فى عام 1968 كان العندليب عمره 39 عاماً .. «صورة» تشعل ثورة في لبنان.. و6 حفلات في تونس من أجل المجهود الحربى

04/04/2016 - 9:04:24

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب: محمد علوش

نحتفل هذا العام بالذكرى التاسعة والثلاثين لرحيل العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، واخترنا في هذا التقرير الاحتفاء بذكراه العطرة بطريقة مختلفة، حيث يتم رصد أعماله عندما كان عمره 39 عاماً والموافق عام 1968 بعد هزيمة 1967 بعام الذي كان مليئاً بالحركة الدءوب للعندليب رغم ازدياد إحساسه بالمرض الذي كان ينخر في جسده، وذلك حباً للوطن.


بدأ هذا العام بداية مثيرة بالنسبة لـ«حليم» حيث كان من الواجب عليه أن يزيح التهم المنسوبة إلى صديقه الفنان عمر الشريف بعد وقوفه أمام ممثلة إسرائيلية في وقت كانت شعارات القومية العربية هي المسيطرة على مشاعر شعوب الوطن العربي من المحيط إلى الخليج بعد نكسة 67، حيث اتهم بتخليه عن الجنسية العربية مقابل حصوله على جواز السفر الفرنسي حتى يسهل عليه التحرك في أوروبا والعالم من أجل تصوير مشاهد أفلامه العالمية، وحمل «حليم» كل ما وجه إلى «الشريف» وذهب إليه في فيينا وأجرى معه حوارًا تليفزيونياً من خلال برنامج «عزيزي المشاهد» تمت إذاعته في يناير عام 1968، وفند الشريف وقتها كل الاتهامات التي وجهت له.


وبعد أيام من إذاعة حوار «حليم» مع «الشريف» تم الإعلان في 23 من يناير عن أغنية جديدة هي «قدك المياس.. يا عمري» وتم وصفها حينها بالأغنية التي تنتمي إلى التراث الشعبي، كما طرح وقتها سؤال عن عدم بث الإذاعة المصرية لأغنية «المسيح» والتي غناها العندليب في عام النكسة على مسرح ألبرت هول في لندن، رغم بثها عبر إذاعة لندن.


وفي فبراير من نفس العام كتب عبد الحليم مقالاً نشرته «الكواكب» في محاولة منه لنفي الشائعات التي تشير إلى الخلافات المحتدمة بينه وبين الموسيقار محمد الموجي وقال فيه: «محمد الموجي أستاذ كبير ورجل صاحب أفضال وبالتالي لا يمكنني تجاهله أو محاولة البعد عنه، وهو دائما ينظر لي على أنني واحد من أبنائه. يخاف عليه من السهر.. ويعاتبه إذا قدم عملاً ليس فيه كل الإجادة.. وهذا شعور عظيم من محمد الموجي والذي لا يمانع بالطبع من تعاملي مع ملحنين آخرين.. وبالرغم مما حدث فأنا أعلنها بالصوت المليان بأن الذي بيني وبين الموجي عشرة قديمة وزمالة لها ذكرياتها.. والحب.. كل الحب.. وأبدا ولن يكون هناك بيني وبينه أي زعل أو خصام.. ويا أيها العوازل فلفلوا!».


وقام «حليم» بجولة في الخليج للاتفاق على احياء ثلاث حفلات في نهاية شهر مارس وتشترك معه نجاة الصغيرة، وذلك في إطار جولاته المتعددة من أجل المجهود الحربي.


وفي ذات الشهر كشف حليم للشاعر مجدي نجيب عن إحساسه عندما غنى «المسيح» وقال: «ماذا يا ألم وماذا أيتها الجراح؟!.. وأنا أغني (المسيح) أشعر بأنني أيضا مسيح أمشي في طريق الآلام.. أنني أغنيها على لسان شخص من القدس.. كل شخص في القدس مثل المسيح الذي حمل آلامه مطعونا بالفتنة.. النهاردة بعد 1968 سنة بيعود المسيح في صورة ابن القدس الجديد يمشي في نفس طريق الآلام الذي يذبح فيه كل يوم مسيح وتزداد فيه الآلام».


وفي أبريل من عام 68 أثيرت مرة أخرى مسألة الخلافات بين «حليم» و«الموجي» حيث كتب الصحفى حسين عثمان: «عبد الحليم في عام 1968 لم يعد عبد الحليم 1950 ذلك الفتى الذي كان يحمل قلبا نقيًا والتف الجميع حوله»، مؤكدًا على أن هناك خلافاً بين حليم والموجي، حيث جرى بينهما اتصال يعاتب فيه العندليب الموسيقار الكبير بعد أن أعطى لحن أغنية «دوبني دوب» للمطربة نجاة الصغيرة وهو اللحن الذي أعطاه لحليم قبل ذلك التاريخ بعامين واحتدم النقاش بينهما. وطلب عثمان من عبد الحليم أن يذهب إلى الموجي ومصافحته مثلما كان يفعل في كل مرة.


وفي نهاية أبريل وتحديدًا في 30 منه تم الإعلان عن انتهاء حليم من أغنيتي «من قلب المواكب» و«يا بلدنا» كلمات عبد الرحمن الأبنودي ألحان إبراهيم رجب الداعمتين لبيان 30 مارس الذي أصدره الرئيس عبد الناصر وقتها، وتمت إذاعتهما في 2 مايو.


وكشفت «الكواكب» في مايو من العام 1968 عن أن عبد الحليم حافظ والموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب المالكين لشركة «صوت الفن» قررا مقاضاة شركة «صوت القاهرة» المالكة لحقوق المطرب محمد رشدي بسبب أغنية «كعب الغزال» والتي وقع رشدي على تنازل عنها من حق «صوت الفن» للتصرف فيها بعد استئذان شركته، وعند محاولتهما طبع الأغنية على أسطوانات رفضت شركة «صوت القاهرة» وأعلنت أن صوت رشدي حكر عليها فقط، ليعلن المحامي لبيب معوض مقاضاة الشركة الأخيرة. ويذكر أن أغنية «كعب الغزال» كتب كلماتها حسين السيد وألحان منير مراد.


وفي يونيه من نفس العام أعلن أن حليم من المقرر أن يبدأ تصوير فيلمه الجديد «أبي فوق الشجرة» والذي يعود به إلى السينما بعد غياب، ولكنه ينتظر عودة المخرج حسين كمال من تشيكوسلوفاكيا حيث سافر لحضور مهرجان «كارلو فيفاري».


وفي 21 من يوليو من العام (39) في حياة العندليب سافر إلى تونس التي قضى بها 16 يومًا من أجل إحياء 6 حفلات اصطحب فيها شريفة فاضل وناهد صبري والفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن وانتقل بعدها إلى بيروت لتقديم حفلين بنفس فريق العمل.


وفي حفل تونس غنى عبد الحليم (حبيبها) ألحان محمد الموجي، كما غنى أغنية جديدة لم يغنها من قبل في مصر كلمات الشاعر صالح جودت وتلحين الموسيقار محمد عبد الوهاب (الويل الويل ياما) وهي أول أغنية بالعامية المصرية يكتبها صالح جودت الذي لم يكتب إلا القصائد.. كما غنى حليم (كامل الأوصاف) و (على حسب وداد قلبي) و(جانا الهوى).


ومن كواليس رحلة «حليم» في طبرقة التونسية والذي غنى فيها أمام 16 ألف تونسي، وحصل وقتها على غزال خشبي رفض بائعه تقاضي أي مقابل هدية منه إلى أسمر النيل.


ويروي أحمد الحاروني ذكرياته مع عبد الحليم في حفل لبنان أغسطس 1968: (قبيل صيف 1968 وكانت المنطقة العربية مازالت تئن من توابع نكسة يونيه 1967 عرضت على عبد الحليم حافظ تنظيم حفلتين في لبنان في أغسطس 1968 وبسبب عدم استقرار الأوضاع السياسية كان ممنوعًا منعًا باتًا تقديم أي أغان وطنية في الحفلات العامة وهذا ما نص عليه تصريح الأمن العام اللبناني الذي حصلت عليه لإقامة الحفلات بما يتضمنه من إقرار من التزام التعليمات وإلا سأقع تحت طائلة القانون، وفي القاهرة شرحت لعبد الحليم ما حدث وخاصة ما يتصل بفقرة منع تقديم الأغاني الوطنية خاصة أن عبد الحليم اشتهر بهذه الأغاني التي حققت انتشارًا واسعًا في العالم العربي وأحبتها الجماهير وتعاطفت معها وتهوي سماعها دائما.. وقلت له من باب الاحتياط أرجو أن تعمل بروفة لأغنية «أحلف بسماها» لأن أغنية «صورة» بالذات ممنوعة وأثناء الحفل وفي وجود ما يزيد على عشرة آلاف متفرج غنى عبد الحليم مجموعة أغنيات منها «التوبة، حبيبها، على حسب وداد قلبي»، وهنا بدأت الجماهير تهتف «صورة.. صورة» ومع استمرار الحفل راح يتكرر الهتاف «صورة.. صورة» وكان عبد الحليم يختتم الحفل ويغادر المسرح ولكن الجماهير عادت تهتف بـ «صورة» أشد وأعنف وبدا من المنظر العام أنه من الوارد جدًا حدوث مشكلة كبرى لا يعلم مداها إلا الله.. وهنا صعدت إلى المسرح وفوجئت أن عبد الحليم يتصبب عرقًا رغم أن المسرح مكشوف والجو فوق جبل لبنان في تلك الليلة كان باردًا وبسرعة قلت له غن «أحلف بسماها» وبدأت الفرقة الموسيقية العزف ولأول وهلة بدا وكأن الجماهير قد هدأت وانتهت أغنية «أحلف بسماها» وكانت المفاجأة من العشرة آلاف الموجودين أنهم ظلوا يرددون «صورة.. صورة» وكأن أغنية «أحلف بسماها» قد أشعلت حماسهم وألهبت مشاعرهم بشكل أكبر وحاول عبد الحليم إنهاء وصلته ولكن حدة الهتاف زادت مما اضطره للعودة إلى المسرح بينما رجال الأمن ينظرون إليه بترقب ويعلقون آذانهم على الفرقة الموسيقية استعدادًا للتدخل وفقا للتعليمات، وكادت تحدث ثورة إذا لم يغن عبد الحليم أغنية «صورة» وصعدت إلى المسرح مرة ثانية وقلت له مافيش فايدة.. غنِّ «صورة» فأشار إلى رجال الأمن وقال: وماذا ستفعل مع هؤلاء؟ قلت السجن أفضل من الكارثة! وغنى عبد الحليم أغنية «صورة» كما لم يغنها من قبل وكان انفعال الجماهير يدل على أنها لم تأت إلا من أجل سماع هذه الأغنية!.


وفي أغسطس أيضا واصل «حليم» رحلاته إلى الدول العربية، حيث سافر إلى دبي لتقديم سلسلة حفلات وبنفس الفنانين الذين شاركوه حفلات تونس وبيروت.


وقدم أيضًا حفلاً على مسرح قصر النيل قبل أن يسافر إلى دبي، واستأنف بعد ذلك تصوير فيلمه «أبي فوق الشجرة»، كما أعلن في الشهر ذاته تلقيه عرضًا للتمثيل في فيلم عالمي من إخراج الإنجليزي مستر جونيور، والذي كان من المقرر أن يجسد خلاله دور شاب إسباني يدعى «أميجو».


 


وكما بدأ عبد الحليم عامه في 1968 بالرد على اتهامات وجهت لصديقه عمر الشريف، أنهى العام وتحديدًا في نوفمبر بالدفاع عن اتهامات وجهت له شخصيًا هذه المرة، وكانت أولى هذه الاتهامات محاربته للمطرب اللبناني فهد بلان وأنه طالب الفنان الكبير محمد عبد المطلب بإقامة حفل ابنه في نفس يوم حفل بلان، نافيًا هذا الاتهام جملة وتفصيلاً، موضحًا أنه ليس ولي أمر «عبد المطلب» ليطلب منه هذا الأمر، كما أكد أنه حارب كثيرًا من أجل قدوم «فهد» إلى مصر، بل وطالب بمشاركته في حفل أضواء المدينة بدمشق، مشيرًا أن اللون الغنائي الذي يقدمه الفنان اللبناني مختلفاً عما يقدمه ولم يأخذ رزقه.


وعن الاتهام الذي وجه إليه وأنه هو من طالب بترشيح ميرفت أمين بدلاً من زيزي مصطفى في فيلم «أبي فوق الشجرة» قال: «ترشيح الفنانين المشاركين في العمل ليس من اختصاصي»، مشيرًا إلى أن مخرج العمل حسين كمال طالب زيزي بتخفيض وزنها قليلاً وبعد ذلك سافرت إلى دمشق من أجل حضور عرض أحد أفلامها وأنهم أرسلوا إليها أكثر من مرة ولم ترد عليهم، في وقت كان يتطلب البدء في تصوير الفيلم.


كما دافع عن اتهامه بإهمال الأفلام التي تكون من إنتاج غيره، والدليل على ذلك تصويره فيلم «معبودة الجماهير» في أربع سنوات في حين انتهى من تصوير فيلم «أبي فوق الشجرة» خلال ثلاثة أشهر فقط، وقال إن ظروف فيلم «معبودة الجماهير» هي التي أجبرته على ذلك حيث خضع لعدد كبير من رحلات العلاج وقتها وأن مدة التصوير الفعلية للفيلم لم تتعد ثلاثة أشهر فقط، مؤكدًا أن كل المنتجين يعلمون انضباطه في كل الأفلام التي شارك بها.


يذكر أن «حليم» غنى أيضًا في العام 1968 «البندقية اتكلمت» كلمات عبد الرحمن الأبنودي وألحان كمال الطويل.