الكوميديا السوداء في حياة مصطفي حسين وأحمد رجب

01/09/2014 - 10:12:30

مصطفي حسين مصطفي حسين

كتب - خالد فؤاد

في يوم الاربعاء الاول من شهر يناير عام 1974 تم عقد الاجتماع الاسبوعي لكتاب ورسامي مدرسة اخبار اليوم ، بحضور كل من جليل البنداري ومأمون الشناوي وآخرين غيرهما وعدد من الرسامين الكبار أمثال رخا وصاروخان لمناقشة ما سيتم تقديمه من أفكار ورسوم ساخرة.


وكان هذا الاجتماع ذا مذاق مختلف حيث شارك فيه بعد غياب الشقيقين مصطفي أمين بعد الإفراج عنه في السجن وعلي أمين بعد العودة من منفاه الاختياري بجريدة الاهرام .


وكانا ـ مصطفي وعلي امين ـ يفكران في مستقبل جريدتيهما (الاخبار) وكيفية تقديم افكار متطورة ومختلفة ، واقترحا في احد الاجتماعات فكرة عمل مشترك بين كاتب ساخر ورسام كاريكاتير ، وبعد مناقشات قصيرة اتفق المجتمعون علي المزج بين أفكار الساخر أحمد رجب ورسومات المبدع مصطفي حسين .


ثنائي رائع


ومنذ ذلك التاريخ بدأت رحلة الاثنين رجب وحسين حيث امتزجت الافكار الساخرة مع خطوط الرسومات الكاريكاتيرية غير المكتملة، ذات الألوان البسيطة المتنوعة، والتي شكلت شخصيات غريبة الشكل حاملة للملامح المصرية ، فقد كونا معاً ثنائياً رائعاً وناجحاً وعملا معاً لأعوام طويلة تجاوزت حاجز الثلاثين عاما كان أحمد رجب خلالها صاحب الأفكار مصطفي حسين صاحب الريشة.


كمبورة وعبده مشتاق


قدم الثنائي طيلة هذه السنوات العديد من الشخصيات الكاريكاتيرية التي ظلت عالقة في اذهان المصريين، علي مدي ثلاثة عقود حتي أن البعض وصفها بأنها كانت المتنفس ضد الظلم والفساد الذي ساد لعقود طويلة، وبالفعل كانت هذه الشخصيات حديث الشارع المصري لسنوات طويلة.


وكان من أبرز الشخصيات التي اشتركا في ابداعها شخصية «كمبورة وكذلك» عبدة مشتاق ليفاجئنا الاثنان بعد هذا بابتداع شخصية "فلاح كفر الهنادوة" التي لاتزال عالقة في أذهان المصريين فقد احدثت جدلا كبيرا لاسيما وأنها كانت تنتقد كل شيء في مصر علي لسان فلاح بسيط ، يلتقي برؤساء وزراء مصر ابتداء بعاطف صدقي ومرورا بكمال الجنزوري وعاطف عبيد وانتهاء بأحمد نظيف ليعرض عليهم بل ويناقشهم في أدق القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية .


ولم تتوقف ابداعات الثنائي الكبير عند هذا الحد بل امتد لتقديم شخصيات اخري مثل ،« قاسم السماوي ،الكحيت، عزيز بك الأليت، عبد الروتين، مطرب الأخبار،علي الكومندا» وغيرها من الشخصيات الاخري التي حققت نجاحا كبيراً حيث كانت أول ما يتوجه إليه معظم قراء صحيفة الاخبار صباح كل يوم.


صداقة قوية


ونتجت عن هذا النجاح صداقة قوية أصبحت حديث الجميع ليس داخل مؤسسة اخبار اليوم فحسب بل في كافة المؤسسات الصحفية والاعلامية وايضا السياسية فأصبحت تربطهما علاقة من نوع خاص ليس في العمل بل في الحياة الاسرية والخاصة أيضا فكان كل منهما يشعر بآلام عنيفة إذا ما أصاب الآخر أي متاعب صحية أو غير صحية ونتج عن هذا شبه تطابق في الافكار والميول فامتلكا بهذه المساحة الصغيرة، سواء في الصفحة الاخيرة بصحيفة الاخبار أو الصفحة الأولي بأخبار اليوم قلوب وأذهان القراء فتمكنا من إخراج الضحكات من قلوب قرائهم بشخصيات ساخرة ابتكرها أحمد رجب من وحي خياله، ورسمها مصطفي حسين بريشته المميزة، ليخرجا لنا مجموعة الشخصيات المميزة التي ذكرناها، وبالفعل شكلا معًا ثنائيا عظيما لأفضل فريق عمل في الصحافة المصرية، بالاضافة لصداقة ذات حائل قوي ضد الخلافات، طوال رحلة عملهما الطويلة، فقد واجها معا طيلة سنوات صداقتهما الكثير من المشاكل والقضايا والتهديدات، ولم يستطع احد ارهابهما اودفعهما للتراجع اوالتفريق بينهما كما سعي الكثير، وبفضل النجاح الذي اشتركا في تحقيقه معا سواء لأنفسهما اوللمؤسسة التي ينتميان لها وأكد حسين أن كل رؤساء مجالس الادارة والتحرير الذين تناوبوا علي المؤسسة اتفقوا علي وصف واحد لعلاقتهما بأنها (أغلي ماتملك المؤسسة العريقة) وكان الاثنان يعتزان باللقب الذي تم اطلاقه عليهما بأنهما (دويتو الكوميديا في الصحافة المصرية والعربية) .


مسلسل ناس وناس


وبالطبع اتجهت عيون صناع الدراما التليفزيونية لهما فقررا الاستفادة من الشخصيات الكاريكاتورية التي قاما بابتكارها علي الورق لتحويلها لشخصيات من لحم ودم بعدما اصبحت هذه الشخصيات بالفعل مشهورة في الشارع المصري بل إن الكثير من الناس والمثقفين كانوا يطلقونها علي بعضهم البعض ومن ثم كان لابد من الاستفادة منها ومن نجاحها .


في عام 1989 عرض مسلسل «ناس وناس» الذي يعد اول عمل سيت كوم في تاريخ الدراما العربية دون ان يكون هذا الاسم متداولا وهو من تأليف احمد رجب وسيناريو وحوار عاطف بشاي إخراج رائد لبيب ومأخوذ من الكاريكاتير الشهير الذي ابدعه مصطفي حسين واحمد رجب عن الاثرياء والفقراء اللاهثين خلف السلطة والنفوذ الحكوميين وتم تقديمه تحت مسمي «الكوميديا السوداء» وبنفس الاسماء التي اشتهرت بصحيفة الاخبار فجسد احمد راتب شخصية «الكحيت» وحسن كامي «عزيز بيه الاليت» وحسن حسني «عبده مشتاق قوي» ومحمد هنيدي «هنداوي ـ فلاح كفر الهنادوة» وعائشة الكيلاني «زوجة الكحيت» وايناس مكي «نانا المذيعة الثرثارة» وهكذا بالنسبة لبقية الشخصيات الاخري . وحقق العمل نجاحا كبيرا وارتبط به الجمهور بشكل كبير مما دفعهم لتقديم جزء ثان منه بنفس الشكل .


أسرار الخلاف الشهير


قدما بعد هذا الجزء الثالث بعنوان «ناس كده وكده» امتدادا لنفس العمل بجزءيه الاول والثاني وبنفس الممثلين والشخصيات وإخراج رائد لبيب والاختلاف الوحيد كان المؤلف حيث كتب السيناريو والحوار لهذا الجزء المؤلف الكبير لينين الرملي وايضا حقق نجاحا كبيرا وتم الاعلان عن تقديم اجزاء اخري الا اننا فوجئنا بوقوع خلاف ولاول مرة بين المبدعين مصطفي حسين واحمد رجب فتوقف العمل وتردد الكثير من الاقاويل حول حقيقة هذه الخلافات واسبابها فقيل ضمن ماقيل إن مصطفي حسين تلقي عرضا من قناة فضائية شهيرة سعت لاستثمار النجاح وتقديمه حصريا علي شاشتها فعرضت علي مصطفي حسين الفكرة مع إعطائه هو واحمد رجب اضعاف مايحصلان عليه من التليفزيون المصري وتقديمه بصورة اقوي سواء اخراجيا اوعلي صعيد الديكورات والتصوير وكافة الاشياء الاخري وفوجئ مصطفي حسين باعتراض احمد رجب من منطلق ان العمل مصري ويسلط الضوء علي قضايا مصرية وليست عربية ومن ثم لايجب الاتجار بهمومنا خارج حدود القطر المصري، ولم يقتنع مصطفي حسين من منطلق ان العمل يتم عرضه بالفضائية المصرية ايضا ومن ثم يعرض ايضا علي كافة الجماهير بعد ان اصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة. واحتدم الخلاف بينهما وتشعب وتدخلت عوامل اخري أدت لتفاقم الأمر ولم تفلح كل محاولات الصلح التي قام بها من سعوا للجمع بينهما، لنخسر ولمدة تجاوزت العشرة اعوام اثنين ممن اسعدونا سنوات طويلة حيث راح كل منهما يقدم ابداعاته بشكل منفرد، وبالطبع لم يكن مصطفي حسين هو نفسه الذي كان مع احمد رجب أو العكس .


مرض مصطفي حسين


ولم تعد المياه لمجاريها بينهما إلا بعد مرور سنوات طويلة وتحديدا بعد تعرض مصطفي حسين إلي وعكة صحية عنيفة وقيامه بإجراء جراحة دقيقة لإزالة ورم سرطاني خبيث بالولايات المتحدة وخضوعه للعلاج الكيميائي ففوجئنا وقتها بأحمد رجب يصاب بحالة من الحزن والاكتئاب وبكي واطلق عبارته الشهيرة : لن اعود لمكتبي في اخبار اليوم الا بعد ان اطمئن علي مصطفي حسين . ووصفه وقتها بقوله : مصطفي حسين هو احسن رسام في العالم .


وبعد ان منّ الله علي مصطفي حسين بالشفاء وعودته لعمله و بسؤاله عن احمد قال عنه كلاما رائعا مثل : لقد فوجئت بعد مرضي بأن أحمد رجب أفضل مني بكثير فقد وقف بجانبي أثناء محنتي ولم يلتفت لأي خلاف، متذكرا السنوات الـ29 التي جمعتهما معاً واضاف قائلاً كان بيننا اندماج فكري كامل وقدمنا إنجازات تركت أثرها علي القارئ وأيضاً أحمد رجب كما قال مصطفي حسين عنه أنه يتميز عن أي كاتب ساخر آخر بأنه يعي جيدا أسرار فن الكاريكاتير أي أن تفكيره في العمل تفكير رسّام، فهناك أفكار ساخرة كثيرة لكنها لا يمكن أن ترسم. دائما ما أردد مازحا معه أنه لا ينقصه سوي أن يرسم لكني لن أتيحها له».


مطرب الاخبار


وراح يتحدث كثيرا عن سنوات الصداقة والحب والنضال وقال حسين ضمن ماقال : لعل الجميع يعرفون أنني والزميل الكاتب الكبير أحمد رجب نعقد اجتماعاً يوميا منذ يناير 1974 بعد أن اقترح علي ومصطفي أمين أن نشترك معاً في وضع فكرة الكاريكاتير وهذه حقيقة لا يجب أن نغفلها لأن أحمد رجب كاتب ساخر كبير، وأنا أستفيد من جلوسي اليومي معه لأننا نثري أفكار الكاريكاتير ونتناقش معا فيها وهو له الفضل في إثراء رسومي الكاريكاتيرية لا جدال في هذا، ويعتبر عبد الروتين أعرق شخصياتي وظهر عام 1974 نتيجة لتفشي الروتين بشكل قاس ووقوفه حجر عثرة أمام مصالح الناس، وشخصية كمبورة وجدت أثناء انتخابات المحليات لتؤكد أن بعض المرشحين هدفهم المال وتحقيق المكاسب الشخصية وليست الخدمة العامة وتطور كمبورة ودخل مجلس الشعب فهو شخصية انتهازية، تبيع أباها لأجل قرشين.


أما مطرب الأخبار فقد عاش أكثر مما توقعنا فظللنا أكثر من 12سنة ونحن نقدم هذه الشخصية وهي تدور حول موضوع واحد وهو ما يجعلها شاقة في تقديم الجديد كل يوم، ثم كانت شخصية عزيز بيه الاليت تلك الشخصية التي تعيش في برج عاجي وبعيدة عن مصالح الناس واعقبناها بشخصيات الكحيت وقاسم السماوي وبقية الشخصيات الاخري المستمدة من واقعنا .


نقد بدون تجريح


وواصل قائلا :


كان لدينا جرأة جعلتنا نتخطي بها أي عقبة لأننا كنا ننتقد أي مسئول أو أي حدث بذكاء وبدون تجريح، كان بعض الوزراء يشكوننا ويتم التحقيق معنا في الأمن العام، أذكر حين قدمنا شخصية «فلاح كفر الهنادوة»، لم يغضب منها رئيس الوزراء عاطف صدقي وقتها، بل كان يتصل بنا ويستحسن بعض الأفكار الساخرة التي ننتقد بها أداء الحكومة أو نناصر فيها المواطن الغلبان، علي عكس وزير مالية سابق ظهر علي يده العديد من الضرائب، يجوز أننا قسونا عليه لارتباط منصبه وقراراته بالمال أي عصب الحياة للمواطن العادي، وكان دائم الشكوي إلي رئيس الجمهورية وإلي وزير العدل


وعن احمد رجب الصحفي قال مصطفي حسين : لا يمكن لأحد أن يزعم أنه يعرف أحمد رجب، قليلون هم الذين اقتربوا منه، فقد عُرف أحمد رجب كيف يحترم وقت القارئ وترجم ذلك في الكتابة باختصار وتركيز شديدين، حيث لا وقت عند القارئ للتطويل في الكتابة.


دار الهلال


وعن نفسه تحدث مصطفي حسين في آخر حواراته كاشفا عن اشياء لم تكن معروفة فبعد ولادته في 7 مارس عام 1935 وتخرجه في كلية الفنون الجميلة قسم تصوير بجامعة القاهرة عام 1953 بدأ حياته عام 1952 بمؤسسة دار الهلال التي تصدر مجلتنا عنها وانتقل بعد هذا إلي جريدة المساء عام 1956 وظل بها حتي عام 1963 وانتقل للعمل في صحيفة الاخبار واخبار اليوم وظل بها حتي رحيله .


ومابين هذا وذاك كما قال في آخر حواراته قبل وفاته بشهور قليلة كنت أحب السينما والتمثيل أثناء مراهقتي وكنت أحب التشبه بالفنان العظيم أنور وجدي والذي كان فتي الشاشة الأول في النصف الاول من الخمسينيات وفي هذه السن يكون للسينما تأثير شديد فكل واحد يتمني أن يكون مكان البطل لكني كنت أحب الرسم أيضاً حتي أنني بدأت العمل بالصحافة كرسام قبل دخولي كلية الفنون الجميلة في مجلات دار الهلال بعد أن أعطاني اميل وجورجي زيدان فرصة للرسم في مجلة "الاثنين والدنيا" سنة 1952و رغم حداثة سني قمت برسم أحد أغلفة المجلة مما أعطاني دفعة للأمام.


رحم الله هذا الفنان العظيم .