فى دمشق: توافق دولى وإقليمى على وحدة الأراضى السورية

30/03/2016 - 11:31:10

رسالة دمشق: محمد الشافعى

 وصلنا دمشق ليلاً.. لنجد الشجن يلف المدينة.. فالإضاءة خافتة توفيرا للطاقة.. وحركة الناس أقل كثيرا مما رأيته فى زياراتى السابقة لسوريا.. ورغم هذا فالحياة عادية.. المحلات مفتوحة .. والناس فى الأسواق تشترى وتبيع.. رغم الأزمة الاقتصادية التى تركت آثارها على كل شىء.. حيث يتحرك سعر الدولار ما بين ٤٠٠ و- ٥٠٠ ليرة.. أى أكثر من عشرة أضعاف ما كان عليه قبل الأزمة الحالية.. وبالطبع تتواجد الكمائن الأمنية فى كل شوارع المدينة.. ولكن السوريين يتعاملون مع هذا الوضع الأمنى بكل البساطة والسلاسة.. حيث يتعاونون مع الجنود.. ويقبلون تفتيش حقائبهم إذا ما طلب منهم ذلك.. وقد ساعد وقف إطلاق النار الذى تم التوصل إليه منذ أسابيع قليلة.. على زيادة مساحات الأمن والأمان فى كثير من ربوع سوريا.. وخاصة المناطق المحيطة بالعاصمة دمشق.


وقبل أن نتوقف عند تفاصيل الوضع الراهن فى سوريا ..


نتوقف أولا عند الأسباب التى ساعدت على تفجير الأوضاع ونذكر منها ما يلى :


١ - سوريا كانت تتمتع بالاكتفاء الذاتى من الغذاء والطاقة كما أنها لم تتعامل من قبل مع صندوق النقد الدولى أو البنك الدولى .. بما يعنى قلة أو انعدام الضغوطات التى يمكن أن تتعرض لها من الغرب.


٢ - سوريا هى الجسر الذى يربط ما بين حزب الله اللبنانى وإيران والمطلوب غربيا وصهيونيا ضرب هذا الجسر.. حتى يسهل بعد ذلك ضرب حزب الله.. والذى يعد (الشوكة) الأكثر إيلاما فى ظهر العدو الصهيونى.


٣ - الخلافات الغربية الروسية أثرت على تدفق الغاز الروسى إلى الغرب.. مما تتطلب البحث عن بديل.. وذلك البديل يكمن إما فى الغاز القطرى.. أو الغاز الليبى .. والغاز القطرى لابد وأن يعبر من ميناء طرطوس السورى.. حيث القاعدة الروسية والممانعة السورية.. مما يستوجب تقسيم سوريا إلى عدة دويلات تقبل بتنفيذ السيناريوهات الصهيوأمريكية.. ولعل تفجير الوضع على الحدود الليبية التونسية مؤخرا يؤكد محاولة اللجوء إلى خيار الغاز الليبى بعد تعثر تنفيذ خيار الغاز القطرى عبر طرطوس السورية حتى الآن .


٢ - سوريا من وجهة نظر الحلف الصهيو أمريكى.. تمثل إحدى الحلقات الأضعف التى يمكن من خلالها النفاذ.. لتنفيذ سيناريو تفجير الصراع السنى الشيعى.. لتحقيق أهداف السيناريو الثالث بتقسيم الوطن العربى إلى ٥٦ دولة.. خاصة بعد فشل السيناريوهين الأول والثانى.. حيث أفشلت مصر سيناريو تسكين الإخوان على رؤوس الحكومات العربية لتنفيذ تقسيم الوطن العربى وذلك فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣.. ثم فشل سيناريو داعش الإرهابية لتحقيق نفس الهدف وذلك بعد أن احترقت أصابع وأيادى الغرب من تفجيرات داعش الإرهابية.. ولعل ما حدث فى بلجيكا مؤخرا يؤكد هذا.. ولم يتبق أمام الغرب لتنفيذ تقسيم العرب إلا السيناريو الثالث والأخطر والمتمثل فى تفجير الصراع السنى الشيعى بالمنطقة.


٥ - استغلال الخلافات السعودية القطرية مع كل من إيران وسوريا.. فالسعودية مازالت تحمل سوريا مسئولية اغتيال حليفها رفيق الحريرى رئيس الوزراء اللبنانى الأسبق.. كما ترى السعودية فى النظام السورى (العلوى) أحد أهم خصومها بالمنطقة.. وقد تناسى صناع القرار فى السعودية الاتفاقية التى أطلق عليها (s.s) أى سوريا والسعودية.. والتى عملت على إنقاذ الوضع المتردى فى لبنان منذ عدة سنوات.


أما قطر فإنها تنفذ الدور المرسوم لها فى الأجندة الأمريكية.. وتبحث عن بطولة أكبر من حجمها وقدراتها.. وترى أن أموالها الكثيرة يمكن أن تحقق هذه البطولة.. وكل هذا مجرد أضغاث أحلام.


٦ - من المؤكد أن كل هذه الخطط لم تكن لتنجح إلا بمساعدة سياسات النظام السورى نفسه.. تلك السياسات التى تفتقد إلى الديمقراطية.. وتعتمد على قبضة الأمن الباطشة فى كل مجالات الحياة .. وبعد أن (وقعت الفاس فى الراس) كما نقول نحن فى مصر.. اضطر النظام السورى إلى وضع دستور جديد.. يعتمد التعددية الحزبية.. ويحدد مدة حكم رئيس الجمهورية بفترتين فقط .. وسوف تجرى أول انتخابات برلمانية طبقا لهذا الدستور الجديد خلال الأيام القليلة القادمة وقد ساعدت كل هذه الأسباب، على تفجير الوضع فى سوريا.. ذلك التفجير الذى بدأ قبل خمس سنوات كاملة.. وأدى إلى مقتل مئات الآلاف من السوريين.. ونزوح الملايين من قراهم ومنازلهم ليتحولوا إلى لاجئين فى كثير من دول العالم... كما خسر الاقتصاد السورى أكثر من ٥٠٠ مليار دولار.. كانت كفيلة بتحويل سوريا إلى واحدة من أكثر الدول النامية تنمية ورخاء.. وسوف يتكلف إعمار ما تم تخريبه خلال سنوات الأزمة ربما أكثر مما تمت خسارته خلال الأزمة نفسها.


وخلال خمس سنوات من بداية الأزمة.. تحولت سوريا إلى مرتع لكل أشكال وأنواع الجماعات الإرهابية المسلحة.. حيث يتواجد على الأرض السورية إرهابيون من أكثر من سبعين جنسية.. يشكلون حوالى ١٥٠٠ مجموعة مسلحة.. أشهرها تنظيم داعش الإرهابى المدعوم من الحلف الصهيوأمريكى.. ثم تنظيم جبهة النصرة المدعوم من قطر.. ثم تنظيم الجيش الإسلامى المدعوم من السعودية.. وتتمركز الجماعات الإرهابية فى مناطق (البادية) السورية.. وتحديدا فى مدن الرقة - تدمر - شرق حماة.. ومناطق البادية تمثل أكثر من ٥٠٪ من مساحة الدولة السورية.. ولكنها مناطق خفيفة السكان.. بينما تسيطر الدولة السورية على كل المناطق الأكثر كثافة سكانية.. دمشق - اللاذقية - طرطوس - حمص - ريف حلب.. فمن بيروت إلى دمشق أكثر من ١٥٠ كيلو متراً آمنة تماما.. ومن دمشق إلى اللاذقية أكثر من ٤٠٠ كيلومتر وهى أيضا آمنة تماما - وبعد التغييرات الدراماتيكية التى تمت خلال الأشهر القليلة الماضية.. استطاعت قوات الجيش السورى.. تحرير الكثير من المناطق التى كانت تحت سيطرة الجماعات الإرهابية (أكثر من ٤٠٠ منطقة، كما استطاع الجيش السوري خلال الأيام القليلة الماضية تحرير مدينة تدمر الأثرية من قبضة جماعة داعش الإرهابية، والتي كانت من أهم معاقلها .


وقد بدأت تلك التغييرات الدرامية على الساحة السورية.. بتدخل روسيا بشكل مباشر من خلال قواتها المسلحة.. وخاصة القوات الجوية.. وأيضا من خلال الدعم السياسى الكبير الذى قدمه الرئيس الروسى فيلادمير بوتين لنطيره السورى بشار الأسد .. وقد كان التدخل الروسى فى سوريا حتميا.. وذلك للحفاظ على مصالحها الكثيرة وأهمها الوجود على شواطئ المياه الدافئة فى البحر المتوسط من خلال القاعدة البحرية فى طرطوس.. والقاعدة الجوية فى حميميم باللاذقية وللقضاء على الإرهابيين الشيشان الذين انضموا إلى داعش وأيضا لقطع الطريق على الحصار الاقتصادى (خط الغاز القطرى التركى)..والجغرافى (حلف الناتو).. والذى يسعى الغرب إلى تنفيذه ضد روسيا.. خاصة بعد أحداث أوكرانيا.. وقد فاجأ الرئيس بوتين العالم بتدخله المباشر فى الأزمة السورية منذ سبتمبر ٢٠١٥.. وقد حمل هذا التدخل أكثر من مستوى لعل أبسطها تلك الضربات الجوية المركزة والناجحة من الطيران الروسى ضد قواعد وتمركزات الجماعات الإرهابية.. ويكمن أهم مستويات التدخل الروسى فى قيام الجيش الروسى بإعادة تأهيل وتشكيل الجيش السورى.. وتعويضه عما فقده من سلاح.. وإمداده بأحدث الأسلحة النوعية والمؤثرة.. بل إن بعض الأسلحة توجد ومعها طواقمها من الجيش الروسى.. وقد أدى كل هذا إلى استعادة الجيش السورى لياقته وجاهزيته القتالية.. بعد الإنهاك الشديد الذى تعرض له على مدى أكثر من أربع سنوات من القتال المتواصل.


وعندما فاجأ بوتين العالم مرة أخرى بإعلان انسحابه الجزئى من سوريا.. فإن هذا الانسحاب مجرد (كوموفلاش) فالقاعدة البحرية كما هى بكامل قوتها.. والقاعدة الجوية لم ينسحب منها إلا بعض الطائرات المقاتلة.. بينما أعداد الطائرات المروحية والهليكوبتر فى تزايد.. والأهم أن أقوى نظام دفاع جوى فى العالم (إس ٤٠٠) مازال موجودا على الأراضى السورية.. كما تتواجد أيضا كل أسلحة الحرب الإلكترونية.. وكل هذا حتى تتأكد روسيا من أن خط الغاز القطرى التركى لن تقوم له قائمة.. ذلك الخط الذى بدأ التفكير فيه عام ٢٠٠٠.. والغريب أن المناطق التى تحتلها داعش فى سوريا هى نفس المناطق التى من المفترض أن بمر بها خط الغاز القطرى التركى (أظن أنها ليست مصادفة).


أما داخل العاصمة السورية دمشق.. والتى قضيت بها ثلاثة أيام كاملة.. فالأمور تسير بشكل اعتيادى.. ويتحرك الرئيس السورى بشار الأسد وكل أركان نظامه.. داخل المدينة لافتتاح بعض المشروعات.. أو للمشاركة فى المؤتمرات والندوات.. ويتحدث الأسد بثقة واطمئنان.. وتحمل تصريحاته الكثير من التقدير والاحترام للرئيس بوتين الإنسان والقائد.. والأهم أن تصريحات الأسد بها الكثير من التفهم والتقدير للمواقف المصرية تجاه سوريا.. ويبدو أن كل الطرق ستؤدى فى النهاية إلى بقاء بشار الأسد على رأس الدولة السورية.. بعد إجراء الكثير من التفاهمات دوليا وإقليميا.. خاصة بين أمريكا وروسيا.. وإيران وتركيا.. ويتردد فى دمشق أن بوتين سأل أوباما هل تضمن أمن دمشق إذا ترك بشار الحكم فأجاب بالنفى.. فكان التوافق على استمراره.. حتى تتبلور سيناريوهات أخرى.. كما ذهب أردوغان إلى طهران وعقد مع رئيسها حسن روحانى شراكة استراتيجية تهدف إلى منع الأكراد من تكوين دولة مستقلة.. وهذا يعنى التوافق أيضا على بقاء بشار كرمز لسوريا الموحدة.. الغريب أن السعودية كانت قد عقدت شراكة استراتيجية مع تركيا نكاية فى إيران.. ولكن أردوغان ذهب إلى حيث توجد مصالحة.. ليتحول اتفاقه مع السعوديين إلى مجرد حبر على ورق.


ويتسم الوضع السياسى داخل دمشق بكثير من التعقيد.. ربما أكثر تعقيداً من الوضع العسكرى.. فالدستور الجديد قد أباح تشكيل الأحزاب المعارضة.. ولكن الهمسات والتصريحات بين أطياف المعارضة السورية.. تؤكد على أن قبضة الأمن مازالت قوية.. وأن هذه الأحزاب المعارضة قد خرجت من عباءة أجهزة الأمن.. وتعمل تحت سيطرتها.. وتشهد الانتخابات البرلمانية التى ستجرى بعد أيام قليلة.. كثيرا من المرشحين المستقلين.. ويتردد أن غالبيتهم من حزب البعث الحاكم.. وأنهم جميعا قد خرجوا أيضا من عباءة الأمن.. ويحسب لكل أطياف المعارضة السورية إصرارها على وحدة الأراضى السورية.. وتذهب معارضة الداخل إلى القبول باستمرار بشار الأسد لأن غيابه فى المرحلة الحالية سيؤدى إلى تفتيت الدولة وانهيارها.. وقد عملت روسيا على إجراء العديد من المقابلات مع رموز المعارضة السورية الداخلية.. وتمت هذه المقابلات فى قاعدة حميميم الجوية.. وتهدف روسيا إلى تكوين كتلة معارضة.. تكافئ تلك الكتلة المعارضة التى تحظى بالدعم الأمريكى الخليجى والتي تعيش خارج سوريا.


ورغم ثقة النظام السورى فى قدرته على الاستمرار والقضاء على الجماعات الإرهابية - خاصة بعد أن حرر الجيش السورى على مشارف مدينة تدمر أكبر معاقل داعش - إلا أن الضغوطات الاقتصادية هى الأخطر خاصة بعد نزوح الكثير من سكان الريف إلى العاصمة دمشق بحثا عن مصدر للرزق.. بعد أن تركوا أراضيهم الزراعية إما هروبا من الإرهاب.. وإما لعدم قدرتهم ماديا على زراعتها.. وقد أدى هذا النزوح الجماعى إلى تكوين بعض البؤر العشوائية حول العاصمة دمشق.


ويتبقى من الأزمة السورية مزاعم التقسيم.. واقتراحات الفيدرالية التى بدأت تطل برأسها.. خاصة بعد إعلان الأكراد منذ عدة أيام إقامة منطقة حكم ذاتى فى المناطق الواقعة تحت سيطرتهم فى الشمال الشرقى السورى.. ويستطيع كل من يزوز دمشق أن يكتشف وبسهولة أن مزاعم التقسيم بعيدة المنال.. رغم أن البعض يتحدث عن ثلاث دول.. دولة علوية «برئاسة بشار» فى المناطق الغربية الممتدة من اللاذقية وحتى دمشق.. ودولة كردية فى الشمال الشرقى... ودولة سنية فى مناطق البادية التى تقع تحت سيطرة داعش... ومثل هذه التقسيمات أمنيات لأصحاب سيناريو تقسيم الوطن العربى.. وقد يكون إعلان الأكراد لمنطقة الحكم الذاتى داخل الفيدرالية السورية.. إحدى ورقات الضغط التى تستخدمها روسيا لعقاب وتخويف تركيا.. التى يصيبها الرعب من مجرد التفكير فى إنشاء دولة كردية على حدودها.. كما أن أكراد سوريا يشعرون بالغبن والتهميش بعد استبعادهم من مفاوضات جنيف.. ولكن كل هذا لن يؤدى إلى تقسيم سوريا.. خاصة بعد أن استعاد الجيش السورى عافيته.. وأصبح نواة صلبة ورقماً صعباً.. والأمر فى النهاية بيد الشعب السورى الذى يجب أن يصر على انتزاع حقوقه الديمقراطية بالطرق السلمية.. كما أن المجتمع الدولى مطالب بممارسة أكثر درجات الرقابة صرامة.. على أى عملية انتخابية فى سوريا سواء أكانت مجلس النواب أو الانتخابات الرئاسية.. وذلك حتى يشعر الشعب السورى بالاطمئنان ويختار من يريده.. وعندما يختار الشعب السورى.. فعلى العالم كله أن يحترم هذا الاختيار.