وجوه في أزمنة الخوف

01/04/2016 - 9:02:43

محمود قرني محمود قرني

أحمد شامخ

(وجوه في أزمنة الخوف عن الهُويّات المُجرّحة والموت المؤجل)هذا


هو عنوان كتاب الهلال الذي يصدر في5/4/2016 للكاتب محمود قرني الذي يقول في مقدمة الكتاب : كان أخطر ما تركته علوم الاستشراق للعقل العربي هو تحور السؤال الوجودي إلي سؤال يسبح في فراغ الآخر، يحصل علي مشروعية تقدمه أو تخلفه، يكتب المستقبل أو ينزلق إلي أضابير الماضي. من هذا المنطلق حاولت الكثير من الأدبيات المحدثة التشكيك في وجود الفكر العربي بالأساس، باعتباره يقتات علي مخلفات عصر النهضة في تجلياته الغربية، وباعتباره أيضا مردودا استشراقيا لم ينجح في التعبير عن القطاعات العريضة من المتعلمين فضلا عن الحشود الكبرى من العامة.


ورغم أن جانبا من تلك التصورات لم يكن بعيدا عن الحقيقة، إلا أن ذلك لم يحل دون تشكل التكوينات الفكرية المحلية، التي استطاعت أن تقيم تمايزات مقبولة في العلاقة مع الآخر. فلا يمكننا مثلا التحدث عن الوضعية المنطقية عند زكي نجيب محمود باعتبارها إعادة إنتاج لفرانسيس بيكون أو جون ستيوارت ميل أو مدرسة فيينا جملة. فقد استطاع عبر قناعته بـ " التحليلية " أن يقدم قراءة مدهشة لموقفه من التراث، واستطاع عبر المنهج نفسه مع آخرين، تفتيت مفهوم جماعات واسعة من الأصوليين الذين لازالوا حتى الآن يدفعون باتجاه العودة للماضي سواء عبر استغلال الفجوات العقلية أو عبر القتل والترويع.


وقد أثمرت الكثير من هذه الآراء مجتمعا لا يمكن رده للجاهلية المطلقة. فرغم كل شيء، نحن أمام مجتمع اخترقت حصونه مفاهيم عديدة حول نبذ الحكم العشائري وتصاعد الأبنية العقلية جملة، واحتلالها مركز الصدارة في لحظة من اللحظات، وبشكل عام تصاعدت قيمة العلم في بناء مؤسسات ذات طابع علماني محض. غير أن تأمل تلك التصورات في مواجهة نظم الحكم ستدهشنا بالنتائج التي نراها علي الأرض. وهذا الانفصال بين البناءات العقلية المتقدمة والأداء النكوصي لا يمكن فهمه دون تحليل الواقعين السياسي والمجتمعي، عبر اختراق طبقات الحكم، أقصد تحليل دور المال والسلطة في مواجهة الأدوات الناعمة للتعبير العقلي، وهو صراع يبدو فريضة من فرائض من التبعية التي أنتجها النموذج الاستشراقي سياسيا واجتماعيا.


وهنا حاولت تقديم العديد من الوجوه التي تمثل واحدة من التعبيرات المتقدمة عن تلك الحالة بمدلولها الإيجابي علي مستوي منجزها العقلي مثل: إدوارد سعيد، محمد حسنين هيكل، سلامة موسي، أحمد لطفي السيد، نوال السعداوي وغيرهم، أو علي مستوي المنجز الإبداعي مثل: نجيب محفوظ، محمود درويش، عبد الرحمن الأبنودي، عفيفي مطر وغيرهم.


وما من شك أن جزءا أساسيا من تناول تلك الوجوه في اللحظة الراهنة يعزز فكرة المواجهة التي باتت حتمية أمام أزمة الفكر العربي. فالنداءات الحارقة لتعزيز وجود " الآخر " الغربي تحديدا " كدعوة تحض علي التعايش وتحاول أن تتجاوز التاريخ الاستعماري الشائن انتهت إلي تكريس مفهوم التبعية، وإعادة إنتاج الأنماط المعرفية للمركزية الأوروأمريكية بصور مختلفة وتحت شعارات جديدة جذابة مثل عولمة المعرفة التي انتهت إلي تعزيز التوحش الرأسمالي والحد من الهجرات الواسعة إلي أوروبا. حدث هذا في الوقت الذي لم تسفر فيه دعوات عولمة المعرفة سوي عن مزيد من الجوعي جنوب خط الاستواء، ومزيد من الغرقى الذين يعبرون من قيظ الجنوب حالمين برفاه الشمال. من هنا ستظل مقولات الفكر العربي في حاجة إلي إعادة اختبار، لكن ذلك لن يحدث سوي بعد إعادة تعريف الآخر وفق احتياجاتنا وليس وفق الاحتياجات التي فرضها الآخر نفسه.


 ولعل كثيرين منا يذكرون كيف تجسدت في بداية ثورات التحرر عشرات الأفكار البراقة حول استعادة الفرد لصوته الخاص، وعودة الطبقة المتوسطة لقيادة المجتمع بعد عشرات العقود من الحكم الهيراركي، وكانت فكرة التحرر الوطني فكرة مركزية التف حولها المهمشون في العالم الثالث. غير أن الغرب الذي روج لصورة الديكتاتور العادل عاد ليعاقب المؤمنين بها، وكانت تهديداته الموجهة للمستعمرات القديمة جزءا من تعزيز هذه الحلول غير الديمقراطية. وفي غمرة الصراع ثنائي القطبية تم كسر شوكة المشروع الوطني في العالم علي نحو عام وفي العالم العربي علي نحو خاص. فبعد أن تجسد مشروع النهضة في تنامي مراكز تقليدية مثل بغداد والقاهرة ودمشق، انتهي الصراع في غير صالح الطموحات الوطنية لاسيما بعد هزيمة السابع والستين ومعاهدة السلام التي أخرجت مصر، ليس من الصراع العسكري فحسب، بل من الصراع الحضاري نفسه.


أتمنى أن يكون ماتضمنه هذا الكتاب يقع ضمن المحاولات الجادة لإعادة التذكير بالنموذج المتقدم لدور النخبة، وأن يكون محفزا علي الانتباه للخطر الذي تقف علي مذبحه نخبتنا المصرية العربية علي السواء