د. جمال شقرة رئيس لجنة تطوير مناهج التاريخ: مناهجنا الحالية تحتاج إلى النسف

30/03/2016 - 12:17:14

أعدت الملف: إيمان رسلان

المناهج الحالية لمادة التاريخ تحتاج إلى إعادة نظر شاملة.. الدكتور جمال شقرة رئيس لجنة تطوير مناهج التاريخ يذهب إلى ما هو أبعد عندما يقول إن هذه المناهج تحتاج إلى نسف حقيقى.. الرجل يحلل ويشخص الأزمة ويطرح رؤية شاملة فى هذا الحوار.


من الذى يضع مناهج التاريخ؟


وزارة التربية والتعليم تتبع منذ سنوات نظام المسابقة لاختيار الكتب والمؤلفات التى تدرس للطلاب وبعد طرح المسابقة بين دور النشر، يتم تشكيل لجنة أو مجموعات عمل تتشكل من عدد من أساتذة التخصص العلمى، بالإضافة إلى عدد من أساتذة التربية للتحكيم على هذه المؤلفات وأحيانا يقوم بالنشر والتقدم للمسابقة عدد من أساتذة التخصص “لايزيد عن أستاذين” بجانب عدد ٢ إلى ٣ أساتذة من التربويين يقومون بالتأليف وهذا النظام للأسف غير صحيح فى حالة مصر حتى يتم تطبيقه.


ولكن عددا من دول العالم يطبق هذا النظام لوضع المناهج تطبيقا لمعايير الشفافية؟


نعم هناك عدد من دول العالم تطبق هذا النظام فى اختيار الكتب والمناهج، ولكن هذه الفكرة لايمكن تطبيقها فى مصر لعدم استقرار الأمور والقواعد العلمية والسياسية مثلما هو الحال فى الدول المتقدمة ولذلك فإن الأفضل لنا الآن هو “التكليف” فى تأليف الكتب، خاصة في منهج التاريخ والتربية الوطنية التى هى جزء من التاريخ.


ولماذا فى التاريخ تحديداً؟


لأن التاريخ والعبث به جريمة لا تغتفر، وجامعات مصر مليئة بالكفاءات العلمية فى التاريخ وخاصة فى تنوع مدارس التاريخ، أى أنه لدينا منذ ما قبل ثورة يوليو بقليل مدرسة وطنية كبيرة، بعدما كانت كتابة التاريخ المصرى حتى أوائل القرن العشرين حكراً على الأجانب ثم جاء جيل المؤرخين العظام الذى تتلمذ على يده الآن جيل الوسط، الذى يسود فى أغلب أقسام التاريخ بالجامعات المصرية ويصبح السؤال الرئيسى هنا لماذا لا يتم تكليف الأساتذة الكبار وهم معروفون بتأليف مناهج التاريخ والتربية الوطنية وكل ما يتعلق بها خاصة أن حصرهم في مختلف التخصصات التاريخية وحقبه المختلفة أمر ممكن بسهولة، وأعتقد أن صدور مثل هذا الأمر بالتكليف هو مهمة وطنية وعلى سبيل المثال دولة اليابان والتى زارها الرئيس مؤخرا منذ عدة سنوات انهزم الفريق اليابانى للكرة أمام نظيره الأمريكى وانقلبت اليابان بسبب ذلك ليس لأنها هزيمة كروية أى فى الرياضة وهذا أمر وارد ولكن للبحث فى أسباب هزيمة الفريق بهذا التشكيل وتشكلت لجنة وكان من نتائجها أنهم اكتشفوا أن اللاعبين لم يدرسوا تاريخ اليابان جيداً فحدثت الهزيمة ونفس الشىء حدث فى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، إذن نحن نحتاج إلى متخصصين وأساتذة تاريخ ليكتبوا مناهج التاريخ وفق الرؤية الوطنية.


وماذا يحدث الآن؟


الذى يحدث الآن هو أن بعض الموجهين وأحيانا بمساعدة مدرسين فى ميدان التدريس وبعض أساتذة الجامعات الذين يمكن أن يكون لهم توجه معين يقومون بوضع منهج والدخول به إلى المسابقة ثم يفوزون؟! ولهذا نجد المناهج كما نراها الآن مع أنه من المفترض أن التاريخ ذاكرة الأمة.


ولكن القضية يادكتور ليست فقط فى المناهج ومضمونها، وإنما أيضاً فى الفلسفة الحاكمة لأهمية مادة التاريخ فنحن ندرس التاريخ تحت بند مادة الدراسات الاجتماعية من الصف الرابع الابتدائى أى عمر الطالب ١٠ سنوات وينهى دراستها عند ١٦ عاماً للأغلبية؟


بالتأكيد نحن لدينا مشكلة أخرى بجانب من يكتب مناهج التاريخ وهى أننا ندرس فى مراحل متأخرة للطالب مع أنه فى عديد من دول العالم يدرس التاريخ أو يدخل كمفاهيم بدءاً من الحضانة وهى تعتبر فى أغلب دول العالم مرحلة دراسية ضمن مرحلة التعليم الأساسى.


هل تم تطوير شامل للمناهج بحكم قرب سيادتكم من الملف؟


لم يحدث فى المراحل السابقة أن تم تطوير شامل للمنهج بأكمله، وإنما كان يحدث هو تطوير جزئى فى المنهج فى ضوء أى استفسارات أو شكاوى تأتى من الميدان بعد طبع وتدريس المناهج فى الواقع، ولكن هناك تغييرا شاملا للجسد أو محتوى الكتاب بالكامل لم يحدث قبل ذلك.


أكثر من مرة الطلاب يشكون وهناك ثورة الآن على كثرة التفاصيل والأرقام والتواريخ فى مناهج التاريخ؟


للحقيقة لقد وضعتم أيديكم على أحد الأسباب الرئيسية وهذا النظام المعمول به هو ما أدى إلى ظاهرة الحفظ للمناهج.


مثلا كتاب الثانوية العامة فى الماضى كان يتحدث عن الحملات الصليبية فى عدد كبير من الصفحات مليئة بالتواريخ والأسماء بدون معلومات؟!


نعم هذا صحيح تماما وأتفق معه وللأسف توجد مدرسة فى التاريخ أصبحت هى السائدة بنسبة ٩٠٪ على مساحة كتابة مناهج التاريخ هذه المدرسة ترى أن الإغراق فى التفاصيل وتفاصيل التفاصيل مثلما ذكرت عن ذكر عدد الحملات الصليبية وتواريخها وأسماء الناس بها.. وبالتالى هنا يضطر الطلاب إلى الحفظ فقط لأن الكتاب لم يركز فى ذكر المعلومات لماذا حدث ما حدث والعلة والأسباب وراء ذلك، فمثلا فى حريق القاهرة، لابد أن ندرس الظروف المحيطة لذلك وأيضا ما سبب وقوع مصر تحت الاحتلال الإنجليزى عام ١٩١٨ وهزيمة أحمد عرابى ولم يذكروا التواريخ وأسماء المعارك وغيرها.


لأن التاريخ سيل من الأحداث المتدفقة ويحمل الخبرات المختلفة للشعوب سواء الخبرة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية وليس التاريخ مجرد ذكر لأرقام وتواريخ وأسماء.


هل تسلط هذه المدرسة التاريخية التى تتمسك بالتواريخ على حساب السرد وراء مثلاً قلة ومعرفة المصريين لتاريخهم وحفظهم فقط للأسماء والتواريخ كما جاءت فى المناهج.


قد يكون بالتأكيد ذلك أحد أسباب عدم التعمق فى فهم ما حدث فى الماضى فمدرسة الأسماء والتواريخ قد تكون أضرت بالطلاب وتكوينهم ولم تستطع حتى الآن مدرسة التحليل أن تبرر دور التاريخ المضمون له.


كيف ترى دخول السياسة إلى التاريخ؟


للأسف هذه أحد المخاطر الرئيسية على مناهج ودراسة التاريخ، فالسياسة حينما تدخل إلى مناهج التاريخ تفسدها فمثلاً حينما نستند إلى شخص ذى ميول وفدية كتابة تاريخ ثورة يوليو والحديث عن دور جمال عبدالناصر- بالتأكيد سيكون هناك انحياز مسبق للفترة التى يتعاطف معها ونرى الآن بعض الهواة من محترفى الكتابة فى الصحف وليس لديهم مبادئ فى علم التاريخ يتحدثون فى التاريخ بدون علم بل وبانحياز مسبق.


من يكتب التاريخ إذن؟


يحتاج من يكتب التاريخ للإعداد فى فترة لا تقل عن ١٢ عاماً حتى يمكن أن نطلق عليه دارساً للتاريخ وباحثاً فيه، لأن الإعداد يستغرق ٤ أعوام أولاً فى الدراسة الجامعية الأولى لكل فروع ومعارف وتخصصات التاريخ وهو ما تطلق عليه الإعداد العام ثم فترة لا تقل عن عام إلى عام ونصف العام فى الدراسات العليا والتمهيدى ليكون بعدها باحثاً فى التاريخ ثم من عامين إلى ثلاثة فى الإعداد للماجستير فى التخصص ثم من ٤ إلى ٥ سنوات للحصول على الدكتوراه فى شهادة التخصص الدقيق فى مراحل التاريخ، فكيف إذن نسمح بمشاركة “الهواة” الذين لا تزيد معارفهم عن قراءة مرجع أو اثنين أو حتى ثلاثة على الأكثر.


كيف ترى المناهج الحالية؟


المناهج الحالية لمادة التاريخ تحتاج إلى إعادة نظر شاملة أو بمعنى آخر نحتاج إلى نسف المقرارات، ولكن أولاً علينا أن نتفق هل نحن نكتب التاريخ وفق المدرسة القديمة العتيقة للأرقام والأشخاص أم نؤرخ لحركة الشعب المصرى وهل نقدم له إنجازات وأسماء الحكام والرؤساء أم نكتب تاريخ الشعب نفسه مع نبذة عن الرموز لأن مكانها محفوظ فى التاريخ، تلك هى المشكلة أو الأزمة التى نعيشها ونشكو منها وهى التى تحدث الأزمة فى الوضع الراهن.