مُبادرة سعد الدين إبراهيم لن تكون الأخيرة: «المحظورة» تراوغ للتصالح مع الدولة

30/03/2016 - 1:19:24

  تظاهرات المصريين فى ثورة ٣٠/٦ التى أسقطت حكم المحظورة تظاهرات المصريين فى ثورة ٣٠/٦ التى أسقطت حكم المحظورة

تقرير: مروة سنبل

بين الحين والآخر تظهر دعوة هنا ومبادرة هناك تزعم أن الدولة سوف تتصالح مع جماعة الإخوان الإرهابية، بعض هذه الدعوات والتي تطلقها شخصيات سياسية تكون بضغوط وإشارات غربية وأمريكية؛ في وقت تعاني الجماعة من انقسامات حادة وصراع على القيادة. وجاءت مبادرة الدكتور سعد الدين إبراهيم مدير مركز «ابن خلدون» الأخير للتصالح مع الإخوان، لتطرح تساؤلا عن توقيت هذه المبادرة، وأنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة.


خبراء سياسيون أكدوا أن الجماعة تعاني من انقسامات داخلية تجعلهم يسعون للمصالح الشخصية لكل منهم؛ لكنهم في الوقت ذاته أعربوا عن اعتقادهم أن الإخوان لم تكلف « إبراهيم» بالحديث عن موضوع المصالحة، وأن الحديث جاء نتيجة إشارة من أمريكا.


الخبراء أشاروا إلى أن الجماعة مُنقسمة على نفسها الآن وتريد المصالحة مع النظام؛ لكنها تخشى غضب شبابها، مؤكدين أنه لا الشعب ولا الدولة سيقبل بأن تعود جماعة الإخوان مرة أخرى.


من جانبه، يرى الدكتور كمال الهلباوي القيادي السابق بجماعة الإخوان أ ن الجماعة تعاني حاليا من انقسامات داخلية تجعلهم يسعون للمصالح الشخصية لكل منهم ، مضيفا: لا أعتقد أن أي فريق من الإخوان كلف الدكتور سعد الدين إبراهيم بالحديث عن موضوع المصالحة وربما الحديث جاء نتيجة تفاهم في أمريكا أو إشارة من الأمريكان، ذلك لأن كلا الفريقين المتصارعين على السلطة داخل الإخوان مازال يسيطر على عقولهم حتى الآن وهم «الشرعية والعودة للسلطة» ولا يزال يعتقد أن ثورة ٣٠ يونيه كانت «انقلابا»، ويتصورون أنهم يستطيعون أن يجروا الشعب إلى ثورة جديدة.


وأوضح الهلباوي أن الجماعة تتصور أن الشعب يدعمها ، لذلك تدعو لتحالفات لجمع المعارضة بأكملها؛ لكنها فشلت في تحقيق هذا الهدف وهو الأمر الذي جعل أزمتها الداخلية تتفاقم، مشيرا إلى أن التنظيم سيجد نفسه في ورطة خلال الفترة المقبلة لن يستطيع الخروج منها، مؤكدا أن أمريكا لن تتخلي عن الإخوان؛ إلا إذا انتهي الصراع في الشرق الأوسط ، لأن أمريكا لديها في سياساتها ما يسمي بالبدائل، ومن البدائل أن تظل الفرق المتصارعة في أي بلد مثل مصر على علاقة بأمريكا ،حتى يكون لأمريكا دخل في إيجاد الحلول إذا حان الوقت في نظر أمريكا .


علاقة تمويلية


من جانبه، قال سامح عيد، المتخصص في شئون الحركات الإسلامية، إن العلاقات بين أمريكا والإخوان علاقة وطيدة ولم تنقطع، خاصة أن قيادات إخوانية التقت أعضاء الكونجرس في وقت سابق، كما أن هناك علاقة مادية تمويلية بين أمريكا والإخوان واستثمارات قائمة، مشيرا إلى أن أمريكا تعاملت مع الإخوان كملف مخابراتي، والإخوان متواجدون بشكل عسكري في أربع أماكن هى اليمن وغزة وسوريا و ليبيا كونهم لاعبا رئيسيا في المعركة على الأرض، كما أن للإخوان تواجدا سياسيا قويا أيضا في المغرب والأردن وتونس وتركيا وغيرها، وبالتالي فلا تستطيع أمريكا أن تخسر هذا التيار الإسلامي الكبير، لان أمريكا مضطرة للتعامل مع الإخوان المنتشرة بشكل كبير سياسيا وعسكريا في عدة دول، مشيرا في الوقت نفسه إلى انتشار عدد كبير من المراكز الإسلامية والتنظيمات في أوربا وأمريكا ويسيطر على هذه المراكز الإسلامية الإخوان يليهم السلفية العلمية ثم السلفية الجهادية.


يؤكد «عيــد» أن الإخوان لهم امتداد مالي واستثمارات في كثير من الدول الأوربية ومخترقين كل الطبقات، لافتا إلى أن أمريكا لن تتخلي عن الإخوان بسهولة، ذلك لأن فكرة الأصولية ستظل تستخدم لإدخال العالم العربي في دوامة من الصراعات الداخلية وصراع على الهوية .


وحول طبيعة العلاقة بين الإخوان وأمريكا ومبادرة سعد الدين إبراهيم للمصالحة، يقول «عيد» لا يوجد الآن من يستطيع إنكار دعم واشنطن لما يسمي بالإسلام السياسي وهناك تحالفات سرية وغامضة عقدتها الولايات المتحدة على امتداد عدة عقود لرعاية وتشجيع التيارات الإسلامية الراديكالية، ورغم أنه قد سادت السياسات الأمريكية حالة من التخبط والارتباك عقب أحداث ١١ سبتمبر؛ لكنها لم تغلق أبدا أبواب التقارب مع تلك الحركات الجهادية الإسلامية، وساندت بقوة الإخوان في مصر باعتبارهم البديل القادم بعد رحيل نظام حسني مبارك، والبديل القادر أيضا على حمايتها من الجماعات الجهادية باعتبارها في نهاية المطاف، إما قد خرجت من عباءتها، أوعلى صلات قوية بها، في المقابل حاولت الإخوان في مصر أن تثبت لصناع القرار السياسي في واشنطن، أنها وحدها باعتبارها تيارا إسلاميا سياسيا معتدلا، القادرة على التعامل في عالم السياسة ببرجماتية وفاعلية، وبالتالي فأمريكا لن تتخلي عن الإخوان فمن مصلحة أمريكا والغرب وفقا لسياستهم أن يظل العرب في حروب دائمة حتى لا يتفرغوا لمحاربتهم ولن يتخلوا عن هذه اللعبة، لأنها صلب مصالحهم الأساسية وعلاقتهم بدول الشرق الأوسط بأن تظل المنطقة في صراع دائم. مشيرا إلى أن الجماعة منقسمة على نفسها ، فالجماعة تريد المصالحة مع النظام ولكنها تخشى كثيراً من غضب شبابها .


«مرفوض جماهيريا»


ويؤكد خالد الزعفراني الخبير في شئون الحركات الإسلامية والقيادي الإخواني المنشق، أن مطالبات الصلح بين جماعة الإخوان والدولة كثيرة، بينما الشعب المصري يرفض تماما عودة الإخوان بالشكل الذي كانوا عليه قبل ٢٥ يناير كجماعة وتنظيم مواز للدولة لديه ميزانية غير خاضعة لمراقبة الدولة ومرشد له سمع وطاعة، وكأنها دولة داخل الدولة، وهذا أمر مرفوض تماما فلا الشعب ولا الدولة ستقبل بأن تعود جماعة الإخوان بهذا الشكل مرة أخرى. فالأمر ليس مرتبطا بالرئيس عبد الفتاح السيسي ولا الحكومة ولكنه رفض شعبي .


ويضيف «الزعفراني» أن مبادرة سعد الدين إبراهيم والحديث عن المصالحة مع الإخوان أمرغير واقعي، فالشعب لن يقبل أي مبادرات للمصالحة مع الإخوان وأن تعود بالشكل الذي كانت عليه، كما أن الإخوان تعاني من أزمات داخلية وأنهم منقسمون على أنفسهم، وبالتالي من الصعب أن يتخذوا هذا القرار حاليا، مشددا على أن مبادرات المصالحة ستفشل ولن تنجح في مساعيها بسبب الرفض الشعبي وأيضا رفض شباب الإخوان للصلح.. فالتنظيم لأول مرة يصبح في عداء مع الدولة والشعب معا .


ويؤكد «الزعفراني» أن أمريكا لن تتخلي عن الإخوان حاليا لأنها لم تجد البديل لهم حتى الآن، مشيرا إلى أن أمريكا تضغط على مصر بين الحين والآخر من خلال ملف حقوق الإنسان، ولو أننا قارننا بين موقف أمريكا والغرب من حقوق الإنسان في مصر وحقوق الإنسان في فلسطين وما يفعله الإسرائيليون من قتل واعتداءات، فإن ما يحدث في مصر من بعض الوقائع هى أحداث فردية وليست منهجا يوميا منظما.


فشل التنظيم


في ذات السياق، أضاف هشام النجار الباحث في الحركات الإسلامية، أن حديث المصالحة مرتبط في الأساس بعدة اعتبارات على المستوى الدولي والإقليمي والمحلى أولها، أن الدعم الدولي كان في اتجاهين الأول دعم وتصعيد ما أسماه بالإسلام المعتدل وعلى رأسه الإخوان المسلمين بوصفها قوى سلمية متوافقة مع القيم الغربية، للاستفادة منها في تلميع صورة أمريكا في المنطقة ومحو آثار جرائمها السابقة في الدول الإسلامية وتوظيف شعبية التيار الإسلامي في شرعنة الحضور الغربي والتدخل الأمريكي في شئون البلاد العربية والإسلامية وكسر حدة عداء الحركة الإسلامية للغرب وكسب صداقتها والحصول منها على تنازلات كبيرة فيما يتعلق بالمقاومة وأمن إسرائيل، في مقابل القضاء على الإرهاب والإسلام المسلح والتنظيمات التكفيرية المتطرفة وكانت الصفقة تصعيد الإخوان وإسقاط النظم العربية الحليفة الأمريكية التي صارت عبئاً عليها.


وتابع بقوله: هذا المشروع فشل إلى حد كبير وظهرت مؤخراً معالم فشله بسبب عجز الإخوان في سوريا وتفوق التنظيمات التكفيرية المسلحة عليها، وأدى فشل الإخوان في مصر لمضاعفة نفوذ الإرهاب والتنظيمات المسلحة بل وتأثر الإخوان بهذه الحالة فانقسم التنظيم واتجه جزء منه لممارسة العنف وتشكيل خلايا مسلحة، وصارت هناك دعوات لعسكرة التنظيم بالكامل ، أى أن المعادلة التي خططت لها أمريكا والغرب انعكست خاصة وأن تركيا التي جسدت نموذج الإسلام المعتدل صارت الممول والداعم الأهم لتلك التنظيمات التي يعتبرها الغرب خطراً عليها .


لافتا لذلك باشرت الإخوان فى الفترة الماضية القيام ببعض خطوات لمغازلة النظام والدولة المصرية ومحاولة اكتساب ثقة كونها طرفا من الممكن أن يعود من جديد بخطاب وأداء مختلف ومنها ما يقوم به حلمي الجزار وعمرو دراج من مراجعات وتصحيح داخل الجماعة، وما يقوم به الحرس القديم للجماعة بقيادة محمود عزت من محاولة للسيطرة على التنظيم وإنهاء التمرد الشبابي داخله وهو الذي أراد جر الجماعة للعسكرة الكاملة والصدام الدائم مع الدولة، ومنها أيضاً دفع الولايات المتحدة الأمريكية لرجلها الدكتور سعد الدين إبراهيم لتتويج تلك الجهود وإنقاذ الجماعة وإعادتها للمشهد من خلال طرح المصالحة مع الدولة، وهو يعنى محاولة إنقاذ المشروع الأمريكي بالتحالف مع الإسلام السياسي، وإعادة الإخوان للشراكة في السلطة على الأقل في هذه المرحلة.


علاج منهجي


وعن مغزي التوقيت يقول «النجار» تحرك الدكتور سعد الدين إبراهيم مرتبط بوضع الولايات المتحدة وأزماتها وحاجتها في أوقات معينة لتحريك ملفات ما في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، ومبادرته الأخيرة لا تنفك عن نشاطه منذ البداية في ملف الحراك العربي المتزامن داخل الدول العربية برعاية وتخطيط وإشراف غربي كامل.


وشدد «النجار» على أن مشروع «مصالحة « الدكتور سعد الدين إبراهيم ، يراهن على الإخوان وكأنهم لا يزالون كما كانوا وأن الوضع لم يتغير، ولا أعنى فقط ضعفهم وخروجهم من المشهد السياسي؛ لكن أيضاً بسبب الانقسام داخل الإخوان وعدم قدرتها على التوحد فى مسار بعينه ، فالجماعة غير قادرة على النهوض بقرار موحد في اتجاه ما، والتفكك داخلها سيحتاج لسنوات لعلاجه تنظيميا وسنوات إضافية للتصحيح المنهجي والمراجعات الفكرية.


ويضيف «النجار»: سعد الدين إبراهيم هو أحد الشخصيات التي أسهمت بأطروحاتها وحضورها الكثير من المؤتمرات التي أشرفت عليها الولايات المتحدة الأمريكية فى الغرب والدوحة وتركيا قبل الربيع العربي في مشروع « الإسلام الديمقراطي « والذي أسهم فيه فرنسيس فوكاياما وكثير من المراكز البحثية والأجهزة الاستخباراتية الغربية لتصعيد ودمج الإخوان فى السلطة وصولا لتحقيق أهداف الغرب فى المنطقة ، والآن المشروع يتعثر بسبب سوء تقدير الإدارة الأمريكية فى الملفين السوري والمصري تحديداً، ولتدخل قوى أخرى على الخط ومنها دول محور البريكس وعلى رأسهم الصين وروسيا ، لذلك فإن الولايات المتحدة تسعى لترميمه وإقالته من عثرته حتى لا تخسر كل شئ وتخسر على كل المحاور وحتى تعيد التوازن مع المحور الشرقى فى الشرق الأوسط خاصة مع التفوق الذي أحرزه المحور الشرقي مؤخراً على كل المستويات. موضحا أن سعد الدين إبراهيم معروف بصلاته بدوائر غربية وبأنه مقرب جداً من الإدارة الأمريكية وأحد منظري وداعمي المشروع الأمريكي الجديد في الشرق الأوسط وهو مطلع تماماً على أسرار وخفايا وتفاصيل تحالفات وعلاقات الغرب وأمريكا بالإخوان، وكان قد هدد الإخوان فى مرحلة من المراحل ب « كشف المستور «.


وعن العلاقة بين الإخوان وأمريكا، قال «النجار» إن الغرب يوظف الإخوان لتحقيق مصالحه في المنطقة منذ استخدام الإخوان وتوظيفها في مواجهة القومية العربية والمشروع الناصري التحرري في الخمسينيات والستينيات، مروراً بمحاولة القضاء تماماً على هذا المشروع في السبعينيات بالتحالف مع الرئيس الراحل أنور السادات، وانتهاء بالسعي إلى إيصال الإخوان للحكم ودعمهم في السلطة بوعود وتحالف كامل مع أمريكا والغرب، ولذلك تنازلت الإخوان لأول مرة وأجرت مراجعات فكرية في منتصف التسعينيات من خلال ثلاث وثائق أصدرتها تؤكد فيها تخليها عن بعض أفكارها القديمة مثل رفضها للأحزاب والتنوع والديمقراطية، وطرحت رؤية مختلفة تؤكد فيها احترامها للديمقراطية والتنوع وتداول السلطة وحقوق المرأة فى خطوة كانت متوافقة زمنياً مع بداية مشروع تصعيد الإسلام السياسي للحكم أي أن المشروع كان منذ منتصف التسعينيات واتضحت معالمه مع الحراك الشعبي وما بعد الربيع العربي.


وعن توقيت تخلي أمريكا عن الإخوان، يقول «النجار»: هي لن تتخلى عنها بسهولة وهى توجهها لتحقيق مصالحها في المنطقة، وهذا في حد ذاته يعيق المصالحة مع الإخوان التي تحولت لأداة في يد الغرب والقوى الإقليمية، والمصالحة تتطلب فصائل وتيارات وطنية تقدم المصلحة الوطنية والأمن القومي المصري والعربي ولا تستغل بالكامل لتحقيق مصالح قوى غربية ومشاريع قوى إقليمية.



آخر الأخبار