حكايات الرئيس مع المثقفين

30/03/2016 - 10:17:42

يوسف القعيد عضو مجلس النواب

أفاضت الصحف اليومية كالعادة فى ذكر ما جرى فى لقاء الثلاث ساعات الذى جرى بين الرئيس عبد الفتاح السيسى و٢٥ من المثقفين والأدباء والكتاب المصريين. من بينهم واحد وعشرون كاتباً ومثقفاً وأربع مثقفات فقط. وهى نسبة لا تعكس تضاريس التعداد السكانى ولا حجم التأثير العام فى مصر بين الرجال والنساء ولا حجم الكاتبات المصريات وتأثيرهن بالنسبة للثقافة المصرية الآن. أول ما صدر عن اللقاء كان البيان الرسمى الذى أعلنه السفير علاء يوسف، متضمناً الخطوط العامة والعريضة لما قاله الحضور وبعض الردود التى أدلى بها الرئيس رداً على تساؤلات البعض. لكن يبقى الجانب الإنسانى فى هذا اللقاء وهو ما لا نتوقف أمامه طويلاً. بل إن الزملاء الذين حضروا اللقاء وخرجوا يدورون على الفضائيات ويردون على المداخلات التليفونية يحكون ما جرى. فإن كلا منهم يركز على ما قاله هو شخصياً. ويبرزه باعتباره أهم ما قيل. ولا مانع من أن يدعى البعض أنه احتد على الرئيس، مع أن هذا لم يحدث.


من الأمور الجديدة فى هذا اللقاء دعوة وزيرين سابقين للثقافة لحضور اللقاء، هما الدكتور صابر عرب، والدكتور جابر عصفور. وهو تقليد جديد، لم نعرفه من قبل ولفتة إنسانية أكثر من نادرة، ومما يؤكد لى أن الرئيس هو الذى يقف وراءها. أو ربما مؤسسة الرئاسة والقائمين على العمل فيها أننا عندما دخلنا إلى مكان اللقاء مع الرئيس كانت هناك لافتات تحدد للوزيرين أماكن جلوسهما فى أقرب مكان للرئيس.


قبل الرئيس السيسى كان الوزير يخرج من الحكومة وكأنه فى حالة عداء معها. ومع الدولة كلها. ومع الرئيس شخصياً. وتنقطع صلته بكل ما فى الدولة. وكأن الاستغناء عنه نهاية المطاف وآخر العلاقة ينه وبين مصر كلها.


لكن الرئيس السيسى يريد أن يرسى تقاليد جديدة ويعتبر العلاقة بين المواطن ووطنه قائمة ودائمة ومستمرة. بصرف النظر عن موقعه ودوره حتى لو كان هذا الموقع وهذا الدور هو منصب ومقعد الوزير.


ولكى ندرك أهمية ما جرى. فلا بد أن نعرف أن الدكتور جابر عصفور كان قد أجرى حواراً مع جريدة المصرى اليوم قبل هذا اللقاء بأيام قليلة. انتقد فيه الرئيس السيسى. وموقفه من الثقافة فى مصر. وكان عنوان الحوار الذى طالعناه فى الصفحة الأولى من الجريدة أن الرئيس السيسى يهتم باستصلاح الأراضى ولا يهتم بالثقافة المصرية. وتساءل جابر: هل قابل الرئيس السيسى فى إحدى المرات وزير الثقافة ؟


ولولا أننى أعرف أن هذا اللقاء يتم الإعداد له منذ فترة. وأنه لولا جولة الرئيس الآسيوية لكان قد تم قبل ذلك. لولا هذا لقلت إن اللقاء تم بعد انتقادات جابر عصفور، لكن كون اللقاء تم وأن جابر عصفور أحد المدعوين، الذى جلس على يسار الرئيس مباشرة بترتيب من الرئاسة يؤكد أن رئيس مصر الآن يفرق بين الثوابت والمتغيرات. فمن حق جابر عصفور أن يقول رأيه – مثل أى مصرى – حتى لو كان هذا الرأى انتقاداً للرئيس. لكن هذا لا يمنع من دعوته لحضور مثل هذا اللقاء.


إنها المرة الأولى التى يدعى وزير سابق لحضور لقاء الرئيس مع المثقفين باعتبار أن الوزيرين جاءا للوزارة وخرجا منها، وكل منهما يتمتع بصفة مثقف. وبدور مثقف فى بلده. وأتمنى ألا يكون الأخير. وألا تعتبر تلويحة الوداع التى يلوحها الوزير لمكتبه بعد ترك الوزارة هى تلويحة وداع لمصر ومكونات مصر ووجدان مصر.


كانت معنا وجوه جديدة تحضر لقاء الرئيس مع المثقفين لأول مرة. وتجديد الدماء مطلوب. لأن تثبيت الأسماء ضد طبيعة الأشياء وتطور الحياة وقدرة مصر على إفراز أسماء جديدة فى كل وقت. واستمرارية العطاء المصرى منذ فجر التاريخ وحتى الآن. كان معنا المثقف والمفكر أحمد بهاء شعبان. صاحب المؤلفات الكثيرة. ولأنه إنسان منظم وصل إلى الرئاسة ومعه بعض هذه المؤلفات. قدمها لمسئولى المراسم هدية منه لمؤسسة الرئاسة. صحيح أنه رئيس حزب سياسى. لكن صفته الثقافية تسبق أى صفة أخرى. فضلاً عن أنه مُنشئ ومقرر لجنة الشباب بالمجلس الأعلى للثقافة.


كان معنا يوسف معاطى، السيناريست وكاتب معظم إن لم يكن كل أعمال الفنان عادل إمام الأخيرة. سواء فى الدراما التليفزيونية أو الأفلام السينمائية. وإن كان يوسف يحضر لأول مرة. فهو معروف لنا جميعاً. بل وصديق للبعض منا. وكان معنا الصحفى يسرى الفخرانى الذى وصل فى اللحظات الأخيرة قبل اللقاء. وحيا الحضور ونحن فى قاعة اللقاء مع الرئيس قبل حضور الرئيس مباشرة.


جلال أمين سبق أن حضر معنا اللقاء الذى تم بعد انتخاب الرئيس السيسى رئيساً لمصر قبل عامين من الآن. ويومها لم يتكلم. وقد سأله الرئيس السيسى وهو يصافحنا مودعاً. لماذا لم نستمع إليه؟ قال له جلال أمين فى المرة القامة بإذن الله سأتكلم. وهذه المرة تكلم مطولاً. معتمداً على دراساته وتخصصه ألا وهو ميدان الاقتصاد. ورغم أنه باحث علمى جاد. إلا أن كلامه جاء على شكل حكايات، مما يؤكد لى يقينى الخاص تجاه جلال أمين أنه حكَّاء ضلّ طريقه إلى الدراسات.


هذا الانطباع تجاه جلال أمين تولد لدىَّ عندما اشتركنا معاً فى كتابة فيلم تسجيلى للتليفزيون البريطانى قبل سنوات. كتب جلال أمين بالمادة العلمية. وقمت أنا بكتابة السيناريو والحوار. وكان عنوان الفيلم: شعب من المهاجر، ويومها سافر معى جلال أمين إلى قريتى الضهرية لكى يشاهد جذور فكرة الهجرة خارج البلاد، كيف تنشأ فى قلب قرية مصرية؟.


قال جلال أمين إنه عندما كان يُحَضِّرُ للدكتوراه فى إحدى الجامعات البريطانية قدَّم بحثاً عنوانه: مشكلة الغذاء وكيف تتم مواجهتها فى مصر؟ كان هذا فى أواخر خمسينيّات القرن الماضى أو أوائل الستينيّات. ثم ركب الباخرة العائدة لمصر. يحكى جلال أمين أنه كان يستقل الباخرة عائداً لمصر، كان يتوقع أن المسئولين المصريين سيتصلون به فوراً، ويطلبون منه أن يساهم فى حل مشكلة الغذاء فى مصر.


ثم مضت السنوات تلو السنوات، ولم يطلب منه أحد حتى هذه اللحظة المساهمة فى حل مشكلة الغذاء فى مصر, التى تفاقمت وأصبحت من التحديات التى تواجه المجتمع المصرى، ربما كانت أكثر حِدة من الوقت الذى عاد فيه من بريطانيا إلى مصر قبل حوالى نصف قرن من الزمان.


لكن أطرف ما قاله جلال أمين عندما حكى حوارا جرى بينه وبين صحفية كندية. سألته سؤالاً لو أصبحت رئيساً لمصر، ما القرارات الأولى التى تتخذها فوراً ؟ قال جلال أمين إنه لديه قرارات سيتخذها بمجرد أن يصبح رئيساً لمصر – لاحظ أن جلال أمين يحكى هذا الكلام لرئيس مصر الرئيس عبد الفتاح السيسى – القرار الأول أن يعزل المسئولين فى الصفوف الأولى فى مصر جميعاً. ومرة واحدة – لاحظ للمرة الثانية عزيزى القارئ أن هذا الكلام كان يقال قبل يوم واحد من حلف الوزراء الجُدد اليمين الدستورية أمام الرئيس، فى نفس المكان الذى كنا نجلس فيه مع الرئيس – إما لأنهم لا يصلحون للقيام بالوظائف الموكلة لهم من قبل مصر والمصريين.


يبقى القرار الثانى: ألا وهو قطع أى وسائل اتصالات بين الإدارة المصرية وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية فى مصر. كان جلال أمين قد تجاوز وقته بكثير فى الكلام. لذلك لم يشرح ولا يستفيض عن سبب قطع الاتصالات مع سفارة الولايات المتحدة فى مصر. وربما كان الأهم هو ما لم يقله جلال أمين حول قطع الاتصالات بين الدولة المصرية الراهنة وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية فى مصر.


محمد سلماوى، الكاتب المسرحى والروائى طلب من الرئيس بعد انتهاء اللقاء طلباً. حسدته عليه. بالتحديد على شجاعته، عندما قال للرئيس إن حفيده على سلماوى عندما علم أن محمد سلماوى سيذهب صباح الغد لمقابلة الرئيس عبد الفتاح السيسى، طلب منه أن يذهب معه لحضور اللقاء. لأنه يريد التقاط صورة مع الرئيس. فقال له سلماوى أن هذا لا يصح وأن اللقاء مخصص لعمل محدد، فضلاً عن أن على غير مدعو لحضور اللقاء مع جده.


كان سلماوى يحمل معه منذ مجيئه أجندة ورقها أزرق. وقد طلب سلماوى من الرئيس أن يكتب كلمة لحفيده. وقد استجاب السيسى فوراً وكان سعيداً فى استجابته. وأمسك بالأجندة وكتب كلمة لعلى سلماوى، نشرها محمد سلماوى على موقعه فى شبكات التواصل الاجتماعى.


عند لحظات الانصراف عندما كان الرئيس يصافحنا، سمعته يقول لعبد الله السناوى إن مقالاته – يقصد مقالات عبد الله السناوى فى جريدة الشروق – متعبة ومضنية عند قراءتها.


لم أسمعه ينادى أياً من المثقفين من اسمه مجرداً. رغم أن هذا ربما كان من الأمور المعتادة من رؤساء الوطن، بل ربما اعتبره البعض محاولة لإزالة الحواجز والتقارب الإنسانى. لكن الرئيس ينادى كل شخص مسبوقاً بكلمة أستاذ أو لقب دكتور. ومهما تكرر الكلام فهو لا يذكر أى اسم مجرد. ولم أشاهده أبداً يستخدم حقه فى نطق الاسم المجرد مع أحد أياً كان.


فى لقاء الأسبوع الماضى. قبل أن ينتهى اللقاء قال ببساطة محببة. مخاطباً المثقفين:


- أخشى أن يتصور كل منكم أنه غسل يديه من مشاكل البلد. أمامنا عمل كثير. ولذلك فأنا أتصور أن نلتقى بعد شهر من الآن. وتكونوا قد حولتم ما استمعتم إليه من كلمات إلى ورق مكتوب، يمكن أن يكون مفيداً فى مواجهة مشاكل مصر الآن، والأهم مستقبل مصر