«داعش» أفعى لا تموت

30/03/2016 - 11:23:47

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

الهجمات الإرهابية الأخيرة التي استهدفت مطار «زافنتم» الدولي ومحطة مترو «مالبيك» بقلب العاصمة بروكسل وخلفت ٣٥ قتيلا أثبتت أن هناك صلة قوية بين منفذي الاعتداءات في بلجيكا، والاعتداء الذي وقع في نوفمبر الماضي في فرنسا، فقد وقع الحادث بعد ٤ أيام فقط من نجاح قوات الأمن البلچيكية والفرنسية في اعتقال صلاح عبد السلام المشتبه به في اعتداءات باريس التي خلفت ١٣٠ قتيلا، الأمر الذي دفع السلطات الفرنسية إلى فرض المزيد من الإجراءات الأمنية في جميع أنحاء البلاد، وأحبطت عملية إرهابية تم التخطيط لها.


فور وقوع تفجيرات بروكسل في الثامنة من صباح يوم ٢٢ مارس، عقد الرئيس فرانسوا هولاند اجتماع أزمة لمجلس الدفاع «بالاليزيه»، ووجه بنشر ١٦٠٠ شرطي وجندي إضافي في كامل البلاد، عند مراكز المراقبة على الحدود وأيضا في مؤسسات البنية التحتية للنقل الجوي والبري والبحري وللسكك الحديدية، وتخصيص أماكن النقل العامة للذين يحملون هوية أو بطاقة للسفر، فضلا عن دوريات لعسكريين في هذه المواقع، مع فرض عمليات تدقيق وتفتيش جسدي بشكل منهجي.


وبعد ٤٨ ساعة فقط على هجمات بروكسل قامت القوات الفرنسية بمداهمات واسعة بضاحية «أرجنتوي» في شمال غرب باريس أسفرت عن اعتقالات هامة والقبض على شخص يدعى «رضا كريكيت» (٣٤ عاما)، وعثر في منزله على ترسانة أسلحة نارية وكمية كبيرة من المتفجرات من مادة «تي.إيه. تي . بي»، وهو نفس نوع المتفجرات التى استخدمت في هجمات ١٣ نوفمبر، وكانت أحد مكونات المتفجرات المستخدمة في مطار بروكسل.


إحباط عملية إرهابية جديدة


وصرح وزيرالداخلية الفرنسي برنار كازنوف -عقب هذه الاعتقالات- بأن «قوات الأمن قامت بعملية توقيف مهمة، وتم إحباط مخطط لتنفيذ اعتداء إرهابي في المراحل الأخيرة من الإعداد، فكان هناك شخص يحمل الجنسية الفرنسية تم توقيفه وهو متورط بدرجة كبيرة في هذا المخطط الإرهابي».


وأوضح أن عملية اعتقال «رضا كريكيت» تتعلق بشبكة خطيرة، وأن هذا الرجل يمثل خطرا إرهابيا كبيرا. فقد أدين «رضا» غيابيا في يوليو ٢٠١٥ لعشر سنوات ببروكسل مع «عبد الحميد أباعود»، قائد الفريق الذي نفذ هجمات باريس، لانتمائه لشبكة إرهابية تجند للقتال في سوريا.


وقد تزامنت المداهمات والاعتقالات التي قامت بها الشرطة الفرنسية بشمال غرب باريس مع عمليات مماثلة نفذتها السلطات البلچيكية ببروكسل للبحث عن باقي أعضاء الشبكة الإرهابية التي نفذت هجومي باريس وبروكسل، وكانت تستعد لعملية أخرى كبيرة بفرنسا، فالخلية الإرهابية المتورطة في الحادثين اللذين وقعا في البلدين الأوربيين واحدة.


أحد انتحاريي مطار بروكسل هو «نجم عشراوي» الذي وجد حمضه النووي على متفجرات استخدمت في هجمات ١٣ نوفمبر و ٢٢ مارس، حيث يشتبه تحضيره للأحزمة الناسفة، و»خالد البكراوي» انتحاري محطة المترو هو من استأجر الشقة في حي «فورست» ببروكسل الذي كان يختبئ به صلاح عبد السلام، وهو الشخص ذاته الذي استأجر أيضا بيت «شارلروا» ببروكسل، والذي استخدمه منفذو هجمات باريس كنقطة تجمعوا فيها قبل توجههم إلى العاصمة الفرنسية.


ومن بين المتورطين في الخلية «محمد بلقايد» الذي قتل برصاص الشرطة بينما كان يوفر التغطية النارية بمواجهة قوات الأمن حتى يتمكن صلاح عبد السلام وشخص آخر من الهروب عبر سطح شقة «فورست»، ويُعتقد أن بلقايد القائد الفعلي للخلية التي نفذت هجومي باريس وبروكسل، حيث إنه أعلى رتبة في صفوف داعش من عبدالحميد أباعود، بحسب المحققين.


ويرجح أن اعتقال صلاح عبد السلام هو ما دفع الخلية التابعة لداعش لتسريع تنفيذ اعتداءات بروكسل، ربما حتى لايكشف عنهم في التحقيقات، أو قبل أن يتم اعتقالهم، وتأكدت هذه الفكرة بعدما عثر على رسالة بالكمبيوتر المحمول الخاص بـ «إبراهيم البكراوي» انتحاري مطار بروكسل، والتي يقول فيها بأنه في حاجة إلى الإسراع لأنه لا يشعر بالأمان الآن، ولتخوفه من أن ينتهي به المطاف «إلى جانبه في السجن»، يقصد صلاح عبد السلام.


ومن المؤكد أن المشتبه بهم الرئيسيين في هجمات بروكسل هم جميعاً على علاقة ما بـ»صلاح عبد السلام» الذي قال في التحقيقات إن دوره في أحداث ١٣ نوفمبر اقتصر على بعض الأمور اللوجستية، كتأجير السيارات التي تم استخدامها في الهجمات وحجز غرف الفندق في باريس للإرهابيين.. وأنه كان من المفترض أن يفجر نفسه بحزام ناسف بملعب فرنسا الدولي «استاد دوفرانس»، إلا أنه تراجع.


وبغض النظر عن محاولة صلاح عبد السلام في أقواله من تصغير دوره في هجمات باريس، إلا أنه بلا شك سهل دخول إرهابيين إلى أوربا، فهو الذي ذهب في سبتمبر ٢٠١٥ إلى مدينة بودابست (المجر) للقاء اثنين هناك، وجلب معه هويتين مزورتين، تحمل واحدة اسم «سفيان كيال» وهي التي حملها انتحاري مطار بروكسل «نجم العشراوي»، فيما حمل «محمد بلقايد»، هوية مزورة باسم «سمير بوزيد».


بحث مستمر عن الإرهابيين


وقد علق الرئيس فرانسوا هولاند على عمليات البحث عن الإرهابيين بقوله: «لقد حققنا نتائج في عملنا للعثور على الإرهابيين، وتم اعتقال عدد من الأشخاص في بروكسل أو باريس، ونعلم أن هناك شبكات أخرى، لأنه حتى ولو أننا نقترب من القضاء على الشبكة التي ارتكبت اعتداءات باريس وبروكسل لايزال هناك تهديد قائم».


ومن جانبه، قال رئيس الوزراء الفرنسي مانيول فالس: «حتى اليوم تم تحديد أكثر من ٣٠ شخصًا مرتبطين باعتداءات باريس، ١١ منهم قتلوا، و١٢ معتقلين، ويتم البحث عن الآخرين، وهذه الاعتداءات نظمت من سوريا، وخططت من سوريا مع قاعدة موجودة في بلجيكا، وبالتأكيد في فرنسا».


ولاتزال القوات الفرنسية والبلجيكية تبحثان عن باقي العناصر التي تخشى السلطات في كلا البلدين أن تأخير توقيفهم قد يسرع وتيرة اعتداءات أخرى، وعلى رأسهم السوري «نعيم الحامد» المشتبه في اعتداءات باريس و»محمد عبريني»، الذي ظهر في كاميرات المراقبة ليل تفجيرات ١٣ نوفمبر مع صلاح عبد السلام حيث أقله بسيارته الى باريس.


تعاون أوربى لصيد الجناة


كما تتعاون كل من ألمانيا وإيطاليا مع فرنسا وبلجيكا في عمليات البحث، حيث اعتقلت الشرطة الألمانية شخصين أحدهما تلقى رسائل على الهاتف المحمول قبل ثلاث دقائق من التفجيرات تضمنت كلمة «النهاية» بالفرنسية، واسم «خالد البكراوي» انتحاري المترو.


وألقت الشرطة الإيطالية القبض على جزائري يدعى «جمال الدين عوالي» في منطقة ساليرنو جنوبي البلاد بموجب مذكرة اعتقال أوربية صادرة من بلجيكا، في إطار تحقيق بشأن وثائق مزورة استخدمها منفذو هجمات باريس وبروكسل، حيث يشتبه في إصدار «عوالي» وثائق مزورة لأشخاص لهم صلة بهجمات باريس وهجمات بروكسل.


وعلى المستوى السياسي، وجه الرئيس فرانسوا هولاند رسالة شديدة اللهجة الى أوربا طالب فيها بالضرورة الملحة لتبني البرلمان الأوربي اعتماد سجل موحد للمسافرين جوا، وتعزيز تبادل المعلومات، وتشديد الرقابة على حركة الدخول والخروج من حدود الاتحاد الأوربي، وإصدار تشريعات أكثر صرامة لمكافحة الاتجار بالسلاح وتمويل الإرهاب، إلا أن هذه التدابير قد تأخرت نظرا لمطالبة مجموعة تابعة لليسارالأوربي بضمانات بشأن البيانات الشخصية التي سيتم جمعها عن المسافرين.


وبشكل عام، تعيش فرنسا في حالة الطوارئ منذ ١٣ نوفمبر تسعى لتعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي بما يتلاءم مع حجم التهديدات التي تواجهها أوربا وعلى رأسها فرنسا. وقد كشف مانيول فالس موخرا عن أرقام تفصيلية جديدة تتعلق بالمنتمين لداعش، حيث قال إن ٦٠٩ أشخاص ما بين مواطن فرنسي ومقيم في فرنسا موجودون حاليا مع المقاتلين بينهم ٢٨٣ امرأة و١٨ قاصرا بينما قتل نحو ١٧٠ شخصا أثناء وجودهم في سوريا أوالعراق. وعاد ٣٠٠ إلى فرنسا من هذين البلدين. وتابع «وفي الوقت الحالي يود نحو ٨٠٠ الذهاب إلى منطقتي الحرب هاتين وفقا لأرقام جهاز المخابرات»، مضيفا أن ألف شخص يخضعون لرقابة مكثفة.


القاضي الفرنسي مارك تريفيديك، الذي تولى ملف مكافحة الإرهاب لمدة عشر سنوات، علق على القضية بقوله «عندما نرى حجم المعدات التي تم ضبطها في أماكن مختلفة وعدد الأشخاص المتورطين سواء في فرنسا او بلجيكا نقول إننا بالتأكيد قد نجونا من الأسوأ، وأنه بالتأكيد كان هناك تحضير لعمل مخطط له بشكل كبير». وتابع أن الإرهابيين حاليا في حالة ارتباك وبعضهم يتحرك في الشوارع.، ولا أعتقد أنه كان هناك شخص واحد في مخطط أرجنتوي مع كل ما تم إيجاده من متفجرات وأسلحة، فهذا يبدو لي مستحيلا، فهناك آخرون، لابد من إيقافهم في أسرع وقت، فبإمكانهم أن يقوموا بشىء كما حدث ببروكسل».


لغز استهداف بروكسل


رغبة داعش في الانتقام من بلچيكا التي تعد عاصمة أوربا حيث مختلف مقرات المنظمات الأوربية الكبرى، ولاسيما حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ليس فقط السبب الرئيسي وراء استهداف بروكسل. فبلچيكا - ووفقا لدراسة لمعهد الدولي لمكافحة الإرهاب»اي.سي.تي» - أكثر دولة أنجبت «جهاديين» من بين الدول الغربية وذلك مقارنة بعدد سكانها (١١.٤ مليون نسمة)، حيث إن ٢٧٠ بلجيكيا متواجدون حاليا بسوريا والعراق، وقد عاد نحو ٤٥٠ بحسب السلطات البلجيكية.


كما أن بلچيكا مثلها مثل فرنسا بها مناطق فقيرة ومهمشة يقطنها أبناء المهاجرين، بالإضافة الى ضعف المستوى التعليمي والثقافي والاجتماعي والاقتصادي في هذه المناطق مثل حي «مولنبيك» حيث إن ٤٠٪‏ من شبابه بين ١٨ -٢٥ عاما عاطلون، بحسب نفس الدراسة، كما أن تقارير إعلامية تشير إلى عامل «الثقافة السياسية»، ففرنسا وبلجيكا حتى الآن هما الدولتان الوحيدتان في أوربا اللتان تمنعان النقاب، مما يغذي شعور الكراهية.


ويقول خبراء أمنيون فرنسيون إن بلجيكا بها خلل أمني ووظيفي بين المؤسسات، وفشلت في رصد الإرهابيين على أرضها، كما أن السلطات البلجيكية كانت على علم بهجمات وشيكة ببروكسل ولم تتحرك حتى ولو لإحكام السيطرة على المطار، وربما ذلك ما دفع وزيرا العدل والداخلية البلچيكيان للاستقالة فور الاعتداءات لشعورهما بالفشل في تعقب الإرهابيين، إلا أن رئيس الوزراء شارل ميشل لم يقبل الاستقالة.


ولاتزال «عناصر داعش» تمثل خطراً كبيرا على فرنسا وبلجيكا، أكثر من بقية دول أوربا، على الرغم من الخسائر الفادحة التي تكبدها التنظيم موخرا لاسيما بسبب غارات التحالف الدولي على مواقعه الاستراتيجية، وبسبب تراجع إيراداته من بيع النفط المهرب، ومقتل أبي علاء العفري الرجل الثاني في التنظيم بغارة أمريكية في سوريا، ونجاح الجيش السوري في استعادة مدينة تدمر الأثرية، ومع اقتراب القوات العراقية من تحرير الموصل. ويؤكد المحللون الفرنسيون أنه مهما كانت الإجراءات الأمنية مشددة؛ فالمتطرفون كثيرون، والمتفجرات يتم تصنيعها يدوياً وليس صعبا على أي انتحاري تفجير نفسه في مكان مزدحم؛ وهذا بخلاف المقاتلين المرتقب عودتهم مَع قرب انتهاء التنظيم في سوريا والعراق.