اجتماع الرئيس بالكتاب والمثقفين.. بردا وسلاما على قلوب المصريين

30/03/2016 - 10:13:23

  الرئيس فى حوار مع المثقفين خلال لقائه بهم الأسبوع الماضى الرئيس فى حوار مع المثقفين خلال لقائه بهم الأسبوع الماضى

بقلم - السفير: د.عزمى خليفة

نزل اجتماع الرئيس عبدالفتاح السيسى بالكتاب الصحفيين بردا وسلاما على قلوب المصريين، خاصة أن الرئيس كلفهم بالتقدم بتوصيات محددة بشأن المشكلات التى تواجه مصر واعدا أن يكون اللقاء شهريا، وفى نفس الوقت أوضح نقيب الصحفيين الأسبق الأستاذ ضياء رشوان فى بعض الأحاديث التليفزيونية أن مجموعة الكتاب التى اجتمعت بالرئيس ستكون لجانًا تجتمع بباقى الصحفيين للتعرف على وجهات نظرهم بشأن المشكلات المطروحة للنقاش.


أهمية هذا اللقاء تعود إلى أنه لأول مرة يفتح الرئيس قلبه بمشكلات مصر خارج الإطار الرسمى أى لمجموعة معينة من النخبة المصرية المناط بها أساسا إلقاء الضوء على هذه المشكلات ويستمع إليهم وإلى طرحهم، وهى خطوة إيجابية بكل ما تعنى الكلمة من معانٍ لأن الرئيس تعود أن يستمع إلى مختلف أجهزة الدولة، ولكنه بهذه الخطوة يزيل الساتر بينه وبين الشعب مباشرة بالاستماع إلى جزء معين من النخبة. 


كذلك ترجع أهمية اللقاء إلى ما صرح به الرئيس السيسى من أن الرئيس الأسبق مبارك قد أوصل مصر إلى الأرض أو «جابها على الأرض» كما ذكر نصا وهو أمر كان ملحوظا فى عصر مبارك نفسه، فالرئيس الأسبق مبارك لم يثر الشعب عليه من فراغ، ففى آخر عشر سنوات من حكمه كان مريضا ولم تكن صحته تتناسب والمجهود المطلوب منه بذله كرئيس لأكبر دولة عربية، إضافة إلى وجود تنظيم رسمى للحكم يترأسه الرئيس وآخر غير رسمى برئاسة نجله جمال مبارك، مما أدى لاختلاط الأمور، ومن ثمّ أصبح من الضرورى مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع فى مصر. 


من ناحية ثالثة فإن هذا اللقاء يكتسب أهميته من رغبة الرئيس فى إشراك المجتمع فى إيجاد حلول لمشكلات مصر وهى خطوة إيجابية هامة لأكثر من سبب، السبب الأول أن قضايا الوطن ينبغى أن تكون حلولها بالتعاون بين الدولة وأجهزتها من ناحية وبين المجتمع ومؤسساته من ناحية أخرى، كما أن المواطن يتحمل التكلفة الاقتصادية للحلول فى شكل ضرائب وإلغاء الدعم، فمن المهم للغاية اقتناعه بالحلول المطروحة، وطالما أنه ساهم فى صياغتها فلابد أن يدفع هذه الحلول بقوة، إضافة إلى أن مشاركته للدولة فى الخروج من الأزمة التى تمر بها البلاد يتسق والتطورات التى شهدتها مصر فى ٢٥ يناير ٢٠١١، فالثورة لم تكن من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، فجميعنا ندرك جيدا أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب صياغة سياسات تسمح فى نهاية المطاف بتحقيق هذه الأهداف، ولكنها قامت ضد إقصاء الشعب عن الحكم، وقامت بذلك مرتين فى أقل من عامين الأولى فى ٢٥ ينايروالثانية فى ٣٠ يونيه، فى المرة الأولى قامت الثورة ضد مبارك أى ضد حكم مدنى قرر إقصاء الشعب عن معادلة الحكم وفى المرة الثانية قام الشعب بثورته ضد حكم الإخوان المسلمين أى ضد الحكم الإسلامى الذى استعجل إقصاء الشعب عن معادلة الحكم، فهذا الشعب كان يبحث عن ذاته، كان يبحث عن حقه فى حكم نفسه بنفسه، كان يبحث عن المشاركة السياسية ولم تتحقق فى المرتين مع حكم ذات طبيعة مدنية ومع حكم ذات طبيعة دينية، وحققه مؤخراً الرئيس السيسي. 


لهذه الأسباب استقبل الشعب المصرى أنباء الاجتماع وما تمخض عنه من نتائج بكل ترحاب، وهو ما عبر عنه الأستاذ ضياء رشوان بتفاؤل تمثل فى تصريحه بأن المجموعة التى التقت بالرئيس ستبدأ فى تشكيل لجان وتضم إليها أعضاء ممن لم يلتقوا بالرئيس وهو أمر جيد ويتطلب الانفتاح على جميع مراكز الفكر الموجودة فى مصر ويمكنها الإسهام فى حل مشاكل مصر، فالصحافة وظيفتها إلقاء الضوء على المشكلات التى تعانى منها الدولة والمجتمع على السواء، وليس وظيفتها حل هذه المشكلات، فالحل فى يد الخبراء المتخصصين. 


من هذا المنطلق فمن المناسب انفتاح المجموعة الصحفية على مراكز الفكر المختلفة والمتخصصين المهتمين بالشأن العام حتى يساهموا فى صياغة التوصيات المطلوبة للمشكلات التى تعانى منها مصر، خاصة أنها مشاكل ليست وليدة اليوم ولكنها متراكمة منذ قرابة عشرين عاما ومطروح حلها فى وقت يتعرض فيه الوطن لهجمتين شرستين إحداهما من الخارج ممثلة فى الهجوم الإعلامى والدبلوماسى الذى يستهدف حقوق الإنسان فى مصر إثر إعادة فتح قضية تمويل المجتمع المدنى، وهى قضية استشعر فيها أحد القضاة المحترمين الحرج وهو صاحب المقام الرفيع قولا وعملا المستشار محمد شكرى، حينما طلب رئيس لجنة الانتخابات الرئاسية تناول القضية بطريقة معينة لتحقيق مواءمة سياسية لم تكن مطلوبة، تقابلها هجمة أخرى فى الداخل من بعض أنصار الثورة المضادة لإعادة زواج السلطة من رأس المال وهو أمر مرفوض شعبيا وسياسيا، فالثورة المضادة لن تتخلى عن أهدافها ومطلوب لمواجهتها تلاحم الشعب مع القيادة السياسية، فهذا التلاحم هو الضمان الرئيسى لاستمرار الثورة على حساب الثورة المضادة، وفى هذا المجال يحضرنى أن الرئيس الأمريكى يساعده إلى جانب المؤسسات الرسمية مثل مستشار الأمن القومى ووزارة الخارجية والوزارات المختلفة وأجهزة المخابرات البالغة ١٦ جهازا فى الولايات المتحدة الأمريكية عدد هائل من المجالس الرئاسية وهى مجالس متخصصة تزيد على خمسة وعشرين مجلسا يعمل بها حوالى ١٩٠٠ مسئول بدوام كامل خلاف من يعمل بعض الوقت، وهذه المجالس فى حقيقة الأمر هى المبادر الأول بمعظم القوانين وبدراسة الظواهر الجديدة التى تشكلت فى المجتمع وانعكاساتها المختلفة، وفى بعض الأحيان تدرس مسائل عسكرية، فالموضوعات العسكرية هى موضوعات سياسية أصلا ولكنها ترتبط باستخدام القوات المسلحة، فالجيش أى جيش ولأى دولة هدفه تحقيق مصالح الدولة التى عجزت السياسة عن تحقيقها


أهم نتيجة لهذا الاجتماع الانفتاح على الثقافة المدنية التى هى أساس تكوين مصر، وهى الثقافة التى منحت للعالم أجمع الإسلام الوسطى، وهو ما دفع مصر الى إعادة تصدير الإسلام الوسطى، حتى للبلد الذى نزل الإسلام فيه وهى السعودية، كما ذكر الشيخ الشعراوى ذات يوم. 


ولذا فإن جميع التيارات الإسلامية المتشددة والتى لا تأخذ بالنهج الوسطى وفى مقدمتها الإخوان المسلمون لم تجد فى مصر تربة خصبة، فكما ذكرت مصادر إخوانية من قبل أن عدد أعضاء الجماعة لم يتجاوز المليون فى بلد يبلغ تعداد سكانه ٩٠ مليونا، 


إننا هنا إزاء ظاهرة تنفرد بها مصر عن غيرها من الدول، فقد استعمرت دول العالم مصر وكانت ميزة مصر بصفة دائمة أنها تستوعب التغيير وتؤثر فى غيرها، ولذا فقد استوعبت الإسلام ودرسته ونجحت فى فهمه وقامت بإعادة طرحه على عدد من الدول الإسلامية بما فى ذلك السعودية بعد أن نجحت فى خلطه بثقافتها المدنية فأنتجت إدراكا وسطيا للإسلام تم إعادة تصديره مرة أخرى،


إذن ثقافة مصر المدنية هى روحها التى تصبغ الآخر بها وهى جوهرها الذى يصبغ كل جديد به، 


ومن ثم فهذه الثقافة المدنية هى أساس مصر.