارقة أن نائب محافظ البنك المركزى فى ذاك الوقت المسؤول عن ملف صفقة بيع بنك الإسكندرية هو طارق عامر، محافظ البنك المركزى الحالى، والذى أعلن أن الدولة بصدد بيع نسبة ٢٠٪ من بنك القاهرة، الذى يمتلكه بنك مصر بالكامل (ملكية عامة) و٢٠٪ من نسبة ٥٠٪ تمتلكها فى البنك العربى الإفريقى، تطرحها فى البورصة لمستثمر رئيسى - لم تشترط أن يكون مصريًا - وذلك بزيادة رأس المال، وأنها تعد لبيع المصرف العربى المتحد، الذى يمتلكه البنك المركزى بالكامل قبل نهاية هذا العام.


مرة أخرى نعود لفكرة البيع أو الخصخصة، تضيق بالحكومة السبل تبحث فى الباقى الذى لم تمتد إليه يد الفساد بالبيع فى عصر مبارك، الذى استباح أموال الشعب، والذى اختفت فيه حصيلة البيع ١٦ مليار جنيه ولا أحد يعرف أين ذهبت ولم يحاسب حتى الآن أحد من المسؤولين عن ضياعها، من بين هذه الصفقات المشبوهة كانت صفقة بيع بنك الإسكندرية عام ٢٠٠٦ أول عملية بيع لأحد بنوك القطاع العام الأربعة الكبار (الأهلى ومصر والقاهرة والإسكندرية)، الذى مضى على إنشائه فى ذاك الوقت حوالى خمسين عامًا(١٩٥٧).. حكومة نظيف ووزيره محمود محيي الدين، وقعوا عقد بيع ٨٠٪ من ملكية البنك لمستثمر إستراتيجى هو مجموعة أنتيزا سان باولو الإيطالية، بكل أصوله وفروعه المنتشرة فى ربوع مصر ١٨٨ فرعا، ليصبح هو البنك الإيطالى الوحيد فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقابل. مليار و٦٠٠ مليون دولار فقط، بينما قيمته السوقية طبقا لتقييم الخبراء تصل إلى ٥ مليارات دولار ونصف مليار طبقًا لأسعار السوق فى هذا الوقت, بعد تقييم البنك وإعداد جمهور المتعاملين معه والشركات، التى يسهم فيها والأفرع التى منها ماهو أثرى، بخلاف العمالة المدربة، وكانت أرباحه عام ٢٠٠٥ تقدر بـ ٥٣٢ مليون جنيه.


وقامت حكومة نظيف بإعادة هيكلة البنك وتنظيف محفظته من الديون من أجل تأهيله للبيع وأنفقت فى ذلك مليارات قدرها المركز المصرى للنزاهة والشفافية بأكثر من ١١ مليار جنيه!


حيث اعتادت حكومة نظيف ومن قبلها حكومة عاطف عبيد، بيع الشركات الناجحة، وبعد أن تصلح من شأنها وتحل مشاكلها أو تلقيها على كاهل شركة قطاع عام أخرى، حيث يتم بيعها سواء لمستثمر مصرى أو أجنبي، كما التعبير الشعبى (بيضة مقشرة)، وظلت أرباح البنك تتزايد على مدى السنوات العشر مثل باقى البنوك الحكومية، حيث يصل حجم المتعاملين مع البنك مليونا و٦٠٠ ألف عميل.


وقد حقق بنك الإسكندرية صافى أرباح لعام ٢٠١٥ حوالى مليار و٣٩٠ مليون جنيه! ٨٠٪ منها تدخل جيب المجموعة الإيطالية و٢٠ ٪ فقط للحكومة مقابل النسبة، التى احتفظت بها.


الغريب أن نظام مبارك الفاسد أرغم على وقف نزيف الخصخصة الذى كان آخرها بيع بنك الإسكندرية ٢٠٠٦، خاصة أنه عندما شرع فى بيع بنك القاهرة قامت الدنيا ولم تقعد حتى ألغت الحكومة الصفقة بعد أن عقدت العملية للمزايدة وكادت مجموعة يونانية تستحوذ على البنك لولا انخفاض السعر بكثير عن التقييم الموضوع من اللجنة المسؤولة واعتراض وزير الدفاع، واستحوذ بنك مصر على بنك القاهرة بالكامل من خلال شركة مساهمة يمتلكها البنك مما يعنى بقاء بنك القاهرة كملكية عامة.


إلى أن صدر بيان عن رئاسة الجمهورية فى يناير الماضى بعد لقاء جمع الرئيس بطارق عامر، محافظ البنك المركزى، ورئيس الوزراء، شريف إسماعيل، ووزيرى الصناعة والمالية أشار فيه إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد طرح نسب من رأس مال الشركات والبنوك المصرية الناجحة في البورصة.


ثم جاءت التفاصيل مع طارق عامر فى حوار تليفزيونى أكد فيه أن الحكومة عزمت النية على طرح حصص من بنوك عدة بنظام المستثمر الاستراتيجي في البورصة.


وقال عامر، «بدأنا في إجراءات بيع المصرف المتحد قبل نهاية العام الحالي، وسيتم طرح ٤٠٪ من البنك العربي الإفريقى الدولى فى البورصة مناصفة من حصتى الكويت ومصر هذا العام و٢٠٪ من بنك القاهرة لزيادة رأس المال.


بنك القاهرة بلغت صافى أرباحه لعام ٢٠١٥ أكثر من ٢ مليار جنيه كما حصل على لقب «أفضل بنك فى التجزئة المصرفية» فى تصنيف مجلة اتحاد المصرفيين العرب، وانضم لقائمة الألف بنك الأفضل على مستوى العالم، هذا بخلاف فروعه المنتشرة داخل وخارج مصر وقيامه بدور هام فى مجال «القروض متناهية الصغر»، حيث بلغ إجمالى القروض الممنوحة حتى نهاية ديسمبر الماضي نحو ١.٣مليار جنيه، وبلغت «قروض العاملين بالدولة والقطاع الخاص» ١٧.٦ مليار جنيه بحصه سوقية ٣٦٪.


أما المصرف المتحد هو نتاج دمج ثلاثة كيانات مصرفية عام ٢٠٠٦ قام البنك المركزى بالاستحواذ بمبلغ مليار جنيه، حقق فقط فى السنوات الأربع الماضية أرباحًا أكثر من مليار جنيه، وخلال العام الماضى بلغ صافى أرباحه ٢٥٤ مليون جنيه بزيادة ١٥٪ عن عام ٢٠١٤.


وتمتلك الدولة البنك العربى الإفريقى مناصفة مع الكويت، وسيطرحان معًا مناصفة أيضًا ٤٠٪ من البنك فى البورصة أيضًا، وبلغ صافى أرباحه عام ٢٠١٤ مليارا و٢٠٠ مليون جنيه وأصوله ٧٩ مليار جنيه.


تلك هى أحوال البنوك المطروحة للبيع سواء كليًا أوجزئيًا.. هو بيع وخصخصة مهما حاول المسؤولون استخدام صياغات مختلفة.


ويتوافق هذا مع إعادة وزارة قطاع الأعمال منفصلة بعد ١٢ عامًا، ليس الهدف هو الحفاظ على المال العام وإنقاذ الشركات المتعثرة من بين ١٢٥ شركة، كما يظن البعض، ولكن قالها صراحة رئيس الوزراء فى تصريحاته عقب التعديل الوزاري ردًا على أسئلة الصحفيين عن طرح شركات قطاع الأعمال العام في البورصة، أجاب :»هناك تفكير حول ذلك ولكن يسبقه إعادة الهيكلة لتحقيق النتيجة المقبولة».


ويأتى تعيين د. أشرف الشرقاوى وزيرًا لقطاع الأعمال مناسبًا تمامًا لهذه المهمة، فهو ليس برجل صناعة أو صاحب خبرات فى مجال إدارة القطاع العام، ولكنه خبرة فى مجال أسواق المال وشارك فى تحديث القواعد الرقابية الخاصة بعمليات الطرح والاكتتاب الخاص والعام.


إذن عودة غير حميدة للخصخصة تبدأها الدولة بالأصعب.. بالبنوك الرابحة، والتى تضيف إلى خزانة الدولة مليارات، والتى كان تمصيرها فى الماضى جزءا أصيلا من إعلان استقلال مصر الاقتصادى، ولكن الدولة تفعلها هذه المرة من أعلى مستوياتها، وفى الغالب سيكون البيع للأجانب، كما كان فى بنك الإسكندرية، والحجة أن الدولة تريد دولارات، وماذا عندما تربح هذه البنوك المليارات ويقرر المالك الأجنبى تحويلها إلى الخارج، عدد من السياسيين والمثقفين والاقتصاديين وقعوا بيانًا يطالب الدولة بالبعد عن سياسة الخصخصة البغيضة، وعن المضى فى طريق مبارك ببيع أصول الدولة لحل الأزمة الاقتصادية وطرحوا حلولا، لماذا لاتسمعهم القيادة السياسية.. استمعوا ووعوا الدرس يرحمكم الله.