المتطرف !

30/03/2016 - 1:25:55

هانى عبدالله

تقول «معاجم اللغة»: تطرَّفَ، تطرفًا، فهو «مُتطرِّف».. والمُتطرِّف: الذى «يتجاوز حدّ الاعْتِدالِ» فى رَأي، أو عَملٍ (معجم: الرائد).. و«جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَطَرِّقِينَ»: الْمُتَشَبِّعِينَ بِعَقِيدَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ مَذْهَبٍ سِيَاسِيٍّ، حَتَّى أَقْصَى حَدٍّ (معجم: الغني).. و«تطرفت الشمسُ»: أوشكت أن تغرب.. و»تطرف الشيءَ»: أخذه من أطرافِه.. و»تطرّفَ فى إصدارِ أحكامِهِ»: جاوز حدَّ الاعْتِدالِ، ولمْ يتوسط (معجم: اللغة العربية المعاصر).. ويُزيد «المعجم» الأخير (أي: اللغة العربية المعاصر): مُتطرِّف : اسم فاعل من تطرَّفَ.. وهو، صاحب نزعة سياسيَّة، أو دينيَّة تدعو إلى العنف .


فإن أردنا مثالاً «تطبيقيًّا» لمعانى «التطرف» اللغوية كافة (أي: التأرجح – جِيئةً، وذهابًا – بين الأطرافِ المختلفة).. فليس، هناك، أوضح من سيرة – الإخواني، حتى النُخاع - «عبد المنعم أبو الفتوح»، رئيس حزب «مصر القوية» الحالى (!) .. أما إن أردنا «توثيقًا» دقيقًا لتلك «الحالة السياسية» – عبر الوثائق، والمخاطبات «السرية» لتنظيم الإخوان – فهذا ما سنقف على تفاصيله، بشكلٍ كامل، خلال السطور التالية:


بدأ «أبو الفتوح» اهتماماته السياسية «ناصريًا»، إذ كان مولعًا بـ»الحلم الناصري» خلال فترة شبابه (!).. يقول «عبدالمنعم» فى مذكراته:


«تفتح وعيى، والمشروع الناصرى فى أوجه. كان جمال عبدالناصر بالنسبة لنا المثل الأعلى، والزعيم المخلص. كان حضوره يملأ حياة الناس، ويحجب غيره، وكانت صورته دائما أمام عينى، وعين الأطفال، والناشئة من أبناء جيلى، فقد كان رمزًا لكل شىء جميل، وكان رمزًا للفخر، والاعتزاز».


ويتابع: كان الناس يعشقون «ناصر» حتى كانوا يحفظون خطبه، فقد كان الرجل ـ بالفعل ـ صاحب فضل على كثير من الناس، حتى إنّ أبى كان يعتبر تعليمى «المجانى» من فضائل جمال عبدالناصر، ومكارمه، وكان قد استفاد قبلها من قانون الإصلاح الزراعي. فقد كان من أسرة فقيرة من مدينة كفر الزيات بمحافظة الغربية (وسط الدلتا).. ثم تحسنت أحوالها، وأصبح كل واحد من أعمامى يملك «خمسة أفدنة»، بعدما كانوا لا يملكون شيئًا.


لكن.. لم يستمر ذلك «الولع» إلى النهاية، إذ سرعان ما بدأت رحلة «التطرف نحو النقيض»، فى وقتٍ لاحق(!)


.. يقول «أبو الفتوح»، فى مذكراته، التى كتبها فى مرحلة عمرية «متأخرة»:


بقدر ما كان الحلم كبيرًا، بقدر ما كان انكساره مؤلمًا، وكانت «النكسة» صدمة عنيفة للناس. ولدت حالة من «الرجوع إلى الله» (لاحظوا، هنا، أن عبارة «الرجوع إلى الله» تحمل – ضمنيًّا – إسقاطًا بأن «الفترة الناصرية»كانت بعيدة عن الله!).. وجعلت الناس تتجه إلى ارتياد المساجد، واللجوء إلى التمسك بالدين، والعودة العميقة إلى الله، وفى هذه الفترة كنت أواظب على الصلاة بحكم نشأتى فى «أسرة متدينة» تدينًا فطريًا، وكنت وقتها طالبًا فى المرحلة الثانوية، وكنت أواظب على أدائها فى المسجد المجاور لمنزلي، وكان يتبع الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة.. وأتذكر وقتها أن عدد المصلين كان قليلاً، ولكنه بدأ يتزايد بعد النكسة، ربما تعبيرًا عن حالة الحزن والانكسار.


(لاحظوا، أيضًا، أن العبارات الأخيرة، لم تخرج – فى مضمونها – عن تأكيد صورة «المجتمع الجاهلي» التى أراد «سيد قطب» ترسيخها، فى كتاب «المعالم»!).


ويضيف «أبو الفتوح»: كان «الشيخ البحيري» - شيخ مشايخ الجمعية الشرعية - أبرز من أسهموا فى تغيير صورة الإخوان إلى الأفضل - فى هذه الفترة، على الأقل - فيما يتصل بالمحيط الذى كنت أنتمى إليه، وأتحرك فيه.. لقد بدأ الرجل يدافع عن «الإخوان»، ويقول عنهم إنهم «أناس طيبون» أرادوا بناء مصر، وأرادوا الخير لشعبها؛ لكنهم اصطدموا بجمال عبدالناصر.


.. وعزفًا على تلك التوصيفات؛ يتابع «أبو الفتوح»: تغيرت صورة «الإخوان» فى خيالى على نحو انقلابي، وصاروا نموذجًا للتضحية، والفداء من أجل الوطن، ولكن صورة «الإخوان» كأصحاب مشروع للنهضة تأخرت إلى ما بعد دخولى الجامعة فى بداية ١٩٧١، حين أصبحت مهمومًا بالوطن!.. وقد كان أول من تعرفت عليه من «الإخوان» رجل صوفى (أستاذى الدكتور عبد المنعم أبو الفضل)، ورغم تلمذتى عليه؛ فلم يكن تكوينه الصوفى متفقًا مع تكويني!.. كان ــ رحمه الله ــ إخوانيًا متصوفًا، ولكننى قبلت إخوانيته، ورفضت صوفيته.


إلا أن هذا التحول، ساق – بدوره – الرجل نحو أقصى التطرف.. ونقصد بذلك؛ «الاتجاه نحو الراديكالية، والعنف»، إذ كان «عبد المنعم أبو الفتوح» من أوائل مؤسسى «الجماعة الإسلامية».. وحول هذا الأمر، يقول فى مذكراته:


مهد لانتشار «الوهابية» بيننا رحلات العمرة التى كنا ننظمها من خلال اتحاد الطلاب طوال الصيف، وكانت أول مرة اعتمرت فيها عام ١٩٧٤.. وكلفتنى رحلة العمرة خمسة وعشرين جنيهًا فقط، وأذكر أننى زرت السعودية بصفتى ممثلاً للجماعة الإسلامية فى مصر، وكان العلماء هناك يرحبون بنا كثيرًا، ويحسنون استقبالنا، ويعتبروننا امتدادًا لهم هنا فى مصر.


ففى هذه الأثناء كنّا- مثلاً- نؤمن بجواز استخدام «العنف».. بل «وجوبه» فى بعض الأحيان من أجل نشر دعوتنا، وإقامة فكرتنا.. وكان «العنف» بالنسبة إلينا مبررًا.. بل وشرعيًّا (!).. وكان الخلاف بيننا فى توقيته، ومدى استكمال عدته فحسب (!).. وكانت الفكرة المسيطرة على مجموعتنا؛ (نحن ألا نستخدم القوة الآن، وإنما نُعدُّ أنفسنا لاستخدامها حين تقوى شوكتنا، ونصبح قادرين على القضاء على هذا النظام الممسك بالحكم). ولكن الفرق بيننا وبين من مارسوا العنف وأطلقوا على أنفسهم اسم (جماعة الجهاد) أنهم تعجلوا الأمور، ونفذوا ما اعتقدوه بسرعة، من دون حسابات دقيقة (!)


ويستطرد: إذا تحدثنا عن علاقتنا بالإخوان قبل الانضمام إليهم يمكننى القول إن أفكارنا ومنهجنا كان أقرب إلى «المنهج»، وطريقة التفكير التى كانت تسيطر على «إخوان تنظيم ١٩٦٥»، فقد كانت لديهم منهجية الانقلاب والثورة، وكان لديهم رغبة فى الانقلاب على «جمال عبد الناصر»، انتقامًا منه لما فعله بالبلاد (!)


بل أكثر من ذلك أرى أن «إخوان النظام الخاص»، مثل الأساتذة: مصطفى مشهور، وكمال السنانيري، وحسنى عبد الباقي، وأحمد حسنين، وأحمد الملط، كانت لديهم منهجية قريبة منّا، وأنهم حين خرجوا من السجون كانوا يحملون نفس الأفكار التى كنا نحملها.. لذلك؛ كانوا أقرب لنفوسنا فى ذلك الوقت من غيرهم من «الإخوان القدامى»، الذين تربوا بالقرب من الأستاذ حسن البنا، مثل: الأساتذة: «عمر التلمساني»، و«صلاح شادي»، و«فريد عبد الخالق»، و«صالح أبو رقيق».. ولعله كان من أقدار الله الطيبة أن نلتقى - أولاً - بأفراد التنظيم الخاص المتشددين (أصحاب الاتجاه الأصولي) قبل لقائنا مع القيادات الكبرى الأكثر اعتدالاً.. فلو أن «الاتصال الأول» كان مع كبار الإخوان «المعتدلين»، أمثال: الأستاذ «عمر التلمساني»، والمقربين منه؛ لكنّا حسمنا أمرنا بعدم الانضمام للجماعة!


ورغم أن «عبد المنعم أبو الفتوح» أعلن فى مذكراته أنه تخلى فيما بعد عن أفكاره «الراديكالية»، إذ قال:


(ظلت هذه الفكرة مسيطرة علينا حتى أواخر السبعينيات، حتى بعد دخولنا «جماعة الإخوان».. إلى أن بدأنا نراجعها تدريجيًّا.. وكان للأستاذ عمر التلمسانى - رحمه الله - الدور الرئيس فى حسم مسألة العنف، وتأكيد التوجه السلمى ليس لدينا فقط – نحن أبناء «الجماعة الإسلامية»، التى قررت الانضواء تحت «الإخوان».. بل ولدى كثير من الإخوان المسلمين أيضًا من أجيال سابقة علينا، خاصة «أبناء تنظيم ١٩٦٥م»، الذى عُرف بتنظيم سيد قطب).. إلا أن العديد من الشواهد التالية؛ أكدت أن التحول «النوعي» الذى تحدث عنه «أبو الفتوح»، لم يستطع اقتلاع تلك الأفكار «الراديكالية» بشكل كامل.. إذ تم تغليف «تلك الأفكار» بغطاء «إعلامي» يبدو – فى مظهره الخارجي، فقط – معتدلاً.. بينما ظلت «جذور» الأفكار الراديكالية تلك، على حالها إلى النهاية (!).. وهو ما عكسته - إلى حد بعيد – العديد من الوثائق «السرية» لتنظيم الجماعة.. فكيف بدا الموقف – إذًا – داخل الأروقة «المظلمة» للجماعة، عبر سنوات خلت (؟!)


وجه «الإخوان» العنصري:


لفترةٍ ليست بالقصيرة؛ دأبت العديد من الدراسات «المهتمة» بالشأن الداخلى لجماعة «الإخوان»، على تصدير رؤية مفادها، أن ثمة اتجاهين يتنازعان الرأى داخل الجماعة (أحدهما إصلاحي)، إذ كانت هذه هى الصورة الّتِى أرادت الجماعة تصديرها لوسائل الإعلام فى سياق (آليات المراوغة).. إلا أن هذا الأمر لم يكن له أى نصيب من الصحة (!).. إذ وصلت تلك الرؤية البحثية (غير الدقيقة) لزروتها بالتزامن مع إعلان الجماعة عن برنامج حزبها الأول بالعام ٢٠٠٧م.. وهو البرنامج الذى منعت خلاله «الجماعة» كلاًّ من: «المرأة، والأقباط» من الترشح لرئاسة الجمهورية (!)


ففى تلك الأثناء (أي: بعد أن أعلنت الجماعة عن برنامجها الأول)، وبدا أمامها أنها أصبحت فى مرمى العديد من «النيران الإعلامية» – خاصةً تلك القادمة من واشنطن – وأن «وجهها العنصري» بدأ يتكشف، شيئًا فشيئًا.. خرج عبد المنعم أبو الفتوح (حصان طروادة الإخواني)، ليقول عبر حوار أجرته معه صحيفة «الدستور”:


(إن قيادات الجماعة متفقون على جواز تولى المرأة أو القبطى لمنصب رئيس الدولة «ما دام الخيار للشعب».. وأن الجماعة توصلت لهذا الرأى بعد استشارة عالمين كبيرين هما: «د. يوسف القرضاوي» و«الشيخ أحمد العسال”).


..( وأن وفدًا من مكتب الإرشاد برئاسة المرشد «مهدى عاكف» ناقش القرضاوى فى جواز تولى المرأة أو غير المسلم للرئاسة.. فأفتى الرجل بصحة ذلك شرعًا، ما دام الأمر سيطرح فى انتخابات شعبية).


بينما خرج ثعلب الجماعة «محمود عزت» ــ ومعه د. محمد حبيب ــ ليقول عبر حوار أجراه معه موقع «إخوان أون لاين»- لسان حال الجماعة، وقتئذ - أن هذا الرأى هو رأى جمهور الفقهاء على مر العصور. . وسار فى ركاب «عزت وحبيب» ــ إذ ذاك ــ الرئيس المعزول «محمد مرسي»، إذ قال فى تصريحات نقلها عنه موقع «المصريون”، القريب من الجماعة:


“إن الجماعة تتمسك برفض ترشيح المرأة وغير المسلم لمنصب رئيس الجمهورية.. وأن كافة قيادات الجماعة، قد أجمعت على رفض ترشيح المرأة وغير المسلم للرئاسة، بناء على أدلة شرعية راجحة لدى الجماعة.. وأنه لا نية داخل «الإخوان» لمراجعة رأيها فى هذا الشأن، فما بنى على أدلة شرعية.. لا يمكن تغييره نزولاً على اعتراض أو اجتهاد بشري، لأن الجماعة هنا تمثل الإسلام!”.


وفى حين بدا جُل قيادات مكتب الإرشاد (حبيب ــ عزت ــ محمود غزلان ــ محمد مرسي) فى جانب.. وعبد المنعم أبو الفتوح فى جانب آخر، ويشايعه عضو شورى الجماعة «د. جمال حشمت».. كان أن دخل د. محمد سعد الكتاتني، رئيس الكتلة البرلمانية للجماعة، وقتئذ، على الخط، منتقدًا الطريقة (غير الشورية) الّتِى خرج بها البرنامج، إذ تجاهلت الجماعة ــ على حد قوله ــ أخذ رأى البرلمانيين (!).. ثم كان أن أطلقت الجماعة العنان لبعض شبابها، على موقعها الإنجليزى (ikhwanweb) ــ الموجه، بالأساس، للمجتمع الغربى ــ لتنتقد الجماعة، كما تشاء، على عدم تشاورها معهم قبل إعلان البرنامج (!)


وبعد أن أخذت المعركة من «الجدل الإعلامي» ما أخذت؛ كان أن خرج مرشد الجماعة – حينئذ – «مهدى عاكف»، حاسمًا الأمر فى النهاية.. إذ قال: «هناك رأى فقهى يمنع تولى المرأة أو غير المسلم للرئاسة.. وهناك قولٌ فقهى آخر يقول بغير ذلك.. وللإخوان اختيارهم.. وهم لا يلزمون به أحدًا.. لا يلزمون به إلا «الإخوان» فقط”.. وكان ما قاله عاكف كفيلاً بحسم المسألة كليًّا، لحساب منع الأقباط والنساء من الترشح للرئاسة، من حيث الأصل (!)


وفى الحقيقة.. لم يكن كل ما حدث، خلال تلك الأثناء، سوى «مشهد مسرحي» كامل، أرادت من خلاله الجماعة تحقيق هدفين «رئيسيين»:


الأول، أنها لم تغلق باب التواصل أمام الشركاء الغربيين، بالدفع بعدد من الوجوه المسماة (إصلاحية)، إذا ما اقتضت ظروف التفاوض ذلك.


والثاني، أنها مررت ــ محليًّا ودوليًّا ــ جانبًا مُهمًّا من رؤيتها (المنهجية)، المعتمدة من قبل مكتب الإرشاد العالمى ــ بمباركة الوجوه الإصلاحية (!)- منذ العام ٢٠٠٥م.


.. فقبل الإعلان عن برنامج «حزب الجماعة» بالعام ٢٠٠٧م، بشهورٍ قليلة - تحديدًا يوم السبت (٧ إبريل ٢٠٠٧م) - كان ثمة اجتماع لمن أطلقت عليهم الجماعة (الرموز الإعلامية)، أداره نائب المرشد الأول ــ آنذاك ــ محمد حبيب، وشارك به كل من: (محمود عزت، ومحمد مرسي، ومحمود حسين، وجمعة أمين، وعبد المنعم أبو الفتوح، وسعد الكتاتني، وحمدى حسن، وحسين محمد، ومحمد البلتاجي، وعبد الحميد الغزالي، وعلى عبد الفتاح، وعاصم شلبي).. وكان أبرز ما استقروا عليه، خلال ذلك اللقاء، نصًّا:


أ- هناك بعض القضايا مثل: «قانون الإرهاب خاص بالإخوان ــ مطلوب أن يشعر الناس أن الخطر على الجميع لا الإخوان فحسب”.


ب- هناك جرأة من المسيحيين وصورة بشعة للتطاول على المادة ٢ من الدستور والمطالبة بإلغائها، وهو ما يتطلب مواجهته فى كافة المناسبات ومواجهة المد العلماني، الّذِى يروج له البعض زاعمًا أن العلمانية لا تصطدم بالإسلام.


ج ــ عدم قول «دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية»، ولكن نقول «دولة إسلامية وهى مدنية بطبعها”.


د ــ الإسلام نفسه مستهدف، ولابد من إشعار الناس بهذا الأمر.


هـ ــ الرد على ترشيح قبطى لرئاسة الجمهورية، ومراعاة أن الدستور لا يمنع.. ولكن الفتاوى تمنع ترشيحه.


أى أن منع ترشح «الأقباط» للرئاسة (وفقًا لـ»النقطة هـ» من التوصيات)، ومحاولة البحث عن تبرير فقهى لها، قبل الإعلان عن برنامج الجماعة.. تم – من حيث الأصل – بمباركة من كان يطلق عليهم إعلاميًّا «الوجوه الإصلاحية»، داخل الجماعة.. وعلى رأسهم «عبدالمنعم أبو الفتوح» نفسه (!)


حتى إن «المبرر» نفسه الذى طرحه «أبو الفتوح» أثناء تلك الأزمة؛ لم يكن – فى حقيقته – مُعبرًا عن معتقداته الحقيقية.. ونقصد بذلك؛ مبدأ (الاحتكام للشعب).. إذ إن هذا الطرح – وفقًا لقناعات «أبو الفتوح» الخاصة - لم يكن إلا من قبيل «الافتراض الجدلي».. وكان هذا هو التوصيف الّذِى استخدمه «عبد المنعم أبو الفتوح» نفسه، فى مقال له نشرته «جريدة القاهرة» ــ العدد ٢٠٧، ٣٠ مارس ٢٠٠٤م ــ إذ كتب تحت عنوان (كيف يفكر تيار الوسط فى الإخوان):


«إن الاحتكام للشعب فى قبوله ورفضه للشريعة، هو من قبيل «الافتراض الجدلي»، تأكيدًا لمبدأ «الإرادة الحرة» الّتِى بها يكون التكليف فى الإسلام، وتأكيدًا لمبدأ حرية المشيئة»، ذلك الحق الّذِى منحه الله للإنسان.. ولا يمكن أن يتصور أى دارس لعلم الاجتماع أو علم نفس الشعوب أن الشعب المصرى من الممكن أن يأخذ موقفًا رافضًا للشريعة تحت أى ظرف».


رجل أمريكا بالجماعة:


لم تكن حالة الجدل الإعلامى التى صاحبت إعلان الجماعة لبرنامجها السياسى «الأول» أكثر إزعاجًا لقيادات الجماعة فى أى من جوانبها، سوى فى إفساد العلاقة بينها وبين حلفائها فى المجتمع الغربى (خاصة: الولايات المتحدة الأمريكية)، إذ نجحت الجماعة – عبر سنوات خلت – فى مد العديد من جسور التواصل بينها وبين المجتمع الغربي؛ لطرح نفسها كبديل سياسى للنظام القائم (كان النظام القائم، حينئذ، هو نظام مبارك).


ويقينًا.. كان «عبد المنعم أبو الفتوح» أحد تلك الجسور.. وهو ليس قولنا – على أية حال – إذ كان هذا هو قول «المستشار القبطى « لمرشد الجماعة، وقتئذ «د. رفيق حبيب»، إذ كتب «حبيب» فى أعقاب تفجير القضية المعروفة إعلاميًّا بـ»قضية تنظيم الإخوان الدولي»، بالعام ٢٠٠٩م، مقالاً بموقع «المصريون»، القريب من الجماعة (تحديدًا فى ١٤ يوليو ٢٠٠٩م)، تحت عنوان: (قضية التنظيم الدولى المزدوجة).. وبين سطور ذلك المقال؛ قال «حبيب» ما نصه: «فى البداية بدت القضية وكأنها موجهة لعدد من القيادات السياسية للجماعة، ومنها: د. سعد الكتاتنى ود. عبد المنعم أبو الفتوح، كرسالة للإدارة الأمريكية حتى لا تحاور أى طرف داخل الجماعة» (!)


.. ورغم أن المقال، كان فى مجمله دفاعًا عن الجماعة، إلا أن «د. رفيق» أكد ــ من دون أن يدرى ــ ما أرادت الجماعة أن تستره، من أمر اتصالاتها بالإدارة الأمريكية، كاشفًا عن أن إحدى حلقات الاتصال، هما: (أبو الفتوح، والكتاتني).


وما دعم أمامنا هذا الأمر – فى وقت لاحق – كان ما كشفه، لنا، مصدر «معلوماتي»، فى أعقاب الإفراج عن «عبد المنعم بالقضية ذاتها.. إذ قال لنا «المصدر»: أن النيابة أمرت بإخلاء سبيل «أبو الفتوح» ــ مساء ١٧ نوفمبر ٢٠٠٩م ــ بضمان محل إقامته، مع الإبقاء عليه على ذمة التحقيقات فى القضية، بعد ضغوط متعددة مارستها الإدارة الأمريكية على نظام مبارك.. إذ طالبوا «مباشرة» بالإفراج عن أبو الفتوح من دون الاهتمام بغيره (!)


وما فجر الموقف ــ حينئذ ــ كان رصد مباحث أمن الدولة، تحويل مليونين و٧٠٠ ألف يورو خلال الفترة من (أول مايو وحتى ٤ مايو من العام ٢٠٠٩م) إلى إحدى شركات الصرافة فى مصر، دون إخطار البنك المركزى أو وحدة غسل الأموال عن حجم التحويلات المالية، إذ دخلت هذه التحويلات فى تمويل أنشطة الجماعة بالداخل، إذ كشفت التحقيقات الّتِى باشرها ــ وقتئذ ــ فريق من النيابة، برئاسة «المحامى العام» المستشار «عمرو فاروق» عن إشراف «عبد المنعم أبو الفتوح» على تشكيلات التنظيم فى الخارج.


.. ولم يكن مقصودًا بتشكيلات التنظيم فى الخارج، الّتِى يشرف عليها أبو الفتوح، سوى جهاز التخطيط (عقل التنظيم الدولي)، إذ كان محل رصد مبكر من قبل أجهزة سيادية بالدولة (!)


.. فما هى قصة ذلك «الجهاز» على وجه التحديد (؟!)


عقل الإخوان:


فى التسعينيات.. وبالتزامن مع تعدد اللقاءات بين بعض قيادات جماعة الإخوان، وبعض العناصر التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (C.I.A)، تحت رعاية السفارة الأمريكية بالقاهرة (للمزيد عن توثيق تلك العلاقة: يُمكن مراجعة كتابنا “كعبة الجواسيس: الوثائق السرية لتنظيم الإخوان الدولي”).. كانت الجماعة قد استقرت داخل أروقة تنظيمها الدولي، على استحداث عدد من الأجهزة “المركزية”؛ للإشراف على توجيه أقطار التنظيم المختلفة، (تربويًا، وسياسيًّا، وإعلاميًا... إلخ).. وكان من بين تلك الأجهزة “الجديدة”، جهاز “التخطيط”.. وهو جهاز تم تأسيسه، أيضًا، فى تسعينيات القرن الماضي؛ بهدف وضع «تكتيكات تحرك التنظيم الدولي»، وفقًا لخطة عامة يتم تقييمها كل ٤ سنوات.


وهى خطة تستهدف تحقيق ١٠٠ هدف تقريبًا، على مستويات: الصف، والتنظيم، والأمة، وأعداء مشروع الجماعة.. ومنذ «سنوات التأسيس» تلك، لم ينقطع عمل الجهاز إلا فى العام ٢٠٠٩م.. ولم يكن هذا الانقطاع؛ إلا بسبب تعرض مسئولى الجهاز للعديد من الملاحقات الأمنية، الّتِى طالت أعضاء مجلس إدارته، ومكتبه التنفيذي.. خلال القضية الّتِى فجرتها مباحث أمن الدولة المصرية ــ فى العام نفسه ــ وعرفت إعلاميًّا بـ (قضية التنظيم الدولى للإخوان).. إذ ضمت القضية اتهامات لـ»عبد المنعم أبو الفتوح»، وغيره من قيادات الجماعة.. فقد كان «أبو الفتوح» مشرفًا على «جهاز التخطيط» بتنظيم الجماعة الدولي، حينئذ (!)


ووقتها.. روجت الجماعة إلى أن هذه القضية استهدفت الفاعلين من «الإخوان» بلجان الإغاثة.. وكان هذا صحيحًا إلى حدٍ بعيد (!).. فالعمل «الإغاثي» لم يكن سوى «غطاء» يتم من خلاله التمويه على أنشطة التنظيم الدولى للجماعة، إذ اتخذت الجماعة من العاصمة اللبنانية (بيروت) مستقرًا للمكتب التنفيذى لجهاز التخطيط هذا (!).. وبعد أن خرج «أبو الفتوح» من محبسه؛ كان أن واصل - مجددًا - رحلاته «البيروتية»، رغم ما تم الترويج له – فى حينه – عن الإطاحة به من مكتب إرشاد الجماعة (!)


وبدعوة من لجنة الإغاثة والطوارئ فى لبنان (غوث).. طار «أبو الفتوح» نهاية مارس ٢٠١٠م، ليحل ضيفًا على فندق (البريستول) ببيروت، تحت ستار (مشروع إعداد خطة طوارئ تنفيذية بالتعاون مع الجهات الحكومية وغير الحكومية، والمنظمات الإنسانية المحلية والدولية العاملة فى لبنان).


.. وكانت مثل هذه اللقاءات تتمتع بحماية الأمن اللبناني، إذ تتم تحت إشراف النائب اللبنانى «د. عماد الحوت»، رئيس جمعية (غوث).. وكان يشارك بها ممثلون عن الوزارات المعنية والمحافظات والبلديات.. فضلاً عن عدد من السفارات، المهتمة بقضايا الإغاثة والصليب الأحمر الدولى والصليب الأحمر اللبنانى (!)


إلا أن الوجه الآخر، لهذا اللقاء ــ على وجه التحديد ــ كان إعادة ترميم ما أفسدته الضربات «الأمنية» لجهاز التخطيط.. وبالتالى استقر قرار المجتمعين فى بيروت على إعادة ترتيب البيت من الداخل، وتغيير بعض الوجوه فى الجمعية العمومية للجهاز مع تكثيف الاحتياطات الأمنية بصورة أكبر، حتى لا تُحرق المزيد من الوجوه التنظيمية (!)


وفى نهاية يونيه من العام ٢٠١٠م؛ استقر «أبو الفتوح» ــ مرة أخرى ــ بـ»بيروت».. وداخل أحد المقرات بشارع (محيى الدين الخياط ــ ملك حاسبيني)، كان فى استقباله كل من: د. عماد الحوت، ود. محمد الصياد، نائب «الحوت» فى (غوث)، وشخص ثالث هو «جهاد المغربي”.. ولم يكن هذا المكان، سوى المقر الإدارى لجمعية (إتقان للتنمية والتطوير).


.. وهى جمعية أهلية أنشأها «الحوت» بلبنان، فى أغسطس من العام ٢٠٠٩م، تحت (رقم ١٣٢١) ــ ممثلها القانونى أمام الحكومة اللبنانية «باسم محمود الحوت» المحامى ــ بدعوى تأهيل وتدريب الكوادر والعاملين فى مؤسسات المجتمع المدني، لرفع مستوى الأداء وتنمية القدرات والمواهب.. بينما الهدف الرئيسي، أن تكون غطاءً للقاءات «المكتب التنفيذي» لجهاز التخطيط.


لصوص الإغاثة:


لم يكن استغلال «تنظيم الإخوان الدولي» للعمل الإغاثى كستار لتحركات «جهاز التخطيط»، الذى كان يقوده، فى فترة سابقة، «عبد المنعم أبو الفتوح» مقتصرًا على الاحتياطات الأمنية فقط، إذ كان – أيضًا – بوابة مناسبة لضخ العديد من الأموال التى يتم جمعها لـ»أغراض إغاثية» فى تمويل أنشطة الجماعة نفسها (!)


وهو أمر تكشفه أمامنا بوضوح وثيقة أخرى من وثائق التنظيم «السرية».. وهى وثيقة تمت صياغتها بمعرفة قيادات جهاز التخطيط، إذ تضمنت تلك الوثيقة مقترحًا آخر، بإنشاء جهاز جديد لـ (النقابات والاتحادات المهنية والعمالية).. وكان الهدف من إنشاء الجهاز ــ إجمالاً ــ بحسب نص المقترح:


أولاً: النقابات تمتلك إمكانيات بشرية و(مالية) يمكن من خلالها الاستفادة فى نشر الفكر الإخوانى بين أبناء الطبقة الوسطى.


ثانيًّا: تعتبر النقابات مصنعًا حقيقيًا لإنتاج القيادات، وبالتالى المشاركة فى صنع القرار السياسي.


ثالثًا: يتم من خلال النقابات ترجمة على أرض الواقع لفكر الإخوان، سواء أكان سياسيًّا أم دعويًّا أم اقتصاديًّا أم اجتماعيًّا.


لكن.. لا شك أن «الفجاجة» الّتِى كتب بها المقترح ــ رغم أنه لم ير النور فى حينه ــ لم تكن «نغمة نشاز» بأى حال من الأحوال، على مسامع التنظيم، إذ اعتبروها أمرًا جيدًا، يمكن التأسيس عليه فى وقت لاحق.


.. ويُمكننا – فى الوقت الحالى – ملاحظة ما تفعله الجماعة من محاولات «متكررة»؛ لاستعادة قبضتها على العديد من النقابات المختلفة؛ بحثًا عن مصادر تمويلية جديدة، بعد ما تعرضت له من مصادرات على خلفية الإطاحة بحكم الجماعة، فى أعقاب ثورة الغضب الشعبية فى ٣٠ يونيه من العام ٢٠١٣م.


كما يُمكننا – أيضًا – ملاحظة خطوط التماس «المتنوعة» بين ما يفعله – الآن – عبد المنعم أبو الفتوح، والأهداف العامة للتنظيم، إذ لا تخرج تصريحاته، أو تحركات حزبه (مصر القوية) – رغم محدودية تأثيره – عما يبتغيه «التنظيم» من تصدير صورة «سلبية» عن الأوضاع المصرية فى ظل نظامها الحالي.


وهى ملاحظات لا تحتاج إلى المزيد من الجهد لإثباتها.. إذ يكفى مطابقة تلك التصريحات، والبيانات، مع حركة تنظيم الجماعة الدولى فى أكثر من مناسبة.. فعندما طالب التنظيم بانتخابات رئاسية مبكرة، تبنى «أبو الفتوح» هذا الطرح مباشرة.. وعندما روجت الجماعة لما أطلقت عليه عودة نظام مبارك؛ روج «أبو الفتوح» لهذا الطرح بشكل ببغائي.. وعندما أعربت الدولة عن قوة سواعدها فى مواجهة «مخططات إفساد بنية الدولة المصرية»، وهى مخططات ليست بعيدة – بأى حال من الأحوال – عن توجيهات الإدارة الأمريكية «الحالية»؛ كان أن أصدر حزب «أبو الفتوح» بيانًا (قبل أيام قليلة)، أعرب خلاله عن رفضه فتح قضية «التمويل الأجنبي» لعدد من منظمات المجتمع المدني، الموجهة «أمريكيًّا» (!).. لكن، يقينًا.. قد «تطرفت شمس أبو الفتوح» (أي: غربت).. وإنّا لمنتظرون.