اليوم البلجيكى الأسود دماء وإخفاق وأخطار متوقعة..!

30/03/2016 - 11:29:04

خالد عكاشة خبير أمنى

ضاحية «مولينبيك» في بروكسل أصبحت بجدارة مصنعا أوربيا لتشكيل العناصر الإرهابية بشكل وثيق، فهناك ولد وترعرع كثير من المتهمين بالتخطيط والتنفيذ لهجمات إرهابية في أوربا، على رأسها بالطبع هجمات باريس في نوفمبر الماضي، فضلا عن هجمات بروكسل الأخيرة كما ترجح الشرطة البلجيكية، ويشترك جميع منفذي الهجمات الإرهابية في أوروبا تقريبا في ملمح واحد أنهم ينتمون إلى الجيل الثاني من المهاجرين الذين ولدوا وعاشوا في الضواحي الأوروبية الفقيرة والمنعزلة، ربما ظهر ذلك في بعض من ضواحي باريس والمدن الفرنسية، لكن يظل حي «مولينبيك» بضواحي العاصمة البلجيكية بروكسل هو الأكثر تمثيلا لتلك الظاهرة، فهو يعد من أكثر الأحياء المأهولة بالسكان حيث يعيش فيه نحو ٩٧ ألف شخص، وترتفع نسبة البطالة فيه إلى ٤٠٪ في صفوف الشبان ليصبح حي الإرهابيين المفضل حيث يرد اسمه في معظم التقارير الأمنية التي تذكر أن غالبية الأعمال الإرهابية التي شهدتها أوروبا خلال الفترة الأخيرة انطلقت من هذا الحي .


بلجيكا بالفعل تعتبر أكبر بلد أوروبي مساهم في عدد المقاتلين المتطرفين الذين اتجهوا إلى سوريا مقارنة بعدد السكان، حيث رحل من حي «مولينبيك» فقط أكثر من ٥٠٠ شخص للقتال في صفوف «داعش»، وتتهم منظمة «الشريعة من أجل بلجيكا» المحظورة بتجنيدهم والقيام عبر تركيا بتسفيرهم إلى سوريا، ويعتقد وفق تقارير الأمن البلجيكي أن ١٣٠ منهم عادوا إلى بلجيكا بينما قتل حوالي ٧٧ أثناء القتال وبقي أكثر من ٢٠٠ في سوريا، وفي حي «مولينبيك» ترعرع مخططو ومنفذو هجوم الجمعة الدامي في باريس «عبد الحميد أباعود» و»صلاح عبدالسلام»، الذي ألقي القبض عليه مؤخرا بعدما لاحقته الأجهزة الأمنية لشهور هو وأخاه الذي فجر نفسه في «ستاد دي فرانس»، وأيضا هناك عاش «أيوب الخزاني» الذي نفذ هجوما على القطار السريع الذي يربط بين أمستردام وباريس، كما مهدي نموش منفذ الهجوم على المتحف اليهودي في بروكسل، وعاش في الحي ذاته اثنان من مرتكبي تفجيرات مدريد التي تسببت بمقتل ١٩٠ شخصا عام ٢٠٠٤م، وفي سبتمبر عام ٢٠٠١م قام اثنان من أبناء الحي باغتيال القيادي الأفغاني «أحمد شاه مسعود» الذي كان أبرز معارضي حركة طالبان في ذلك الوقت إبان الحرب الأهلية الأفغانية، «عبد الحميد أباعود» سافر إلى سوريا بداية ٢٠١٣م للتواصل مع قيادات «تنظيم داعش» ليس هذا فحسب بل اجتذب أخاه الأصغر للانتماء للتنظيم، ولم تكن تفجيرات عملية باريس هي البداية فقد ارتبط اسم أباعود بهجوم فاشل على قطار شمالي فرنسا في أغسطس من العام الماضي، كما اشتبه به أيضا في هجوم تم إحباطه كان يستهدف حفلا في كنيسة جنوب باريس لكن الاشتباه الأبرز كان بضلوعه في الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية.


قتل أباعود في ١٨ نوفمبر ٢٠١٥م بعد تفجيرات باريس بخمسة أيام فقط في حملة مداهمة أمنية قامت بها القوات الفرنسية في منطقة «سان دوني» بفرنسا، لكن قصة تفجيرات فرنسا لم تنته؛ إذ إن أباعود لم يكن القائد الوحيد لخلية «مجاهدي بلجيكا» على ما يبدو فقد كان له شريك رئيسي ألقى بظلاله على تفجيرات بروكسل، وهنا برز اسم «صلاح عبد السلام» حيث إن المعلومة الهامة أنه بعد تفجيرات باريس بتسعة أيام فقط أعلنت الحكومة البلجيكية حالة التأهب الأمني القصوى، وهي أعلى درجات التأهب لثلاثة أيام أغلقت فيها الشرطة البلجيكية محطات المترو والمدارس وأية مناطق بها تجمعات بعد معلومات عن احتمال حدوث هجوم وشيك كالذي حدث في فرنسا، يقوم بتنفيذه «صلاح عبد السلام» وباقي أعضاء خليته الموجودين على الأراضي البلجيكية، وبدأت حينئذ وحدات مكافحة الإرهاب الفرنسية والبلجيكية في التحقيقات ومطاردة المشتبه بهم في تفجيرات باريس منذ نوفمبر الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي تطارد عبدالسلام والذي كان أخوه إبراهيم أحد مفجري الأحزمة الناسفة في تفجيرات باريس، وفي إطار الملاحقات والتحقيقات في تفجيرات باريس تعرضت قوات الشرطة لإطلاق نيران أثناء قيامهم بتفتيش منزل في جنوب بروكسل، حيث أصيب خمسة شرطيين، بينما قتل شخص يدعى «محمد بلقايد» جزائري الجنسية، وهذا الأخير له علاقة وطيدة بصلاح عبد السلام، كما كشفت التحقيقات الاسبوع الماضي عن تحديد هوية أحد الشركاء في تفجيرات باريس يدعى «نجم العشراوي، كما تم القبض على صلاح عبد السلام نفسه أخيرا يوم السبت ١٩ مارس ثم جاءت تفجيرات بروكسل الثلاثاء الذي يليه مباشرة .


الخطر الحقيقي الآن في أوروبا أن أكثر من خمسة آلاف مواطن بها انضموا لتنظيم «الدولة الإسلامية ـ داعش»، يشكل مواطنون من دول بلجيكا وفرنسا ثم بريطانيا أغلبية هؤلاء المنضمين، في يناير الماضي أعلنت وكالة الشرطة الأوروبية أن تنظيم داعش أنشأ ما أطلق عليه «قوات خاصة داخل أوروبا»، لتنظيم هجمات تشبه هجمات مومباي ٢٠٠٨م وهجمات باريس في نوفمبر الماضي، في حين جاء إنشاء أول وحدة متخصصة لمكافحة الإرهاب للتنسيق بين دول الاتحاد جميعا في حربهم على الإرهاب، وإن كانت مساحة التعاون بين دول الاتحاد ظلت هي نقطة الضعف التي برزت بقوة فيما بعد إنشاء تلك القوة، وكانت من كلمات التنظيم الارهابي فيما بعد حادث باريس مما يشير إلى تخطيط بعيد المدى حيث جاء في بيانه: «ولتعلم فرنسا ومن يسير على دربها أنهم سيبقون على رأس قائمة أهداف الدولة الإسلامية، وأن رائحة الموت لن تفارق أنوفهم ما داموا قد تصدروا ركب الحملة الصليبية، وتجرأوا على سب نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتفاخروا بحرب الإسلام في فرنسا، وضرب المسلمين في أرض الخلافة بطائراتهم التي لم تغن عنهم شيئا في شوارع باريس وأزقتها النتنة، وإن هذه الغزوة أول الغيث، وإنذار لمن أراد أن يعتبر» ، وهذا مما جاء بيان التنظيم بعد تفجيرات باريس ومنه يمكن الآن أن نتخيل حجم ما تعيش فيه أوروبا من خطر .


بالعودة إلى بلجيكا هي تعتبر الدولة الأغنى في أوروبا « قلب أوروبا» وعاصمتها غير الرسمية، حيث أصبحت بلجيكا منذ أكثر من عقد محطة للجهاديين، فإما يخرجون منها ويحملون جنسيتها، وغالبا ما يكونون ذوي أصول عربية، أو أنهم يستخدمونها كمحطة للتحرك منها إلى أهدافهم داخل أوروبا، ربما لموقع بروكسل من أوروبا حيث تقع في نقطة الوسط وخلال ساعتين يمكن الوصول إلى فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا، وفي تفجيرات بروكسل استهدفت مطارا ومحطة مترو، علما بأن محطة مترو «مالبيك» تقع في منطقة المؤسسات الأوروبية، وفي المنطقة التي يقع فيها مبنى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، وعدة مؤسسات أخرى تابعة للاتحاد الأوروبي، وبعد هذه الضربة القوية التي أوقعت ما يقارب ٤٠ ضحية ونحو ١٠٠ مصاب أعلن العديد من الدول الأوروبية تعزيز إجراءاتها الأمنية خصوصا في المطارات، يأتي على رأس هذه الدول فرنسا بالطبع والتي نشرت وحدها بعد التفجير ١٦٠٠ عنصر شرطة إضافيا في أنحاء البلاد وأيضا بريطانيا وهولندا، لتبدأ من الآن استقبال فصل جديد في المواجهة والاحتياطات الأمنية التي لن تكون كسابقتها بأي حال من الأحوال، فأمام الأجهزة الأمنية الكثير من التساؤلات حول فشل الأمن الأوروبي والبلجيكي خاصة من التصدي للهجمات وتخوفات من أن تصبح مثل تلك الهجمات الإرهابية أمرا طبيعيا في أوروبا، فالحقيقة كانت قد تمثلت بأنه على الرغم من الاستعدادات الأمنية الكبرى التي اتخذتها بلجيكا ضد هذه الهجمات المتوقعة، إلا أن أوروبا فشلت من جديد في التصدي للإرهاب، وملخصا لهذا المأزق يقول «شارل ميشيل» رئيس الوزراء البلجيكي: «لقد حدث ما كنا نخاف منه، أعتقد أن التهديدات الإرهابية من هذا التنظيم ستتواصل وتزداد في المستقبل، ويجب على أوروبا أن تدرك جيدا كيفية التعامل مع هذه التهديدات .


في تقرير مهم للكاتب الأمريكي «ماكس فيشر» نتفق مع كثير مما جاء به من رصد وتحليل للانقلابات التكتيكية لتنظيم «داعش»، قام فيشر بتحليل اتجاهات داعش الجديدة بعدما خسر ما يقارب ٢٥٪ من رقعة التنظيم في سوريا والعراق، قرر التنظيم تطوير إستراتيجيته في الحرب ضد أوروبا والغرب ليحاول تحقيق ضربات موجعة بأسهل الطرق الممكنة، التقرير يرصد أيضا خطأ الحكومات الأوروبية في السياسات المتخذة دائما بعد مثل تلك الهجمات من إغلاق الحدود أو توجيه الغضب تجاه العرب، على الرغم من كون هوية منفذي الهجمات دائما ما تكون أوروبية، يبدأ الكاتب الرحلة منذ فبراير ٢٠١٥م حيث بدأت الانتصارات الواسعة التي حققها تنظيم الدولة الإسلامية في كل من العراق وسوريا تصل إلى نهايتها، فبدأ الأمر بخسارة التنظيم لمدينة «كوباني « والتي استطاعت القوات الكردية استردادها بدعم من الطيران الأمريكي، ثم بعدها بشهر واحد فقط فقد التنظيم سيطرته على مدينة تكريت بعد هزيمته على يد قوات الجيش العراقي والميليشيا الشيعية بالإضافة إلى الضربات الجوية الأمريكية، بحسب التقرير لم يحمل الصيف الماضي أي أنباء سارة بالنسبة للتنظيم وواصل خسارة الأراضي التي استطاع السيطرة عليها من قبل، ليصل إجمالي ما خسره التنظيم من رقعته إلى ٢٥٪ في كل من سوريا والعراق، ما قاد التنظيم إلى تأسيس فروع جديدة في دول أخرى كليبيا واليمن وأفغانستان واستطاع تحقيق بعض النجاحات في تلك الدول، ووصل المد الداعشي إلى أوروبا بقوة أيضا خلال العام الماضي واستطاعوا في نوفمبر تنفيذ أكبر هجوم إرهابي في تاريخ أوروبا الحديث والذي حصد أرواح ١٣٠ شخصا في باريس، وفي استمرار لمسلسل الهجمات على أوروبا استطاع التنظيم ضرب أوروبا مجددا هذه المرة في العاصمة البلجيكية بروكسل، في هجمات استهدفت مطار بروكسل ومحطة قطار كبرى بالمدينة قبل أن يعلن التنظيم مسئوليته عن الحادث .


ويستكمل الكاتب الأمريكي طرحه ليذكر بأنه على الجانب الآخر يحاول بعض السياسيين في أوروبا بث المزيد من المخاوف لدى شعوبهم من المهاجرين، ومحاولة تحقيق مكاسب انتخابية من خلال الدعوات لمنع المهاجرين وتصوير الأمر وكأن اللاجئين هم مصدر تلك التهديدات الإرهابية، في حقيقة الأمر ما أثبته تاريخ تلك الهجمات الإرهابية هو أنها دائما ما تأتي من جانب أوروبيين، وهو ما يجعل من المشكلة معقدة وصعبة للغاية، فمحاولة إغلاق الحدود أو منع دخول المهاجرين لن تكون مجدية عندما يأتي التهديد ممن يحملون جنسية البلد نفسه، ففي هجمات باريس على سبيل المثال كان أغلب منفذي الهجمات يحملون جنسيات أوروبية، فصلاح عبد السلام المنتمي لتنظيم داعش والمتهم بتخطيط تلك الهجمات، والذي ألقت الشرطة القبض عليه منذ أيام في بلجيكا هو بالأساس فرنسي الجنسية وبلجيكي المولد، لذلك يختلف الخبراء حول الأسباب الحقيقية وراء التحاق الأوروبيين بتنظيم داعش، إلا أن الأمر الوحيد المتفق عليه هو التطرف في حين تختلف أسباب كل شخص ودوافعه للتطرف، حيث يرجع البعض الأمر إلى التهميش السياسي والاجتماعي للمسلمين في أوروبا، في حين يرجع آخرون الأمر إلى حالة العزلة والغربة الداخلية لدى الكثير من الشباب، وآخرون يعتقدون أن الوهج والضجة الإعلامية للتنظيم وأعماله كانت سببا في انضمام الكثيرين .


ونرى نحن وفق تلك الرؤية التي نتفق معها أنه يمكن تصور النتيجة المحتملة لخسارة التنظيم الكثير من المدن أو حتى كل ما يسيطر عليه من أراض في دولته المزعومة، أن التنظيم سيعود إلى صورته الأولى وهي كونه مجموعة إرهابية تقوم بتنفيذ الهجمات، حيث كان التنظيم في الماضي هو مجرد فرع لتنظيم القاعدة في العراق، قبل أن يبرز هذا الفرع بشدة خلال الاحتلال الأمريكي للعراق، حيث استطاع تطوير نفسه واكتساب الكثير من المهارات الهامة، كتخطيط العمليات بدقة متناهية وتنفيذ هجمات إرهابية بحق المدنيين بغرض بث الرعب لديهم، وراهن التنظيم أيضا على تبني أيديولوجية التطرف على أساس طائفي استغلالا لما كان يدور بحق المكون السني بالداخل العراقي، ولم يستطع فرع القاعدة في العراق تحقيق نجاح عسكري حقيقي نستطيع مقارنته بما يحققه تنظيم داعش الصورة المتطورة من فرع القاعدة حاليا، حيث لم يكن حينها سوى مجرد مجموعة إرهابية تختبئ في زوايا لا تستطيع الحكومة العراقية الوصول إليها، مما مكّنها من تحقيق بعض الضربات الإرهابية الكبرى في ذلك الوقت، حيث كانت ضرباتهم تستهدف مناطق في الداخل العراقي بالأساس وهو ما كان يتوافق مع أيديولوجيتهم ومهمتهم في ذلك الوقت، بينما يقدم تنظيم «داعش» حاليا صورة مختلفة وجديدة تماما من الهجمات تتخذ شكلا أوسع من حدود الشرق الأوسط لتصل إلى الغرب مباشرة، لذلك فإن حتى نهاية خلافة داعش في سوريا والعراق سيعني خسارة التنظيم لجزء كبير من موارده، إلا أنه سيكون لديه ما يكفي ليستمر في تنفيذ هجمات بهذا الشكل، وعليه لن يستمر خطر داعش عالميا فقط بل سيصبح أصعب في هزيمته من الوقت الحالي .


ختاما أكد الثلاثاء الأسود في بروكسل كما أسماه رئيس وزراء بلجيكا، على أنه هناك قدر لا يستهان به من الخلل الأمني والانكشاف الاستراتيجي لدول القارة القديمة، وبدلا من أن تكون أوروبا قاعدة الاستقرار الدولي؛ إذ بها تصبح نقطة الضعف للنظام العالمي خاصة في مرحلة الاضطراب الانتقالية، بسبب عدم وجود سياسة خارجية موحدة أو بسبب تحليلات خاطئة للأزمات وكذلك بسبب عدم نجاح أساليب مكافحة الإرهاب الجديد وتبريراته الأيديولوجية، وبصورة أخص بسبب غياب الوزن السياسي على الساحة الدولية في معالجة الأزمات السياسية التي تنعكس أمنيا واستراتيجيا على أوروبا، وفي طليعتها كل من الأزمة السورية والليبية اللتان تعانيان من التعقيد والتدهور منذ ما يقارب الخمس سنوات في ظل عدم القدرة الدولية على صياغة حلول أو مساعدات واقعية، مما يدفع المشهد الأمني الأوروبي لأن يتكبد ثمنا باهظا لتلك الارتباكات السياسية خاصة مع المتغير الجديد الذي لا يمكن تجاوزه، والمتمثل في تدفق اللاجئين الذين يمثلون عرضا جانبيا للمأساة السورية، لكنه قد يشكل معادلة أمنية ثقيلة على أجهزة أمنية لازالت تتلفت حول نفسها ولازالت تتبادل الاتهامات في الغرف المغلقة .