أساتذتى في مدرسة الحياة

04/04/2016 - 8:39:33

عبدالحليم حافظ عبدالحليم حافظ

بقلم : عبدالحليم حافظ

علم الأيام ودروس الليالي علوم ودروس لا تعترف بها الجامعات، ولاتدرس في كتب! وإذا كنت أعترف أنني لم أتخرج في جامعة.. فإنني أؤكد! أن جامعة الحياة أعمق في دروسها وأبلغ أثرا.. وهاهم أساتذتي في مدرسة الحياة!


الفقر!


عرفته في ريق العمر وتعلمت منه القناعة، كان أبي ميتا وأمي سبقته إلي دنيا الخلود. وكان الرزق شحيحا والسماء ضنينة وخال لنا يمولنا! الفقر علمني قيمة القرش وقت أن كنت تلميذا وكانت تمر بي أيام لا أجد فيها القرش فأمشي المسافات الطويلة دون تعب. ويبلي الحذاء فتتعقد الأمور أكثر.. غير أننا كنا دائماً ننشد الستر. لا يعنينا ما نأكل طالما يرانا الناس مستورين والفقر علمني الإيمان بأن الله لا ينسي المخلوق. وما من دابة في الأرض إلا علي الله رزقها. والله يرزق طيور السماء فكيف بالإنسان!


الفقر درس بليغ من دروس الحياة إذا صبرت عليه. إذا أردت أن تقهره بأسلحة نظيفة. بعرقك ودموعك. ولكنه - أي الفقر - أس الرذائل إذا أردت أن تقهره بأسلحة ليست من صنع الضمير.


الغني!


وجاء الغني. وعرفت انه ليس أكبر ولا قمة الأمل. فقد بلغته من المرض. كان كفاحي مضنيا لم تحتمله صحتي. فلم أحس الغني وأيام الغني عرفت لونا من الناس تجذبه الثروة في أي وعاء تكون. وأحسست أناسا يستغلونني، وما أنا بالبخيل، وما أنا بالذي أحب أن أسعد في مالي وحدي. ثم كشفت لي الأيام عن خسة في البعض لم تفقدني الثقة في الباقين. فإن لي أصدقاء حميمين هم العزاء عن المستغلين الطامعين.


إن الغني علمني أن المال ليست له قيمة. السعادة الحقيقية هي الصحة. فإن المال لا وزن له إذا كنت تشكو علة.


علمني الغني أن المال يجيء لننفقه في سبيل السعادة. علي أن السعادة ليست المقامرة ولا النزوات.. السعادة هي في مواجهة حاجات الآخرين، في إحساسك بأنك تؤدي للناس نفعا.. وما استحق أن يولد من عاش لنفسه فقط!


المرض!


علمني المرض حكمة كنت أسمعها وأرددها كالببغاء ولا أفهم معناها: >الصحة تاج فوق رءوس الأصحاء لا يراه إلا المرضي


وعلمني المرض درس الطاعة. فإنني أخللت بشروط الأطباء بضع مرات فدفعت الثمن أياما أخري قضيتها في فراش المرض، ما أحلي درس الطاعة، ما أنفعه.


علمني المرض الصبر. فالليالي الطوال في الفراش البارد تحطم الأعصاب ومرغما صبرت عليها!


وعلمني المرض أن أقرأ كثيرا.. ومن قراءاتي الكثيرة ازداد وزني.. في الفكر والعمق والتأمل.


اليتم!


علمني اليتم قيمة الحنان. ويحولني الحنان - علي خطوي إلي الثلاثين - يحولني إلي طفل صغير. الكلمة الحنون تأسرني. العطف الحنون يطويني.


ثم علمني اليتم درس الاعتماد علي النفس. صحيح أن من الأهل من عالنا وأقام أودنا إلا أننا كنا ننظر إلي المستقبل نظرة توجس. ولهذا كنا نريد أن نكون أبطال بيوتنا اعتمدت علي نفسي وتعلمت من اليتم أن أقف علي قدمي سريعا وأكافح بلا ضجر، وأصنع غدي بيدي. لعل السبب الأول في أكثر قصص الفشل أحاسيس عند الشباب انهم إذا فشلوا سيجدون رصيدا من الحنان عند الأم، ورصيدا من المال عند الأب.. أنا لم أكن هذا ولا ذاك ولهذا انطلقت علي طريق لا يعرف الكسل، ولا الملل.


الشهرة!


حبي في الشهرة، مع حرصي علي كرامتي، علمني أن أشد حيلي وحدي وأمضي علي الطريق لا أقف.. ولما حصلت علي الشهرة تعلمت أن لها ثمنا يجب أن يدفع. المظهر.. السيارة، الملبس، والوسط. وكل هذه أعباء لا فرار منها. غير أن الثمن أفدح الثمن هو بعدي عن الناس، عن الحياة البسيطة، غير أنني أدفع الثمن راضيا.. هل أغالط وأقول إنني أتمني ألا أكون مشهورا لكي أتمتع بهذه الحريات!


ولعل أصعب ما في الشهرة. هو محافظتك علي مكانتك عند القمة. فإنني رأيت كثيرين يتهاوون من فوقها لأنهم حين بلغوها لم يكترثوا لأكثر من البلوغ، لم يستطيعوا عملية الاستمرار. وأدركت لماذا تهاووا كأوراق الخريف والغرور أول مزالق القصة وقانا الله شره وعدواه.


الحب!


وعلمني الحب كيف أحس: فإن دروس الحب لا تقل في نفعها عن دروس الموسيقي. وإذا كنت لم أجرب حبا أعتبره حب العمر، فإن زورق الحياة يمضي بنا ولا يخلو أمره من نسمة رقيقة تمنحه إلي الأمام دفعة!


هذه النسمات مرت بحياتي وعلمتني أن الحب الحقيقي هو الحب الذي لا مصلحه فيه. لا تجارة .. لا مساومة. وهو الحب الذي يخلو من تهمة التدبير السابق، فأنت لا تقول لنفسك سأحب هذه الفتاة وأكره تلك.


ولكن الحب أحلي ما في الحياة، وأحلي ما فيه العذاب!


أدعو لكم بالحب موش بالعذاب.. أدعو لكم بالحياة!