ياللعار.. الحكومة تستورد الأرز وتعجز عن مواجهة المحتكرين

30/03/2016 - 11:49:29

تحقيق : بسمة أبو العزم

تأكيدًا لفشل الحكومة فى إدارة أزمة توفير الأرز، جاء قرار هيئة السلع التموينية بعمل مناقصة عالمية لاستيراد الأرز، فبدلا من محاربة وزير التموين لمافيا المحتكرين، ومهاجمة المضارب والشون المخالفة بتهمة حجب السلعة عن التداول وإجبارهم على التوريد للهيئة بالسعر الرسمى، إلا أنه اختار الطريق الأسهل ولجأ إلى الاستيراد لأول مرة منذ عام ٢٠٠٧ بما يشكل ضغطا إضافيا على العملة الصعبة.


ويتراوح انتاج مصر من الأرز الأبيض مابين ٤ و٤.٥ مليون طن فى حين لايتجاوز استهلاكنا ٣.٣ مليون طن، ولدينا فائض يصل لنحو مليون طن, وبالرغم من ذلك اضطرت الحكومة للاستيراد, وتم ذلك بسبب امتناع وزير التموين والتجارة الداخلية عن تخزين احتياطى مناسب خلال موسم الحصاد، ما دفع محتكرى الأرز لتعطيش الأسواق ورفع الأسعار, ولم يعد أمام هيئة السلع التموينية حل لمحاربة المحتكرين سوى استيراد الأرز الأرخص والأقل جودة، ولم يعترف الوزير بخطئه بل ألقى مسؤولية ارتفاع أسعار الأرز على التهريب غير الشرعى، ولم يستنكر ما تقوم به مافيا الأرز والمحتكرون من تعطيش للأسواق.


طرحت الهيئة العامة للسلع التموينية مناقصة عالمية لشراء كميات غير محددة من الأرز، ولكن بشكل مفاجئ أعلن نائب رئيس الهيئة ممدوح عبد الفتاح عن إلغاء المناقصة يوم فتح المظاريف الاثنين الماضى دون ذكر أسباب، وبالفعل تم الإقرار بطرح المناقصة مرة أخرى على أن يكون آخر موعد لتقديم العروض فيها السبت القادم ٢ إبريل.


بالرغم من امتناع هيئة السلع التموينية عن ذكر السبب الحقيقى وراء القرار إلا أن الوسط التجارى لا حديث له إلا عن إلغاء المناقصة العالمية، مؤكدين أن الأسعار التى قدمها المشاركون كانت مبالغا فيها بسبب ارتفاع سعر صرف الدولار وأزمة الضرائب على الأرز المستورد، كذلك دخول البعض لإفساد المناقصة ممن لديهم مصالح فى استمرار ارتفاع سعر الأرز المحلى.


لم يتوقف الاستيراد على الحكومة بل اتجه مستوردو القطاع الخاص لاستيراد نحو ٥٠ ألف طن أرز هندى، وبالفعل وصل إلى الجمارك نحو ١٥ألف طن لم يتح الإفراج عنها بعد بسبب خلافات على ضريبة الـ١٠٪ فكما يقول رجب شحاتة رئيس شعبة الأرز بغرفة صناعات الحبوب باتحاد الصناعات عن احتجاز الموانئ ما يقرب من ١٥ألف طن أرز هندى تنفيذا لتعليمات رئيس مصلحة الضرائب، بسبب إصرار رئيس المصلحة على احتساب ضريبة ١٠٪ على الأرز واحتساب سعر الطن ٧٠٠ دولار فى حين أن السعر الحقيقى يتراوح بين ٣٠٠ و٣١٥ دولارا للطن.


هناك مفاوضات مع المصلحة على تخفيض السعر وللأسف هناك تخبط فى القرارات فبالرغم من افراج ميناء دمياط على حاويتين بسعر ٣٤٠ دولار، الا أن ميناء الإسكندرية مصممون عللى احتساب سعر ٧٠٠دولار فلا ندرى لمصلحة من هذا التعنت خاصة أن دخول الأرز الهندى سيساهم بتخفيض أسعار الأرز المحلى ويكسر المحتكرين.


ارتفاع لا يتوقف


محمد نور الدين، صاحب محل بقالة، يقول إن أسعار الأرز مستمرة فى الارتفاع وآخر زيادة كانت الثلاثاء الماضى بنحو جنيه للكيلو أى ألف جنيه للطن، فسعر الأرز المعبأ وصل إلى ٦.٥٠ جنيه، فى حين ارتفع أرز الساعة من ٧.٥٠ إلى ٨.٥٠ جنيه للكيلو، حتى الأرز السائب ارتفع سعره، فأردأ نوع والذى كان يباع بسعر ٤ جنيهات وصل إلى ٥ جنيهات, مضيفًا: «لاندرى هل هناك زيادات جديدة مع بداية الشهر القادم أم لا».


أما يحيى كاسب، رئيس شعبة تجار المواد الغذائية والبقالة بغرفة الجيزة التجارية، فاعتبر أن هناك تخبطا حكوميا فى إدارة ملف الأرز بدءا بالسماح بالتصدير ومرورا بعدم الاحتفاظ بخزون استراتيجى من السلعة. وقال: حينما أرادت الحكومة تدارك الموقف أصدرت قرارا بإيقاف التصدير بداية من ٣ إبريل القادم، وبفضل هذا القرار انخفض سعر طن الأرز ٢٠٠ جنيه, لكن للأسف لم يدم ذلك الانخفاض طويلا حيث أعلنت وقتها وزارة التموين عن طرح مناقصة لتوريد الأرز المحلى فشعر المحتكرون بحاجة الوزارة إليهم فقاموا بالضغط من جديد ورفعوا الأسعار منتصف الأسبوع الماضى بنحو ألف جنيه للطن خلال يوم واحد ليتراوح سعر الطن بين ٤ آلاف و٤٠٠ جنيه، و٦آلاف و٦٠٠ جنيه بدلا من ٣٩٠٠ جنيه حتى ٤٩٠٠ جنيه.


فشل حكومى


د.محمد أبو شادى، وزير التموين الأسبق، أوضح أن وزير التموين مسؤول عن توفير احتياجات الداخل وليس الخارج وعمل احتياطى آمن من السلع الأساسية لا يقل عن ثلاثة أشهر ويتم ذلك عن طريق هيئة السلع التموينية, معقبا: لكن للأسف الوزير الحالى ضرب بهذا الدور عرض الحائط واعتمد على القطاع الخاص فى توفير السلع, وأخل بمبدأ المخزون الإستراتيجى وبالتالى حدثت أزمة الزيت والأرز, وبالطبع مجلس الوزراء مسؤول بشكل تضامنى, بسبب السماح بتصدير الأرز لتدخل العملة الصعبة فى جيوب مجموعة من التجار والمصدرين, وللأسف فى النهاية نضطر للاستيراد بما يمثل ضغطا إضافيا على العملة وتحميلا على احتياطى النقد الأجنبى, فما قامت به الحكومة فى أزمة الأرز بمثابة عدم معرفة للدور القومى وإخلال بالأمن الغذائى والقومى للدولة.


وزير التموين الأسبق تعجب من قرار استيراد الأرز، قائلا: كيف نصدر أجود أنواع الأرز فى العالم, وفى نفس الوقت نستورد (زبالة) الدول سواء الأرز الفلبينى أو الهندى لأنه أرخص, لقد خسرت منصبى الوزارى بسبب مافيا الأرز من مهربين ومصدرين ومحتكرين، وتابع: هناك تاجر شهير فى الإسكندرية يخزن الأرز بمضارب قطاع خاص بالشرقية, فالحكومة لديها كافة المعلومات التى تخص محتكرى الأرز وأماكن تخزينهم وبالتالى يجب شن حملات مداهمة لضبط المضارب والشون وتطبيق القانون بتهمة حجب السلعة عن التداول، وفى هذه الحالة يتم توريد المضبوطات لهيئة السلع التموينية بالسعر الرسمى, وبالفعل سبق جمعت خلال أسبوع واحد ١١٤ ألف طن أرز محجوبة عن السوق, فوزير التموين من حقه إصدار قرارات لوضع عقوبات مغلظة ضد المحتكرين لكنه للأسف يرفض دائما محاربة مستغلى قوت الشعب من التجار.


مستورد بكميات قليلة


وتستورد أنواع الأرز الخاصة بالأغراض السياحية والفندقية سواء البسمتى أو البنى وغيره بكميات محدودة، وتطبق عليها جمارك مرتفعة، بحسب الوزير الأسبق الذى يضيف: «لكن ما يحدث حاليا من استيراد أرز للشعب فهى مصيبة وكارثة، فمصر الدولة الزراعية والأولى فى انتاجية الأرز والتى لديها صناعات قائمة على الأرز من مضارب وصناعة أعلاف من السرس.. يجب اجراء محاكمة جنائية للمسئولين عن تلك الجريمة».


أضاف «أبو شادى» أن حجة وزير التموين الحالى بأن تهريب الأرز السبب فى الأزمة مردود عليها، فسبق أن استعان د. جودة عبد الخالق حينما كان وزيرا للتموين بالقوات المسلحة لمواجهة تهريب الأرز، وبالفعل تم تصنيع جهاز رادار يكتشف الأرز المهرب داخل الحاويات، وكانت تجربة ناجحة وتكلفة الجهاز الواحد مليون جنيه, مستطردًا: على الوزير الحالى الاستعانة بهذه الأجهزة التى تكلفت مليارات الجنيهات والتنسيق مع حرس الحدود والموانئ.


فى ذات السياق، قال عماد عابدين، سكرتير شعبة تجار المواد الغذائية بغرفة القاهرة التجارية، «إن الأرز المستورد لن ينخفض سعره بسبب فرق سعر العملة، وأمامه شهر حتى يصل إلى الأسواق، ولاندرى هل سيكون مطابقا للمواصفات أم سيرفضه الحجر الزراعى، وإذا لم يكن صالحا ونسبة الكسر به مبالغا فيها فى هذه الحالة ستحدث نكسة أكبر فى أسعار الأرز, وبالتالى أمام وزارة التموين الحل الأفضل فيجب مداهمة المضارب الخاصة وطرح الأرز المخزن بالأسواق بالسعر الرسمى العادل».


من جانبه، قال محمود العسقلانى، رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، إن الأرز سلعة نجحت مصر فى الاكتفاء الذاتى منها وبسبب سوء إدارة الحكومة الحالية سنضطر للاستيراد فى هذا التوقيت بما يعد جريمة كبرى فى ظل أزمة الدولار, «فجشع التجار دفعهم لتخزين كميات كبيرة من الأرز الشعير وبيعه حاليا بزيادة تصل إلى ٣٥٪, وهناك جريمة احتكار للتجار وجريمة أخرى هى سكوت الدولة فهى تعلم جيدا أماكن التخزين ولها السلطة القانونية فى مداهمتها خاصة أن هناك تربيطات بين التجار تسعى لوصول سعر كيلو الأرز لعشرة جنيهات فى رمضان, فوزارة التموين لجأت للحل السهل وهو الاستيراد فى حين تركت الحل الأمثل وهو محاربة مافيا الأرز ومداهمة مخازنهم».


كما أكد مصطفى النجارى، رئيس لجنة الأرز بالمجلس التصديرى للحاصلات الزراعية، أن مناقصة استيراد الأرز إصلاح لخطأ بدأ أول الموسم حينما لم يتخذ وزير التموين والتجارة الداخلية أرصده احتياطية، معتبرا ما يحدث حاليا بأنه «استيراد اضطرارى»، مبرئا «التصدير» من تهمة رفع الأسعار محليا، فلم تتجاوز معدلات التصدير أكثر من ٣٥ ألف طن، بتكلفة الطن ٧٠٠ دولار -حسب قوله-.


واعتبر النجارى أن «الاستيراد ليس عيبا، فعلى الحكومة اتخاذ سياسات جديدة من شأنها إحلال الأرز المستورد داخل السوق المصرى، فالأسعار العالمية له منخفضة فى الوقت الذى نعانى فيه مستقبليا من أزمة مياه فى ظل زيادة عدد السكان ومحدودية المساحة المزروعة فيجب إحلال زراعة الأرز بالدلتا بزراعات أخرى ذات عائد اقتصادى»، مستطردًا: «حينما تستورد الدولة الارز سيعتاد المصريون على أصناف أخرى وخاصة الارز الطويل ٩٥٪ من إنتاج العالم أرز طويل الحبة، أما الأرز المصرى فهو مختلف وقليل عالميا وبالتالى له ميزة سعرية مرتفعة, فى حين قدرة المستهلك المحلى على الشراء منخفضة وبالتالى يجب أن نوفر له أرزا رخيصا، فالسعودية تستورد كميات كبيرة من الأرز الهندى, ولماذا لايتم مهاجمة الدولة حينما تستورد اللحوم والدواجن, فى حين نهاجمها لاستيراها الأرز».


الحكومة تبرر


بدوره، دافع محمود دياب، المتحدث باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية، عن استيراد الأرز، وقال إن المناقصة العالمية لاستيراد الأرز أول وأكبر مناقصة لتوريد الأرز لهيئة السلع التموينية وجاءت لمواجهة وكسر المحتكرين, مشيرا إلى أن التجار لجأوا إلى المزيد من رفع الأسعار، متابعا: بالفعل لجأنا للاستيراد بعد إلغاء المناقصة المحلية التى تمت ١٩ مارس بعد استغلال التجار للظروف وقدموا أسعارا مرتفعة وصلت إلى ٥ آلاف و٢٠٠ جنيه للطن, خاصة أن الاستهلاك الشهرى من الأرز التموينى وصل لـ ١٢٠ ألف طن، كما أن استيراد الأرز من شأنه تخفيض الأسعار خلال الأسابيع القليلة القادمة خاصة مع اقتراب شهر رمضان, فهناك تفاهمات مع البنك المركزى تقضى بفتح اعتمادات مستندية بأى مبلغ لوزارة التموين, وبالطبع تلك المناقصة من شأنها عمل مخزون استراتيجى من الأرز يكفى عدة أشهر، علاوة على أن الأرز الهندى أقرب فى مواصفاته إلى الأرز المصرى كما أنه أرخص من الأسعار التى طرحها الموردون المحليون، وبالتالى لن يتضرر المستهلك من الاستيراد، الذى هو بمثابة ضربة قوية لمخزنى الأرز.