بشري لآلاف المسيحيين المحرومين من رحمة الكنيسة :الشعب أسقط الأنبا بولا

02/09/2014 - 9:36:34

الأنبا بولا الأنبا بولا

بقلم : عادل جـرجـس

فرحة عظيمة وارتياح كبير عمَّ كل الأوساط داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعد إعلان الأنبا بولا عن قرب تنحيه عن منصبه كرئيس للمجلس الإكليريكي بعد ثورة عارمة قادتها كيانات علمانية داخل الكنيسة بعد التردي الذي وصل إليه قرارات المجلس الإكليريكي في عهد بولا وهي قرارات متعسفة في حالات الطلاق ومنح تصاريح الزواج الثاني وهو الأمر الذي أدي في الآونة الأخيرة إلي ارتكاب بعض الأقباط الذين تحطمت حياتهم الأسرية علي صخرة المجلس الإكليريكي جرائم قتل للتخلص من شريك الحياة وكانت الحجة التي تخرج دائما من المجلس ان المجلس يطبق أحكام الانجيل وعلي الرغم من ذلك فقد شاب الفساد قرارات المجلس الإكليريكي وحامت شبهات الرشوة والمحسوبية حول الكثير من قرارات الطلاق وتصاريح الزواج الثاني وكان أشهرها طلاق وزواج فنانة مشهورة دون ثبوت واقعة الزي التي اتخذها الأنبا بولا مبررا واحداً ووحيداً للطلاق ونحن هنا لا نقيم تجربة بولا في إدارة المجلس الإكليريكي فها هو الرجل يتنحي ويرحل عقب ثورة الاقباط علية ولكن ما يعنينا هنا كيف ستسير الأمور داخل المجلس الإكليريكي بعد بولا ؟ وهل الرجل تنحي أم نُحي ؟ وهل هناك سياسات جديدة سوف تتبعها الكنيسة لمعالجة قضايا الأحوال الشخصية؟ وهل حقاً كانت الكنيسة تطبق أحكام الإنجيل أم أنها كانت تطبق مفهومها لما جاء بالإنجيل ؟ وهل الشريعة المسيحية لا تبيح الطلاق إلا لعلة الزني؟


لا اجتهاد مع نص


كانت القاعدة الفقهية التي تسير عليها الكنيسة والتي أطلقت أول ما أطلق علي لسان مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث أنه لا "اجتهاد في وجود نص" والحقيقة أن تلك القاعدة مستحدثة ولم يرد في الإنجيل أو التقليد الكنسي أو حتي تراث آباء الكنيسة ما يدعم تلك القاعدة بل ان المتعارف عليه مسيحياً هو نقيض تلك القاعدة فالمسيحية لا تعرف الوصايا في فروض كما ان الاحتكام اللفظي للنص منهي عنه حيث يقول القديس بولس الرسول في رسالتة الثانية إلي أهل كورينثوس "الْحَرْفَ يقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يحْيي"(2كو3 :6) إذن فالكنيسة كانت تنطلق من قاعدة فقهية خاطئة لا تصلح للقياس عليها.


الرمزية ومفهوم الطلاق والزني


يخطئ وينحرف من يفسر الإنجيل من منطلق لفظي لأن الإنجيل هو أكبر وأكثر كتاب عرفته البشرية ملييء بالرموز والشفرات وتتجلي تلك الرموز وتتعاظم في اقواله السيد المسيح فالمسيح كانت الكثير من أقوال رموزا ولا تعبر عن معناها اللفظي فعندما خاطب اليهود قائلا "إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَنْقُضَ هيكل اللهِ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيامٍ أَبْنِيهِ"(مت 26:61) لم يكن يقصد هيكل سليمان بل كان يتحدث عن موته وقيامته، وحينما خاطب بطرس الرسول قائلاً "أُعْطِيكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ"(مت 16 :19) لم تكن هناك مفاتيح بيد المسيح يعطيها له ولكن دلالة علي أن المسيح يأتمن بطرس علي البشارة وعندما خاطب المرأة السامرية " مَنْ يشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يعْطَشَ إِلَي الأَبَدِ" ( يو4 :14) لم يكن يحمل دلوا من الماء ولكن كانت مقولته عن الشبع الروحي من كلامه، هذه بعض أمثلة من رمزيات السيد المسيح والتي تقرها الكنيسة وتقر تفسيرتها كما أوردنا فلماذا إذن عندما يتحدث المسيح عن الزني والطلاق يتم تفسير أقوالة لفظياً وحرفيا علي الرغم من أنه لم يكن يقصد ذلك وسنبين لاحقاً ماذا قصد خاصة أن كلمات الطلاق والزني في الإنجيل في كثير من المواضع تأتي علي سبيل الدلالة وليس علي سبيل المعني.


إن الطلاق في الإنجيل يأتي في أكثر من موضع بمعني الانفصال عن الله فعلي سبيل المثال ورد في سفر أشعياء "أَينَ كِتَابُ طَلاَقِ أُمِّكُمُ الَّتِي طَلَّقْتُهَا، أَوْ مَنْ هُوَ مِنْ غُرَمَائِي الَّذِي بِعْتُهُ إِياكُمْ؟ هُوَذَا مِنْ أَجْلِ آثَامِكُمْ قَدْ بُعْتُمْ، وَمِنْ أَجْلِ ذُنُوبِكُمْ طُلِّقَتْ أُمُّكُمْ."(أش 50 :1) فلو فهمنا هنا الطلاق علي أنه انفصال رجل عن أمرأة لكان الله ـ حاشا ـ مزواجاً ويطلق ويعطي كتاب طلاق بل يظهر هنا كزوج مخدوع ولكن المقصود غير ذلك حيث يفسر القمص تادرس يعقوب ملطي هذا النص قائلاُ "ان الله يسأل الأمة اليهودية التي جحدته ورفضت الإيمان به عن كتاب طلاقها مؤكدًا لها أنه لم يرد أن يطَلقها ولا أن يطردها إنما هي طلقت نفسها بنفسها) ونفس المعني ورد في سفر أرميا"فَرَأَيتُ أَنَّهُ لأَجْلِ كُلِّ الأَسْبَابِ إِذْ زَنَتِ الْعَاصِيةُ إِسْرَائِيلُ فَطَلَّقْتُهَا وَأَعْطَيتُهَـــا كِتَـــابَ طَلاَقِهَا" (أر 3: 8)


إن الزني في مواضع كثيرة جدا في الإنجيل يدلل به عن اتخاذ امة أو جماعة أو فرد إلهاً غير الله ولا يعني ممارسة الجنس غير الشرعي فالزني إذن هو شرك بالله كما جاء بارميا "اقُكِ وَصَهِيلُكِ وَرَذَالَةُ زِنَاكِ عَلَي الآكَامِ فِي الْحَقْلِ. قَدْ رَأَيتُ مَكْرَهَاتِكِ. وَيلٌ لَكِ يا أُورُشَلِيمُ!"( 13: 27) وحزقيال "وَزَنَيتِ مَعَ جِيرَانِكِ بَنِي مِصْرَ الْغِلاَظِ اللَّحْمِ، وَزِدْتِ فِي زِنَاكِ لإِغَاظَتِي."( 16: 26)،" مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ قَدْ أُنْفِقَ نُحَاسُكِ وَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُكِ بِزِنَاكِ بِمُحِبِّيكِ وَبِكُلِّ أَصْنَامِ رَجَاسَاتِكِ" وأكثر من 160 آية في الإنجيل تؤكد هذا المعني خاصة في حديث الله عن بابل وأورشليم لا يتسع المجال هنا لذكرها.


تصاريح الزواج


دأبت الكنيسة علي إعطاء تصريح بالزواج الثاني للطرف غير المخطئ أما الطرف المخطئ فلا زواج له حتي الموت والحجة أنه سواء كان رجلا او أمرأة وقعوا في الزني فهم ليسوا امناء بعد علي بيت مسيحي واطفال مسيحيين وهكذا تغلق الكنيسة باب التوبة والرحمة أمام هؤلاء ناسية أو متناسية أن من مارس الفعل مرة يمكنه أن يمارسه إلي الأبد وبذلك دفعت الكنيسة بفئة من ابنائه وجعلتهم منحرفين رغم انفهم الي المجتمع علي الرغم من ان السيد المسيح لم يعاقب الزانية التي أمسكت في ذات الفعل والتي كانت يجب ان ترجم وفق الشريعة اليهودية ولكن علي عكس ذلك غفر لها المسيح خطاياها وأطلقها موصياُ إياها إلا تفعل ذلك ثانية ولم يفرض عليها عقابا أبديا.


يتضح أن الطلاق قد لا يكون المقصود به الطلاق المادي والزني ليس المقصود من الجنس الحرام كما أنه لا يوجد اتحاد لأجساد في جسد واحد كما أن الزني لا يستوجب عقاباُ ابديا فعلي ماذا تستند الكنيسة ؟


ونأتي هنا إلي بيت القصيد الذي تدعي الكنيسة أنه مرجعيتها بأنه لا طلاق إلا لعلة الزني عندما سالته طائفة من اليهود "هَلْ يحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يطَلِّقَ امْرَأَتَهُ؟" فجاوبهم قائلاً "بِمَاذَا أَوْصَاكُمْ مُوسَي؟" فقالوا له : مُوسَي أَذِنَ أَنْ يكْتَبَ كِتَابُ طَلاَق، فَتُطَلَّقُ" فقال لهم المسيح : "مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ كَتَبَ لَكُمْ هذِهِ الْوَصِيةَ" وقسوة القلوب هنا المقصود بها ضعف الإيمان وهنا تري الكنيسة ان المسيح قد نقض شريعة موسي في الطلاق اما المسيحيون فلم يعد بعد إيمانهم ضعيفاً ولا قلوبهم قاسية ومن ثم يستوجب منع الطلاق، وعجيب الأمر ان المسيح نفسه بعد قيامته من الاموات ـ حسب الشريعة المسيحية ـ قد نعت تلاميذة بضعف ايمانهم وقسوة قلوبهم "أَخِيرًا ظَهَرَ لِلأَحَدَ عَشَرَ وَهُمْ مُتَّكِئُونَ، وَوَبَّخَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَقَسَاوَةَ قُلُوبِهِمْ، لأَنَّهُمْ لَمْ يصَدِّقُوا الَّذِينَ نَظَرُوهُ قَدْ قَامَ" (مرقس 16: 14) إذن فعلي الرغم من مجئ المسيح إلا أن مبرر (قساوة القلوب ) وضعف الإيمان مازال قائماً كمصوغ للطلاق وهنا لم يفهم تلاميذ المسيح الامر فستفسروا منه بعد ذلك فقال لهم "»مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَي يزْنِي عَلَيهَا. وَإِنْ طَلَّقَتِ امْرَأَةٌ زَوْجَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِآخَرَ تَزْنِي«.وهنا لا يمكن لنا بأي حال من الأحوال أن نفهم قول المسيح علي أنه جاء لتنظيم الطلاق وذلك لأن شريعة موسي كانت تعطي حق التطليق للرجل فقط ولم يذكر لنا الكتاب المقدس في العهد القديم ما يشير الي جواز تطليق المرأة لرجلها فهل يبتدع المسيح هنا شريعة ليست موجودة بالأساس وينقضها؟ إن ما قصده السيد المسيح هنا بالطلاق تغيير الرجل او المرأة لعقيدته وما يوقعهم في الزني (الشرك) كما شرحنا سابقاً فشريعة موسي في الطلاق لم ينقضها المسيح بل لم ينقض أيا مما جاء به موسي »لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِياءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ".


الأكيد أن رياح الاصلاح قد بدأت تهب علي الكنيسة وهو ما يصر عليه قداسة البابا تواضروس الثاني منذ ان اعتلي الكرسي المرقسي وعلي الرغم من أن المعوقات لهذا الاصلاح كثيرة الا ان قداسته يبدو انه قد بات مصراً علي ذلك ولن يحيد عنه قيد أنملة ومن غير المتخيل ان الانبا بولا قد تاب واناب وقرر التنحي عن منصبه طواعية ولكن يبدو ان هناك ضغوطاً كثيرة قد مارسها قداسة البابا علي بولا ليقدم علي تلك الخطوة دون ان يستخدم قداسة البابا سلطانه الكنسي في إقصاء الرجل وعلي ما يبدو ان هناك نهجاً جديدا في تناول قضايا الاحوال الشخصية قد يحمل انفراجة لألاف المسيحيين الذين توقفت حياتهم وينتظرون أن تعود الأمور إلي نصابها الصحيح وفقاً لروح الانجيل والتسليم الرسولي وقوانين الآباء