عصر التنوير .. وعصر الهرولة إلى الخلف

04/04/2016 - 8:51:16

عاطف بشاي عاطف بشاي

بقلم - عاطف بشاي

في مثل هذه الأيام من عام (1928) انتهزت "هدى شعراوي" فرصة مرور عشرين عاماً على رحيل المصلح الاجتماعي "قاسم أمين" لتقيم احتفالاً تكريماً له وإحياء لذكراه في دار مسرح حديقة الأزبكية .. ويضم الاحتفال عدداً من الشخصيات العامة والقيادات النسائية .. وقد كتبت جريدة "السياسة" عن هذا الاحتفال بإفاضة وكان من بين ما قالته عن هذه المناسبة : إن الوفاء وعرفان الجميل من أخلاق المرأة ، فالاتحاد النسائي بدعوته إلى الاحتفال بذكرى "قاسم أمين" قد زاد المرأة رفعة .. وأرضى روح ذلك المصلح العظيم .. وبرهن على أن المرأة خليقة بالمقام الرفيع الذي تسعى إلى تبوئه بمساعدة أفاضل المصلحين من الرجال (وليس نفوراً من جنسهم وخوفاً من ذئابهم المتأهبين للانقضاض عليهن في التو واللحظة لافتراس عفافهن) .


وقد ألقت "هدى شعراوي" بهذه المناسبة كلمة أكدت فيها أن الاحتفال ليس دافعه فقط الاعتراف بفضله وجهاده في نصرة المرأة .. بل لتحيته على حبه للخير .. ومعونته الصادقة في تكوين الجمعية الخيرية الإسلامية .. وابتكار فكر الجامعة المصرية .. وشجاعته الأدبية النادرة في تأليف كتابيه : "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة" في وقت كان النطق باسم المرأة يعد سباً وخزياً .. وذكرت "هدى شعراوي" الحضور بآخر كلمة نطق بها "قاسم أمين" في حفلة نادي المدارس العليا .. وهو يحىي الطلبة الرومانيين ليلة وفاته إذ قال " كم أكون سعيداً في اليوم الذي أرى فيه سيداتنا يزيّن مجالسنا كما تزين باقات الزهور قاعات الجلوس .


فإذا ما عاد بنا الزمان إلى ما قبل ذلك بكثير حيث عصر يزينه الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي" "1801 _ 1873" الذي أورد في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" .. الفصل بين تغطية وجه المرأة .. وكشفه وبين السلوك السليم، مؤكداً أن عفة المرأة مسألة داخلية وان قيمتها بما في عقلها لا بما يغطي وجهها وأن تميزها مردود إلى تكوينها النفسي والفكري لا إلى الملابس التي تحجبها أو تخفيها أو تنتقب بها ، فالعبرة بما في داخل العقل وليس بما خارج الوجه .. ولم يكتف "رفاعة" بمثل هذه الأفكار أو يجعلها مرتبطة بمرحلة فتية من العمر .. وإنما جعلها من مبادئه الثابتة .. لذلك كان كتابه "المرشد الأمين لتعليم البنات والبنين" درساً آخر على مواصلته الإيمان بأفكار "تحرير المرأة" والعمل على مساوتها مع الرجل وذلك من منطلق الاحترام لها والتقدير لأدوارها الخاصة والعامة في الأسرة والمجتمع .


يقول د"جابر عصفور" في كتابه المهم "دفاعاً عن المرأة" في معرض حديثه عن "الطهطاوي" ومدى استنارته: لم أستغرب عندما وقعت عيناي على الوثيقة التي كتبها "رفاعة" بخط يده لابنة خاله كريمة الشيخ "محمد الفرغلي" حين تزوجها .. حيث يتعهد لها بما لا يمكن تخيله من شيخ في عصره بل في عصرنا هذا إن شئنا التعميم .. وتنص الوثيقة على تعهد "رفاعة" لزوجة بألا يتزوج عليها ولا يقضي عليها ما أحله له الله من الجواري في علاقات عصره ويظل وفياً لها محافظاً عليها لا يتمتع بغيرها .. ولا ينظر إلى سواها مبقياً على احترامه لها ومقراً بحقها في الطلاق منه إذا أخل بالشروط التي وضعها على نفسه عند زواجه منها .. ويرجع تاريخ الوثيقة إلى الرابع عشر من شوال سنة 1255 للهجرة .. أي قبل سفر رفاعة إلى باريس سنة "1826" ونص الوثيقة الخطية ما يلي: التزم كاتب الأحرف "رفاعة بدوي رافع" لبنت خاله المصونة الحاجة "كريمة" بنت العلامة الشيخ "محمد الفرغلي الأنصاري" أنه يبقى معها وحدها على الزوجية دون غيرها من زوجة أخرى أو جارية أياً كانت .. وعلق عصمتها على أخذ غيرها من نساء أو تمتع بجارية أخرى ، فإذا تزوج بزوجة أخرى أياً ما كانت بنت خاله بمجرد العقد طالقة بالثلاثة .. وكذلك إذا تمتع بجارية ملك يمين ولكن وعدها وعداً صحيحاً لا ينتقص ولا ينحل مادامت معه على المحبة المعهودة مقيمة على الأمانة والحفظ لبيتها ولأولادها ولا يخرجها عن عصمته حتى يقضي الله لأحدهما بالقضاء وإن فعل المذكور خلافه كان الله تعالى هو الوكيل العادل لزوجه المذكور يقتص لها منه في الدنيا والآخرة .. هذا من حط عليه الاتفاق .. وكذلك إن أتعبته فهي الجانية على نفسها : رفاعة بدوي رافع 14شوال سنة 1855


وما أن انتهى نص الوثيقة التي قرأها في الكلمة التي افتتح بها مؤتمر رفاعة الطهطاوي حتى سأل الحضور : ترى كم رجلاً في هذه القاعة على استعداد لتوقيع وثيقة مشابهة.. وكم شيخاً من هؤلاء المشايخ الذين لا يكفون عن تكفير غيرهم قادر على أن يكتب لزوجه مثل هذا التعهد ؟


إن هذه الوثيقة تظل شاهداً على عقلية زوج مستنير لم ينغلق عقله على تحيزاته الذكورية ولم ينظر إلى المرأة بوصفها مخلوقاً أدنى او تابعاً مذعناً لا عمل له سوى الطاعة أو الاستجابة إلى أوامر أو نزوات الذكر الأعلى نظر إليها بوصفها شريكة في رحلة العمر ومثله في تحمل المسئولية والنصف الآخر الذي يكتمل به معنى الحياة واستمرارها في ظل الحب الذي يعني التعامل في مواجهة الصعاب والتكافؤ في تحمل المسئولية ..


ثم يدور الزمان دورته ونأتي إلى عصرنا السعيد هذا فيخرج علينا الظلاميون أعداء الحياة وتجتاح بلادنا التيارات الوهابية ويسيطر الأصوليون وتنمو جحافل الإخوان والسلفيين أعداء المرأة والحياة والحضارة .. وفي ظل دولة الإخوان يعم التخلف ونصبح على أعتاب دولة دينية يحكمها المكفرون وفقهاء المنع والتحريم والمصادرة وتنتشر دعاوي الحسبة .. ثم تقوم ثورتان ويدعو الرئيس السيسي إلى دولة مدنية عصرية جديدة يتم فيها تصحيح الخطاب الديني .. لكن فلول الظلاميين والمهرولين إلى الخلف مازالوا رابضين في كهوفهم يخاصمون المجتمع ويكرهون الحياة .. ويصمون الكيان الأنثوي كله بأنه عورة .. ومنهم _ ويا للغرابة _ نسوة يؤمن بذلك فتتحول باقات الزهور التي تحدث عنها قاسم أمين إلى أشباح مستريبة تختصر وجودها في خيمة سوداء وثقبين تتلصص بهما على عالمنا .