بروكسل لن تكون الأخيرة موجة جديدة من الإرهاب تهدد أوربا

30/03/2016 - 11:21:23

تقرير تكتبه: عزة صبحى

أكدت تفجيرات بوركسل الأخيرة على فشل التدابير الأمنية التى اتخذتها أوربا عقب تفجيرات باريس فى نوفمبر الماضى وفى الوقت الذى يعكف فيه خبراء الأمن على بحث سبل مكافحة الإرهاب فى أوربا والوقاية منه يعكف خبراء آخرون على حل إشكالية أكثر أهمية وهى البحث عن الأسباب التى تدفع الشباب الأوربى إلى الانضمام إلى التنظيم الإرهابى داعش ومحاولة معالجتها، دون ذلك سيبقى الإرهاب فى أوربا لسنوات طويلة قادمة..


أكثر المتفائلين فى أوربا يؤكد أن القارة العجوز أن تمهد نفسها للتعايش لشهور طويلة قادمة تحت تهديد العمليات الإرهابية وطبقًا لتوقعات كثيرة الإرهاب سيطول دولًا أخرى مثل بريطانيا والمانيا وغيرهما من العواصم الغربية الهامة.


المعلومات القليلة التى تمكنت أجهزة الأمن الفرنسية والبلجيكية من الحصول عليها من صلاح عبدالسلام الذى ألقى القبض عليه قبل أيام فى حى مولانبيك الشعبى فى بروكسل كانت شديدة الخطورة خاصة أنه المشارك الوحيد الذى بقى على قيد الحياة بعد العمليات الإرهابية التى تعرضت لها باريس فى نوفمبر الماضى.


جاء فى هذه المعلومات أنه تمكن مع جماعته من تكوين شبكة إرهابية فى عدد من المدن الأوربية، وتم بالفعل اعتقال ثمانية عشر شخصًا حتى الآن فى ثمانى دول أوربية وأن الكثير من أفراد هذه الشبكة ليسوا من العائدين من سوريا أو العراق حيث “داعش” لكنهم مؤمنون بأفكار التنظيم.


من ضمن المعلومات المتاحة والتى نشرتها مجلة “الأيكونوميست” أن مجموعات صناعة القنابل تعمل فى أوربا من مواد تتواجد فى الأسواق مثل الترياسيتون تريبوروكسيد والذى يستخدم فى صناعة مزيل طلاء الأظافر مما ينتج عنه قنابل شديدة الانفجار.


أشارت المجلة أيضًا إلى أن أجهزة الأمن الفرنسية والبلجيكية اعترفت أنها ترصد أى اتصالات مريبة سابقة مثل عمليات باريس أو بروكسل، مما يدل على أن الشبكات الإرهابية تستخدم شفرات معقدة غاية فى السرية فى كل اتصالاتها سواء الإلكترونية أو التليفونية وذلك رغم تفعيل قوانين جديدة تتيح لأجهزة الأمن فى هذه الدول التنصت وتتبع الاتصالات بلا حدود.


وبذلك تبقى مشكلة نقص المعلومات هى أهم أسباب فشل أجهزة الأمن الأوربية فى ملاحقة الإرهابيين أو منع وقوع الجرائم وكانت فرنسا قد تقدمت بطلب إلى المجلس الأوربى منذ جريمة شارلى إبدو فى بداية عام ٢٠١٥ لإتاحة المعلومات بين كل الدول الأوربية مثل أسماء المسافرين وتنقلاتهم وغيرها من المعلومات ولم يتم إقرارها من البرلمان الأوربى حتى الآن، كما أكد اليوربول- الشرطة الأوربية- أن التعاون بين أجهزة الأمن الأوربية لم يصل إلى مرحلة التكامل فى مجال المعلومات، حيث يصطدم بالقوانين الخاصة بالسيادة فى كل الدول.


يرتبط تبادل المعلومات ارتباطًا وثيقًا بأعداد الشباب الأوربى سواء من الأصوال العربية أو من الأصول الأوربية الذين يقوم تنظيم داعش بتجنيدهم سواء بالاتصال الشخصى أو عبر وسائل التواصل الاجتماعى، حيث يملك التنظيم الحسابات على تويتر وفيس بوك وانستجرام، ويؤكد الخبراء أنه طالما استمر تنظيم داعش فى تجنيد شباب جدد فى صفوفه فلن تنجح أى تدابير أو قوانين فى هزيمة هذا التنظيم الذى وصل إلى عقر القارة الأوربية.


وتشير تقارير تابعة لمؤسسة الاستشارات الأمنية - صوفان- فى الولايات المتحدة إلى أن هناك واحدًا وثلاثين ألف شخص من ست وثمانين دولة على الأقل سافروا إلى الشرق الأوسط للالتحاق بداعش فى سوريا والعراق خلال عام ٢٠١٥ كما كان العدد لا يتجاوز اثنى عشر ألفًا عام ٢٠١٤ من ست وثمانين دولة، أشار نفس التقرير إلى أن تونس تأتى فى المرتبة الأولى عالميًا فى إعداد المنضمين إلى داعش بستة آلاف مسلح تأتى بعدها السعودية ألفين وخمسائة ثم روسيا بألفين وأربعمائة مسلح ثم تركيا ثم الأردن وعلى المستوى الأوربى تأتى فرنسا فى المقدمة بتعداد ألف وسبعمائة ثم بريطانيا وألمانيا بسبعمائة وستين مسلحًا لكل منهما أما بلجيكا فلديها أربعمائة مسلح من مواطنيها فى داعش وهو رقم كبير بالنسبة لعدد سكانها عاد من كل هؤلاء نسبة ما بين ٤٠٪ و٥٠٪ إلى بلادهم الأصلية بعد التدريب والقتال فى صفوف داعش فى سوريا والعراق.. مما يؤكد على كل التدابير الأوربية التى اتخذت فى العامين الماضيين مثل تجريم السفر إلى سوريا والعراق، ومنع سفر المشتبه فى رغبتهم فى الانضمام إلى داعش، كذلك قوانين سحب الجنسية والسجن والاعتقال للمشتبه فى انضمامهم للتنظيم الإرهابى لم تنجح فى تحقيق الغرض منها، وهنا يثار السؤال المهم وهو ما الأسباب وراء انضمام الشباب الأوربى سواء ذا الأصول العربية الإسلامية أو فى هؤلاء الذين اعتنقوا الدين الإسلامى فى السنوات الماضية.


إلى هذا التنظيم الإرهابى خاصة أن كلهم بدون استثناء ولدوا ونشأوا فى أوربا وتربوا على قيمها الثقافية والاجتماعية ويعيشون فى دول ديمقراطية عريضة حيث كان يعد هذا السبب بالذات هو التفسير الوحيد ضد خبراء الغرب لظاهرة الإرهاب فى دول الشرق الأوسط.


الإجابة عن هذا السؤال هى الشغل الشاغل الآن لكل خبراء العلوم التى تتعلق بهذه الظاهرة من أمن واجتماع وسياسة واقتصاد وعلم نفس وتاريخ وغيرها من العلوم، الاجتهادات والآراء متعددة فى هذا المجال ولم تصل بعد إلى إجابات نهائية لهذا السؤال. من بعض التفسيرات الهامة لظاهرة انضمام الشباب الأوربى إلى داعش وغيره من المنظمات الإرهابية هو جهل هؤلاء الشبان بصحيح الدين الإسلامى حيث كشفت الهجمات الإرهابية أن الشباب الذين قاموا بها كانوا فى فترة المراهقة محسوبين على الشبان غير المتدينين إضافة إلى الكثير منهم كانوا من أصحاب السوابق الإجرامية ودخلوا السجن فى جرائم مثل المخدرات أو السرقة، وهو نفس وضع المنتمين حديثا إلى الدين الإسلامي، حيث يقوم الدعاة المتشددون والمتطرفون من السلفية الجهادية باستقطاب هؤلاء بأفكار خاطئة عن الإسلام والجهاد لضمهم إلى التنظيمات الإرهابية. ويقول البروفسور الأمريكى جون هورجان المتخصص فى علم النفس السياسى ومدير مركز دراسات الإرهاب فى جامعة بنسلفانيا إن أسباب انضمام الشباب الأوربى إلى داعش ليس له علاقة بالدين مائة فى المائة.


لأن تنظيم داعش يبيع لهؤلاء الشباب خليط من الأوهام وخليطًا من الدين والمنافع الشخصية والسياسية، فهؤلاء الشباب يوعدون بالجنة والمغامرة والإثارة والمال لذلك الانتقام من قرون طويلة من الظلم والتفرقة والتغريب كما يشكل استخدام أفعالهم لإهانة الغرب مكافأة إضافية وفى دراسة أخرى لمعهد بروكنجز الأمريكى أكدت أن داعش يضع نفسه على أنه الفرقة الناجية أو الجماعة الوحيدة التى تتبع الحق وأنها تشكل المدينة الإسلامية الفاضلة التى تسعى لتكوين خلافة إسلامية على منهاج النبوة، فهى ترسم صورة رومانسية للعنف تبدأ باعتباره عنفًا من أجل فكرة نبيلة ثم يتطور إلى اعتباره لعبة سهلة مثل ألعاب الفيديو التى لاتنتهى أبدا وأن مات البطل فبإمكان اللاعب أن يبدأ اللعبة من جديد ويكون مصيره الجنة.


لكن هنا لابد من الإشارة إلى أن أفكار داعش المغلوطة لاتلقى تأييدًا إلا فى أوساط اقتصادية واجتماعية محدودة بالنسبة للأوربيين ذوى الأصول العربية الإسلامية وهو مايحدث منذ عام ١٩٩٥ ولم تحاول الدول الأوربية ايجاد حلول له حتى الآن. ذلك أن كل المتورطين فى أعمال ارهابية فى فرنسا وبلجيكا وغيرهما من الدول الأوربية كانوا يعيشون فى أحياء ومناطق للفقراء المهمشين التى تعانى من البطالة وسوء الخدمات سواء تعليمية أو مواصلات كذلك من نظرة عنصرية من المجتمع الذى يعيشون فيه ويحملون جنسيته، حيث يشعر هؤلاء بالإحباط واليأس والظلم مماى دفعهم إلى الاقتناع بمثل هذه الأفكار المتطرفة. هذا فضلا عن أزمة الهوية التى يعيش فيها الكثير من الأوربيين ذوى الأصول العربية والإسلامية حيث يولدون فى أوربا وربما لم يغادروها ولايعرفوا كلمة واحدة باللغة العربية لكن أسرهم انشئتهم على القيم المحافظة أو الرافضة للقيم الثقافية العامة فى المجتمع مما ينتج عنه أزمة هوية خطيرة لبعض الشباب.


البحث فى أسباب انضمام الشباب الأوربى إلى تنظيم داعش قد يستغرق وقتًا طويلًا لكنه يستلزم مصارحة ومكاشفة من أوربا والغرب على مسئولية هذه الدول فى نمو ظاهرة الإرهاب داخل أوربا وفى العالم ومن أهمها ازدواجية المعايير التى يتعامل بها العالم الغربى خاصة مع العالم العربى والإسلامى، فضلا عن النظرة العنصرية تجاه مواطنيه ذوى الأصول العربية الإسلامية ولعل رأى خافيير سولانا الذى عمل ممثلا للسياسة والأمن الأوربى من عام ١٩٩٩ إلى عام ٢٠٠٩ أفضل ملخص لأسباب ظاهرة انضمام الشباب الأوربى إلى الإرهاب حيث أكد أن أوربا لا تلقى نظرة فاحصة على نفسها ويتعين عليها أن تدرك أن الجيلين الثانى والثالث من المهاجرين أكثر عرضة لإغراءات المنظمات الإرهابية لأن المواطنة الأوربية لم تترجم إلى اندماج اجتماعى واقتصادى حقيقي».