دار الهلال راعية الفكر والثقافة

02/09/2014 - 9:43:06

رجائى عطية رجائى عطية

بقلم: رجائى عطية

ظنى أن من يدفعون الأمور لتغليق دار الهلال، ومثلها دار المعارف ، يغيب عنهم الدور العريض الذى أدته المؤسستان للثقافة والمعرفة فى مصر والعالم العربى لأكثر من قرن من الزمان.


من الصبى ونحن نتلقى الثقافة والمعرفة ـ وبلا ثمن حقيقى ـ عن دار الهلال ، وحين أرجع إلى ذاكرتى ومكتبتى الخاصة التى بنيتها عبر السنين، أجد كتباً ومجلات ومطبوعات دار الهلال تملأ رفوفها مثلما ملأت عقول أجيال تلقوا عنها الثقافة والمعرفة فى إطار مبدأ"مجانية الثقافة"الذى وضعته دار الهلال وكفلته . فى أيام الصبا والتلمذة ، لم يكن ليتاح لنا اقتناء وقراءة أمهات الكتب العربية والغربية بغير الدور التنويرى ـ المجانى ـ الذى باشرته دار الهلال وكفلته عبر عقود


من كتب الهلال التى لازلت أقتنيها فى مكتبتى الخاصة وعليها أثمانها : بسعر (8) قروش ، اقتنيت ولا زلت من طبعات الخمسينيات : عبقرية محمد للعقاد، وهارون الرشيد لأحمد بك أمين ، وأبو الشهداء الحسين بن على للعقاد ، وعمر مكرم لمحمد فريد أبو حديد ، وزعيم الثورة سعد زغلول للعقاد ، وأشعب أمير الطفيليين لتوفيق الحكيم ، وحديث رمضان للإمام الأكبر الشيخ المراغى ، وأهل الكهف للحكيم ، ومحمد على جناح للعقاد ، وفى الطريق للمازنى ، وعبقرية عمر للعقاد ، وعلمتنى الحياة لنخبة من كتاب الشرق والغرب بإشراف أحمد أمين ، وآمنة بنت وهب أم الرسول لبنت الشاطئ ، ومدرسة المغفلين للحكيم ، وفاطمة الزهراء والفاطميين للعقاد ، ومدرسة الشيطان للحكيم ، واعترافات شبابى للكاتب الروسى ليوتولستوى ، وعبقرية خالد للعقاد ... وغيرها .


فى الستينيات تحت ضغط ارتفاع الأسعار وأسعار الورق والطباعة ، رفعت دار الهلال سعر كتاب الهلال ، ولكن قرشين فقط من (8) إلى (10) قروش .. ما بين طبعتى"الحسين أبو الشهداء"ـ الأولى والثانية ـ للعقاد أكثر من (15) عاما ، ومع ذلك لم يرتفع سعر الطبعة الثانية (نوفمبر 1969) إلاّ قـرشين ، فتشجعت واشتريتها للمرة الثانية .. فالسعر يا بلاش (10) قروش ، ومن كتب الهلال التى اشتريتها فى حقبة الستينيات بـ (10) قروش : إسرائيليات لأحمد بهاء الدين ، ورسالة التوحيد للإمام محمد عبده ، وما يقال عن الإسلام للعقاد ، وعلى هامش الغفران للويس عوض ، وغراميات فيكتور هوجو للطفى سلطان ، والإسلام فى القرن العشرين للعقاد ، وصقر قريش عبد الرحمن الداخل لعلى أدهم ، والبحث عن شكسبير للويس عوض ، ومطلع النور فى طـوالع البعثة المحمدية للعقاد ، ورسائل نهرو إلى أنديرا لأحمد بهاء الدين ، ومذكرات شارلى شابلن فى جزءين لصلاح حافظ ، وتاريخ الفكر المصرى الحديث للويس عوض ... وغيرها .


وفى أواخر الستينيات مع ارتفاع الأسعار ، والورق والطباعة ، لم تزد دار الهلال الطبعات الضخمة الممتازة إلاّ قرشين ، فبسعر (12) قرشا اقتنيت ولا زلت مطول العقاد عن ابن الرومى حياته وشعره ، ومطول محمد رسول الحرية لعبد الرحمن الشرقاوى ، وحياة المسيح للعقاد ، ودراسات فى النظم والمذاهب للويس عوض ، وتوفيق الحكيم فنان الفرجة وفنان الفكر للدكتور على الراعى ، ومطول حقائق الإسلام وأباطيل خصومه للعقاد .. وغيرها .


ولم ترتفع أسعار كتاب الهلال ـ ارتفاعا جنونيا !!! ـ إلاّ فى السبعينيات ، فزادت قرشين دفعة واحدة ، أى سعر الأعداد الممتازة فى آخر الستينيات ، فوجدت فى مكتبتى من كتب الهلال بـ (12) قرشا ، الإسلام دعوة عالمية للعقاد ، واليسار الأوربى المعاصر لأمير إسكندر ، بل ووجدت كتاب"دراسات أوربية" للويس عوض ، وأيضا كتابه "الفنون والجنون" ـ فى أوروبا 1969 بسعـر (10) قــروش ، ومع أن كتــاب" الوصول إلى السعادة"جمع بين التأليف للفيلسوف الإنجليزى برتراند راسل والترجمة للدكتور نظمى لوقا ، إلاّ أننى وجدت ثمنه فى آخر 1977 ـ (15) قرشا فقط .. كانت أسعار كتب ومطبوعات دار الهلال لا ترتفع حتى عهد قريب من أواخر التسعينيات ـ لا ترتفع إلاّ بالقروش ، وكل هذه المكتبة النفيسة المتكاملة التى تعمدت أن أذكرها واحدًا واحدًا ، لا تعادل ثمن كتاب واحد فى هذه الأيام .. فقد ظلت لغة القروش سائدة حتى عهد قريب كما كانت بالنسبة للصحف : قرش ، ثم قرش وتعريفة ، ثم قرشان .. حتى جاوزت الجنيه الآن ، ولم يعد فى متناول الجامعى الموظف أن يواظب على شراء ولو صحيفة واحـدة كل يوم ، لأن ذلك سوف يكبده فى الشهر 45 جنيها غير الزيادة فى سعر العدد الأسبوعى .. أما الكتب فقد طفرت أسعارها إلى أرقام بالجنيهات ليس فى وسعه أن يفكر فى اقتناء واحد منها وإلاّ كبده ذلك مع سعر الجريدة أكثر من نصف مرتبه !!


معنى أن يتضاعف سعر الكتاب من (8) قروش إلى (8) جنيهات ، أن تكون الدخول قد تضاعفت مائة مرة ! .. فهل تضاعفت الدخول فى مصر بهذا القدر ، وهل بقيت القوة الشرائية للجنيه ـ ودعونا من القروش فلم يعد لها ذكر إلاّ فى كتب التاريخ ـ على حالها لم تنخفض حتى القاع بفعل التضخم الذى أتى ويـأتى على كل شىء !


معنى ذلك ، ولا معنى سواه ، أن ما حافظت عليه دار الهلال لعقود ، قد انفلت عياره ، ولم يعد أحد معنيًّا بمجانية الثقافة التى كانت تكفلها دار الهلال وترعاها ، ومعنى ذلك أن تصبح الثقافة ترفًا لا يقدر عليه أوساط الناس ناهيك بالفقراء ، أما الأغنياء فليسوا بحاجة أصلاً إلى الثقافة ولا تشغلهم ولا يطوف بها خيالهم ! ..وانحصر اقتتال الناس على رغيف العيش وغذاء البطون ، أما غذاء العقول فقد ودعه الناس وداعًا يستحضر عنوان :"وداعاً للسلاح"الذى أُخرج سينمائيا عن رواية الكاتب الأمريكى إرنست همنجواى !


ودعنا مجانية الثقافة التى حفظتها دار الهلال ـ ودعناها إلى غير رجعة ، فودعنا معها الفكر والثقافة إلاَّ ما نلتقطه منها رغم أزمتها المالية الطاحنة ، وها نحن بسبيل وداع مجانية العدالة ، لنفارق معها الإنصاف والعدل وعلى كل مظلوم أن يسند ظهره إلى الحائط .. إن استطاع أن يجد حائطًا !!


ترى ماذا نحن فاعلون فى الأيام السوداء التى أدركتنا .. عفوا ، لقد نسيت الحكمة القائلة: استمتع بالسيئ فالأسوأ قادم.


>>> 


وإذا كان الشىء بالشىء يذكر ، فإن ريادة دار الهلال قد تلاقت مع ريادة قامات عالية ظلت على وفائها وكتابتها لهذه الدار العريقة دون أن تنظر إلى"العائد"، قانعة بأن تؤدى فى باحتها ما اعتقدت أنه رسالة مشتركة بين الدار وبين كُتَّابها . من عقود ، وفرت لنا دار الهلال وبقروش قليلة ما اقتنيناه من روائع وأمهات الكتب العربية والأجنبية ، والتى صارت الآن بعشرات الجنيهات وجاوزت المائة جنيه فى بعض الأحيان .


وباعتبارى من هواة التفتيش عن الكتب ، ومعجبا حتى النخاع بسيرة وعقل وفكر وأدب وإنتاج عباس العقاد ، وجدتنى أتابع دليلا وقع بيدى بالصدفة لأعداد كتاب الهلال منذ بدايته عام 1951 وحتى عام 1992 ، وتراوح سعره فى هذه الحقبة ما بين (8) و(10) قروش ، وقد لفتنى حضور العقاد الكثيف اللافت منذ أول عدد وعبر جميع السنوات ، آثر فيها العقاد أن يتيح كتبه الضافية للقارئ بقروش زهيدة عبر دار الهلال دون أن تجذبه إغراءات المكاسب التى قد توفرها طبعات أو دور نشر أخرى .


استفتح كتاب الهلال أول أعداده فى يونيو 1951 بكتاب:"عبقرية محمد" للأستاذ عباس العقاد ، وقدم له بشهر سبتمبر من نفس العام (1951) كتاب:"الحسين أبو الشهداء"، ومنذ ذلك التاريخ لم يمر عام دون أن تحمل إصدارات كتاب الهلال عددا أو أكثر من مؤلفات عباس العقاد . فى فبراير 1952 :"سعد زغلول . زعيم الثورة"، وفى يونيو من ذات العام (1952)


" عبقرية خالد"، ولم ينصرم عام 1952 دون أن يقدم كتاب الهلال المؤلف الثالث للعقاد : " القائد الأعظم محمد على جناح".


وفى عام 1953 قـدم العقاد لكتاب الهــلال :"عبقرية عمـر"، و"فاطمة الزهراء والفاطميون"، وفى عام 1954 قدم كتابين آخـرين :"ذو النورين ـ عثمان بن عفان"، وكتاب :"الله"فى نشأة العقيدة الإلهية . وقدم فى عام 1955 كتابين أيضا :"مطلع النور"فى مقدمات وآيات النبوة المحمدية ، و"عبقرية الصديق" (أكتوبر 1955) . وشهد عام 1956 ، تقديم كتاب الهلال أربعة كتب لعباس العقاد :"معاوية بن أبى سفيان"، و"جحا الضاحك المضحك"، و? عبقرية الإمام على"، و"الصديقة بنت الصديق".


وقدم فى عام 1957 :"لا شيوعية ولا استعمار"، ثم قدم فى عام 1958 ثلاثة كتب لكتاب الهـلال :"حـياة المســيح"( فـى يناير) ، و? سارة"ـ رواية ( فى مايو) ، و"إبليس" (فى أغسطس) ، وفى عام 1959 قدم فى أكتوبر كتابه :"المرأة فى القرآن الكريم"، وقدم كتابين عام 1960 :"الإسلام فى القرن العشرين"، و"أبـو نـواس الحسن بن هانئ".


وأعاد كتاب الهلال فى فبراير 1961 طبع كتابه :"عبقرية الإمام على"، وأخرج له فى سبتمبر من نفس العام كتابه اللافت :"الإنسان فى القرآن الكريم"، وقدم فى مايو عام 1962 كتابه الضافى :"الفلسفة القرآنية"، وفى عام 1963 كتاب"الشيوعية والإنسانية"، ثـم كتاب :"رجال عرفتهم"، وفى عام 1964 نشر له كتاب الهلال كتابه"أنا"ـ والعنوان من اختيار الأستاذ طاهر الطناحى الذى جمع فيه مقالات العقاد عن سيرته وأسلوبه فى عقود حياته المتتابعة ، ثم نشر له"حياة قلم" فى ديسمبر 1964 .


وفى عام 1965 قدم العقاد لكتاب الهلال :"حقائق الإسلام وأباطيل خصومه".. كتبه بناء على طلب المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، ونشر بعدد أبريل 1965 ، ثم قدم فى عام 1966


كتاب :"مـا يقال عن الإسلام"، وأعاد كتاب الهلال فى مارس 1967 طبع كتابه :"إبليس"، ثم كتابه"حياة المسيح"فى يناير 1968 ، ثم كتابه: "الله"فى يونيو 1968 ، ثم"مطلع النور" فى ديسمبر من نفس العام .


وفى مطلع 1969 نشر كتاب الهلال بعدد يناير الكتاب الفريد للعقاد عن الشاعر"ابن الرومى"، وأعاد فى نوفمبر من نفس العام طبع كتابه :"الحسين أبو الشهداء" ، وفى عام 1970 أعاد كتاب الهلال فى مارس نشر كتابه :"الفلسفة القرآنية"، ونشر له فى نوفمبر كتاب :"الإسلام دعوة عالمية".


ظل العقاد وفيا لتقديم كتبه إلى كتاب الهلال منذ بداية السلسلة وطوال حياته ، وظلت دار الهلال وفياً معه وللفكر والثقافة بأثمان زهيدة متاحة للبسطاء ـ وقد استمر كتاب الهلال فى تكملة نشر المتبقى بعد وفاته فى منتصف الستينيات ، وأعاد فى أغسطس 1988 ، بمناسبة ذكرى ثورة 1919 نشر كتابه :"سعد زغلول زعيم الثورة".


هذه شهادة لكل من دار الهلال والعقاد على هذا الاهتمام المشترك لأداء رسالة الفكر والثقافة ، وإتاحة المؤلفات الرفيعة بأثمان زهيدة أقرب إلى المجانية برغم ارتفاع أسعار الورق والطباعة ، وليعبرا معًا بلا جلبة ولا استعراض عن فهم حقيقى لرسالة الثقافة ، والابتعاد بمجانيتها عن أن تكون وسيلة لجنى الأرباح . اللافت أن العقاد فعل ذلك رغم أنه لم يكن له مصدر للإعاشة غير الكتابة ، وباع مكتبته الخاصة أكثر من مرة لضيق الحاجة .


دور دار الهلال فى صناعة العقل المصرى والعربى ، يجعلها ثروة قومية يجب أن نحفظ صرحها ولا نهدمه ، وأن نعض عليها بالنواجز لتستمر فى أداء رسالتها الرفيعة.


اللهم قد بلغت ـ اللهم فاشهد