ملوك ورؤساء مصر والسعودية وتأسيس الجامعة العربية

06/04/2016 - 10:47:31

عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

فى مطلع القرن العشرين بنى الملك عبدالعزيز آل سعود الدولة الحديثة فى الجزيرة العربية وكانت مصر بكل تاريخها وثقلها البشرى فى مقدمة الدول التى أرست دعائم الشراكة مع المملكة بشأن كل ما يحافظ على مقومات العالمين العربى والإسلامى.


ومنذ هذا التاريخ السحيق وللعلاقات السعودية المصرية ثوابت مشتركة ومتعددة، فالدولتان تمثلان مواقع جغرافية ومحورية متميزة وتمتلكان مقومات وضعتهما فى مقدمة أهم المناطق الاستراتيجية فى عالم اليوم.


ولا غرابة أن يتحمل قادة الدولتين على مر السنين مسئولياتهم، لتؤدى كل دولة رسالتها الحقيقية فى الحفاظ على أمن وسلامة ومكانة العالمين العربى والإسلامي.


عواصف عديدة مرت على البلدين، وأثبتت الحوادث أن السعودية ومصر عينان فى رأس واحدة، فقد عبرت الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية والحرب الباردة للمعسكرين الكبيرين وما نجم عنها من بروز وتحالفات إقليمية، وظلت العوامل المشتركة بين الدولتين لا تتزعزع بل إن الأيام كشفت عن عناصر جديدة من قوة التلاقى بين البلدين أثرت على كل منطقتنا العربية.


وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤– ١٩١٨م) كان موقف السلطان عبدالعزيز آل سعود (سلطان نجد حينها) الوقوف على الحياد وهو الموقف نفسه الذى اتخذته مصر، رغم ظروف الاحتلال البريطانى لها، وفى هذا السياق استطاع الملك عبدالعزيز بحنكته السياسية أن يحقق الكثير من الإنجازات لبلاده بعد انتهاء الحرب وهزيمة الترك.. وفى هذه الأثناء شهدت العلاقات بين البلدين العديد من التطورات الإيجابية.


وقد زار الأمير سعود مصر فى أغسطس ١٩٢٦م، واستقبلته الحكومة المصرية أفضل استقبال ووفرت له كل رعاية وعناية أثناء زيارته، كما استقبل سعد زغلول الأمير سعود بمجلس النواب، وكذلك استقبله الملك فؤاد فى ١٨ أغسطس ١٩٢٦م، وكان الأمير سعود – رحمه الله- أثناء وجوده بمصر حريصًا على الاختلاط بأهلها، فكان يتردد على مساجد مصر العامرة ومنها الجامع الأزهر ومسجد الإمام الحسين والإمام الشافعى وزار متحف الفن الإسلامى وغيره من المتاحف، كما التقى ببعض علماء الأزهر الشريف ودعاهم لزيارة نجد والالتقاء بعلمائها الذين ينظرون للأزهر بكل إكبار واحترام، كما أدلى بحديث لجريدة الأهرام قبل مغادرته مصر عبر فيه عن شكره للأمة المصرية، وحرصه والملك عبدالعزيز على توثيق علاقته بمصر.


وكان الملك عبدالعزيز –رحمه الله- يردد للمقربين له عن مصر «... إنها أقرب البلاد إلى قلوب العرب لما بيننا وبينها من روابط اللغة العربية والدين، وإنى أتتبع مراحل نهضتها بشغف واهتمام».


وكان من الشخصيات السعودية ذوى الحيثية دائمة السفر إلى مصر لقضاء أوقات إجازاتها وحريصة على استمرار الدفء فى العلاقات السعودية– المصرية، الشيخ سرور الصبان وكيل مالية الحكومة السعودية والشيخ عباس القطان أمين مكة ورئيس بلديتها.


ومن الشخصيات المصرية الذين كان لهم دور فى تطوير العلاقات بين البلدين: عبدالحميد سعيد بك، وحمد الباسل باشا، ومحمد طلعت حرب مؤسس بنك مصر، والذى كان على علاقة وثيقة بالملك عبدالعزيز.


زار طلعت حرب المملكة العربية السعودية فى يناير ١٩٣٦م وقابل الأمير فيصل والملك المؤسس الملك عبدالعزيز وكبار رجال المملكة العربية السعودية، حيث قضى طلعت حرب ما يزيد على عشرة أيام لأجل استعراض المشروعات التى يمكن تنفيذها فى أراضى الحرمين الشريفين.


وكانت العلاقة بين الدولتين قد وصلت إلى مرحلة مهمة من التعاون وسرعان ما بدأت المفاوضات بين البلدين فى إبريل– مايو ١٩٣٦م ونظرًا لأن المفاوضات جرت أثناء مرض الملك فؤاد، وفى ظل ظروف سياسية مصرية شديدة التعقيد؛ فقد تم التوقيع على المعاهدة، مع إرجاء المسائل التى تحتاج إلى مزيد من البحث والدراسة، إلى ما بعد انعقاد البرلمان المصرى وتشكيل الحكومة الجديدة وتشكيل لجنة الوصاية على العرش فلم يكن ولى العهد – الملك فاروق– قد بلغ السن القانونية لتولى الُملك بعد.


ودارت المفاوضات بين النحاس باشا عن الحكومة المصرية وفؤاد حمزة ممثل الملك عبدالعزيز واتفق على أن تكون الأوراق فى شكل ثلاث مذكرات متبادلة بين الطرفين وتم التوقيع عليها يوم الخميس ١٩ نوفمبر واتفق على إعلانها فى السعودية ومصر فى اليوم التالى، وتفعيلاً للمعاهدة رفعت درجة التمثيل الدبلوماسى لدرجة وزير مفوض وأصبح لمصر مفوضية فى جدة، وعُيّن عبدالرحمن عزام وزيرًا مفوضًا لمصر فى عام ١٩٣٧م، وأبقت المملكة العربية السعودية ممثلها فى مصر «الشيخ فوزان السابق» ورفعت درجته إلى وزير مفوض.


وتزايدت الاتصالات الودية بين الجانبين، وتم تبادل برقيات التهانى والشكر فى مناسبات عدة كان من أبرزها تتويج الأمير فاروق بن فؤاد الأول ملكًا على مصر سنة ١٩٣٧وازدادت الاتصالات على المستويات الرسمية الشخصية لكل من الملك عبدالعزيز والملك فاروق، وسرعان ما توافدت الزيارات الرسمية بين الجانبين على مستوى كبار رجال الدولتين؛ فزار الأمير سعود بن عبدالعزيز ولى العهد وشقيقه الأمير محمد مصر فحظيا باستقبال حافل من قبل المسئولين المصريين.


وكان من أهم الزيارات المتبادلة زيارة الأمير محمد على فى عام ١٩٣٩م لأداء الحج والالتقاء بالزعماء السعوديين، كما قام كل من الأميرين فيصل وخالد –رحمهما الله- بزيارة مصر أثناء توجههم إلى مؤتمر لندن الخاص ببحث قضية فلسطين وقوبلا فى مصر بالحفاوة والترحاب.


وقد ظهر مع تحول المملكة إلى الريال السعودى بدلاً من الجنيه الإنجليزى، مصاعب مالية خصوصًا مع نشوب الحرب العالمية الثانية، ورغم أن سعر الجنيه الورقى المصرى كان يزيد على سعر الجنيه الإنجليزى الذهب بـ«نصف شلن» –فى ذلك الوقت- إلا أنه قد ظهرت أزمة فى العملات بسبب قلة عدد الريالات السعودية وارتفاع أسعار الذهب عالميًا، الأمر الذى أوجد تنسيقًا مصريًّا سعوديًّا لحل هذه الأزمة فى أواخر عام ١٩٤٢م وعام ١٩٤٣م.


وفى المجال العسكرى، بدأ التعاون بين البلدين فيما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأت المملكة فى الاعتماد على بعثات أمريكية وبريطانية لتدريب الجيش السعودى، ونظرًا لأن تلك البعثات كانت فى حاجة إلى ضباط عرب يعاونونهم فى مهمتهم، فقد طلب الوزير المفوض المصرى بجدة من حكومته تيسير هذا الأمر بتحمل نفقات الضباط المصريين لأهمية ذلك فى توطيد العلاقات المصرية- السعودية.


كان هذا الأمر مقدمة لأن ترسل الحكومة السعودية لجنة عسكرية لشراء الأسلحة من مصر، وقوبلت اللجنة بالحفاوة من المسئولين المصريين، كما حرصت مصر على اقتناء المملكة لأفضل القطع الحربية.


وهنا يمكن القول إن العلاقات السعودية المصرية قد انتقلت إلى مرحلة جديدة تتفق والتحديات الكبرى التى بدأت تظهر فى المنطقة وتؤثر فى مصير الأمة العربية والإسلامية.


ولعل أخطر ما كان يحتاج إلى تضافر الجهود السعودية– المصرية بوادر تفجر القضية الفلسطينية، لذا بعث الملك عبدالعزيز إلى ممثله فى القاهرة يطلب منه أن يقابل رئيس الوزراء المصرى محمد محمود باشا ليوضح له ضرورة توحيد السياستين السعودية والمصرية فى القضايا الإسلامية والعربية، وخاصة إزاء القضية الفلسطينية قائلا: «... إننا يجب على الدوام أن نكون على اتفاق وتفاهم فى كل ما له علاقة بالمصلحة الإسلامية عامة والمصلحة العربية خاصة، وأهم المسائل التى تواجه الإسلام والعرب هى مشكلة فلسطين».


وسرعان ما نقل الملك عبدالعزيز العلاقات السعودية– المصرية إلى مدى أكبر مما هى عليه ودفعها بقوة نحو إيجاد كيان عربى يحفظ للعرب وجودهم وترابطهم؛ فأرسل الشيخ يوسف ياسين مندوبًا عنه للاجتماع برئيس وزراء مصر لإيضاح رؤيته للعمل العربى المشترك وتأسيس كيان يوحد العرب أمام المخاطر المحيطة بهم، وكانت هذه المقابلة دفعًا لأعمال اللجنة التحضيرية لإنشاء جامعة الدول العربية، حيث توالت اجتماعات اللجنة منذ ٣٠ يوليو ١٩٤٣م وحتى ٦ فبراير ١٩٤٤م، فيما عُرِفَ ببروتوكول الإسكندرية، وبعد تذليل كثير من العقبات استطاعت كل من السعودية ومصر قيادة سفينة العرب لتدشين جامعة الدول العربية، التى جاء تأسيسها عام ١٩٤٥م قبل ميلاد الأمم المتحدة بعدة أشهر.