الأفعى الأمريكية

30/03/2016 - 1:45:33

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

قبل أن يفتح الدكتور سعد الدين إبراهيم ملف الأقليات فى بداية تسعينيات القرن الماضى، لم تكن هذه القضية مطروحة للمناقشة على أي مستوى فى الدولة، ولم يكن هناك ما يستدعى طرحها، لكن منذ فجرها سعد الدين لم تغلق وأثارتها دول ومنظمات غربية واستخدمتها مرات للضغط على نظام الرئيس الأسبق مبارك، وكانت دراسة سعد الدين هى المرجعية فى كل مرة.


بعدها بسنوات كان سعد الدين أول من ربط بين المعونة الأمريكية واستجابة الحكومة المصرية لمطالب واشنطن فى ملف حقوق الإنسان، ومن يومها أصبح هذا الملف هو كارت المساومة الرئيسي بين القاهرة والبيت الأبيض.


وبعد ما يقرب من أربعة عقود يعود نفس الاسم ليفتح ملفا مغلقا بإرادة جماعية، وهو ملف المصالحة مع الجماعة الإرهابية، فجأة تصدر هذا الملف كل المناقشات فى كل الأوساط السياسية والحزبية والإعلامية، رغم أنه لم يكن مقبولا من قبل مجرد الحديث عنه، فليس فى مصر أحد قابل للتصالح مع جماعة تلوثت أيديها بدماء المصريين، وهددت الشعب كله بعد ثورة ٣٠ يونيه ودعمت الإرهاب، لكن هكذا هو سعد الدين إبراهيم الذي يعرف كيف يفجر الملفات، وكيف يعيد الحياة لشخصيات انتهت سياسيا، فهو يمتلك مهارة فائقة في فرض القضايا وتصديرها للمشهد ومحترف في فرض الأجندة الأمريكية علي الساحة في أي وقت، ولهذا استحق أن يكون رجل المهام الصعبة والملفات الشائكة، الذى لا تتخلى عنه واشنطن مهما اختلفت الإدارات التى تسكن البيت الأبيض، فرغم أن واشنطن تحرص بين فترة وأخرى على تغيير رجالها فى القاهرة لتجديد دماء المتعاونين، والتخلص من الوجوه المحروقة، يظل الدكتور سعد الدين إبراهيم هو الورقة التى لا يفرط فيها الأمريكان، والوجه الذى لا يريدون أن يغيب عن المشهد، فهو الجوكرالمصري الذي يمارس كل الأدوار وباقتدار، متعاون صاحب خبرة نادرة يعرف أصول اللعب وكيف ينفذ المطلوب، وبصمته واضحة على كل الملفات التى فتحتها أمريكا فى مصر بغرض الضغط عليها أو تشويهها، فهو المتعهد بهذه المهمة منذ عقود، ومهما تغيرت الملفات والتوقيتات لا تجد واشنطن أفضل منه لتمهيد الطريق لمخططاتها ضد مصر وفتحها بالأسلوب الذي تريده، والمهم أن سعد نفسه لا ينكر هذا بل يتباهي به، ولأن كثيرين يعرفون حقيقة الدور المنوط بسعد الدين وأهميته لدى البيت الأبيض فلا يستخفون بأى كلمة تخرج منه أو تحرك يقوم به؛ لأنه بوصلة يمكن من خلالها استكشاف الأهداف المستقبلية لأمريكا في مصر أو المنطقة العربية كلها ، ولا ينسى أحد أن سعد الدين كان المصرى الوحيد الذى يجلس فى غرفة إدارة الأزمة داخل البيت الأبيض أثناء ثورة يناير وعندما تساوت الخيارات أمام أوباما، كان سعد هو المرجح للرأي المؤيد للإطاحة بمبارك، وانحاز أوباما لهذا الرأي، وهو ما يؤكد أنه ليس مجرد واحد ضمن طابور رجال أمريكا فى القاهرة وإنما هو صاحب الكلمة الأكثر مصداقية عند الأمريكان وتأثيرا لديهم.


ولأنه كذلك فقد ظل سعد لفترة طويلة صاحب سطوة على التمويل الأمريكي بل والأوربى أيضاً الذى يخصص لمصر، فتوصيته وحدها كانت كفيلة بأن تحظى أي منظمة بالتمويل الذى يحدده، حتي ولو كانت وهمية أو بدون برنامج، فيكفي عند الغرب وواشنطن أن يوصي عليها هذا الرجل القوي، ولهذا كان سعد بالنسبة لمسئولي المنظمات الباحثين عن التمويل الأمريكي والأوربى شخصية ذات ثقل، ويسعى الجميع لنيل رضائها بل لا يسمحون للنيل منه أو مجرد انتقاده.


سعد الدين بالمعني السياسي هو عراب الصفقات المعتمد أمريكيا، تتوافر فيه كل المواصفات التى تجعله مؤهلا لهذه المهمة، الدهاء، و الخبث، والثقافة والعلاقات، والقدرة علي الإقناع، والأهم من كل هذا الاستعداد للتحول السريع، فهو في كل مرة لا يتردد لحظة فى القيام بالدور المطلوب منه، ولا يجد عيبا فى التصريح به، لا يجد غضاضة فى التلون كل مرة حسب ما تفرضه الظروف وطبيعة المهمة المكلف بها، فليس غريبا أن يغير توجهه وبوصلته وفق ما يخدم الهدف الذى يسعى إليه، فالرجل الذي يقارب الثمانين من عمره مواليد (١٩٣٨) لا يشغل نفسه بما كان عليه قبل ساعة من الآن، حريف تقلب وتحول بين المواقف، فقد كان واحدا من رجال نظام مبارك المخلصين وأقرب المقربين من سوزان مبارك وأستاذها في الجامعة الأمريكية، لكنه انقلب عليها وعلي النظام بأكمله وتحولي إلي «معارض عنيف» وأطلق عليه مصطلح «الجملكية «، وهو نفسه الذي يتباهي بعلاقته بالشيخة موزة والأسرة الحاكمة لدويلة قطر بكل ما فيها من خروج على أي قواعد ديمقراطية ورغم ذلك يتحدث عن أن «الديكتاتورية هي سب ضعف الأمة العربية وسبب خسارتها للحروب التي تخوضها»، دون أن يشعر بالعار وهو يتحدث عن الديكتاتورية، وهو صديق لعائلة ممن رسّخوا للديكتاتورية في المنطقة كلها، وهو أيضا الذي جلس مع الإخوان وفتح لهم أبواب واشنطن بحجة قناعته بحقهم فى الحوار والتواصل كفصيل سياسي، وعندما وصلوا إلى الحكم وفتحوا قناة خوار مباشرة مع واشنطن دون حاجة إليه انقلب عليهم وهاجمهم وبمنطق مقنع للجميع، وفضح تعاونهم وتخديمهم على الأجندة الأمريكية، وعندما طلب منه أن يقود مخطط إعادة الجماعة الإرهابية إلى الحياة كجزء من المؤامرة الأمريكية لحصار السيسى والضغط عليه، عاد سعد وبدون أدني قدر من الاحترام والمبادئ ليتحدث من جديد عن التسامح مع الجماعة، التى اعتبرها من قبل جماعة دم وقتل، وكان رافضا لمجرد الحوار معها، بل وكان يصفها بالخادم للمخططات الأمريكية، وكان يجزم بأنهم يخططون لتأسيس إمارة فى سيناء تهدد كيان الدولة المصرية، ويتوقع أن تفضح وثائق وكيليكس عملاءها للبيت الأبيض.


ليس لدى سعد الدين مانع أن يسافر إلى تركيا ويلتقى قيادات الجماعة الإرهابية الهاربين رغم الرفض المصرى لهذا الأمر، وهو نفسه الذي ليس لديه مانع أن يدافع عن الشيخة موزة القطرية بشكل صادم لكل مشاعر المصريين الذين يرونها تدير من خلف ستار نظاما يكره مصر ويتآمر عليها ويدعم من يقتل أبناءها.


فالقضية عند سعد الدين لم تكن أبدا مصر ولا المصريين، فهؤلاء فى خلفية تفكيره ومؤخرة اهتماماته، لكن المهم عنده هو الرغبات والمخططات الأمريكية التي يحمل جنسيتها ويحتمي بها، والتى إن أمرت تطاع، وفى كل مرة لدى سعد الدين المبرر القادر على ترويجه وللأسف يجد من يصدقه وينشر أفكاره .


لا تتعجبوا من كل ما سبق، ولا يسأل أحد كيف يمكن لشخص أن يفعل كل هذا، وما زال يجد من يستمع إليه ..فهذا هو سعد الدين إبراهيم، رجل خارق بألف وجه لا يحزنه أن يصفه البعض بالخادم الأمين للكفيل الأمريكي، فهو نفسه ليس لديه مانع في التعامل مع هذا الأساس خاصة أن الكفيل الأمريكي أثبت له فى كل مرة أنه لا يتخلى عنه أبدا، فعلها قبل هذا ودخل فى مواجهة عنيفة مع نظام مبارك حتى ألغى حكماَ بالسجن سبع سنوات ضد سعد الدين، وخاضت المنظمات والمؤسسات الأمريكية حربا لا أخلاقية لتشويه القضاء المصرى من أجل عيون سعد الدين، ودخل علي خط المواجهة مع مصر وقضائها وإعلامها رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون، فسعد الدين ليس رقما سهلا ولا ورقة ثانوية عند الأمريكان أو الإسرائيليين، وإنما رجل من الوزن الثقيل قلما يجدون من يعوض كفاءته أو يقوم بأدواره المتعددة أو يتلون مثله كالحرباء السياسية، أو يمرر ما يريدونه من ملفات التطبيع والضغط علي مصر أو تقسيم المنطقة بالكامل حسب ماتريد واشنطن وتل ابيب .


وطالما تحدثنا عن مخطط التقسيم للمنطقة فلا يمكن ان ننسى أن سعد الدين، أسس مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية منذ أكثر من ٣٥ عاما؛ ليتخصص في قضايا الأقليات الدينية والعرقية في مصر والوطن العربي، وجعل له مراسلين في بعض الدول العربية، التي توجد بها أقليات دينية أو عرقية، ليقوم المركز بإعداد تقرير سنوي تحت عنوان: «النحل والأعراق في الوطن العربي»، يركز فيه على أوضاع الأقباط وأبناء النوبة في مصر، والبربر في المغرب والجزائر، والأكراد في العراق، والشيعة في السعودية، والمسيحيين في جنوب السودان؛ لتكون مدخلا لدعوات انفصال الأقليات في العالم العربي عن الدولة الأم.


وهذا هو نفسه ما يتم تنفيذه الآن وبنفس المنطق الذي بشّر به سعد الدين قبل عقدين من الزمان


بعد كل هذا، وعندما يعود سعد الدين هذه المرة مرتديا وجه الداعية المحب للبلد، ويروج للمصالح مع الأخوان بحجة أنه لا يقصد من تخضبت أيديهم بالدماء، وإنما يقصد السلميين منهم وعندما يصل الي حد ان يتحدى الغضب الشعبى ضد هذه الجماعة الارهابية ويقترح أن يجرى استفتاء على المصالحة فهو هنا لا يمكن اعتباره حسن النية وإنما هو أفعي سياسية يحركها الحاوي الأمريكي؛ كي تلدغ النظام المصري المغضوب عليه في واشنطن لدغة كما كشف الكاتب الصحفي حمدي رزق الأسبوع الماضي في تقريره الخاص مطلوب أن تكون مميتة للتخلص من السيسي الذي أربك الحسابات الغربية والأمريكية ليس في مصر فقط، وإنما في المنطقة كلها، وبعد أن فشلت كل المحاولات لترويضه أو إقصائه أو الوقيعة بينه وبين الشعب، جاء دور العراب الأكبر وكاهن الشر المتحول؛ ليمارس دوره وتمرير خدعة المصالحه؛ لتكون ملفا شعبيا يحرج السيسي ورمحا ينال من شعبيته؛ ليحرمه من الاستمرار لفترة ولاية ثانية كي يتم العودة للخطة المعطلة، رغما عن واشنطن، وهي التقسيم لكن فات الأمريكان أن سعد الدين أصبح مكشوفا وسمومه تحصن ضدها الشعب بعدما تأكد أن إخلاصه للأجندة الأمريكية يسبق انتماءه لمصر .