فى الذكرى الـ٣٩ لرحيل العندليب: عندما ردت أم كلثوم على حليم: «أنا مستنياك يا واد»!

30/03/2016 - 10:06:05

كتب - محمد الحنفى

علها واحدة من المفارقات الغريبة وسخريات القدر أن يموت العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ رسول الغرام وصاحب أكبر رصيد من الحب فى قلوب ملايين العشاق على مدى تاريخ الغناء العربي، تاركا ثروة فقيرة مقارنة بما تمتلكه أنكر الأصوات الآن، يادوب «حتة « سيارة فيات من طراز ١٣١ وشقة تطل على حديقة الأسماك فى الزمالك وقطعة أرض فى شارع جامعة الدول العربية وأخرى فى الهرم وشاليه فى العجمى وأيضا نصيبه فى شركة «صوت الفن»، وقدرت جميع هذه الممتلكات وقتها بما لا يتعدى الـ «٢ مليون جنيه»، والغريب أنه اضطر إلى إعادة سيارة أهداها له الملك سعود رحمه الله لعدم قدرته على دفع جمركها « ١١ ألف جنيه»!


الله يرحمك يا «حُلُم» رحلت قبل ما تعيش أيام العز والرولزرويس والهامر والبورش والطائرات الخاصة والأحذية المرصعة بالألماس وسكن القصور وأرصدة بملايين الدولارات .. تعادل ميزانيات دول!


فى ذكرى وفاته الـ٣٩ اخترت الكتابة عن بعض الحكايات النادرة والتواريخ والأرقام التى صنعت للعندليب تاريخه.


قطعاً ليس هناك أهم من تاريخ ميلاده يوم ٢١ يونيه من عام ١٩٢٩ بقرية الحلوات التابعة لمحافظة الشرقية، وكان ترتيبه الرابع بين إخوته إسماعيل ومحمد وعلية، وذاق حليم علقم اليتم مبكراً، حين توفيت أمه بعد أيام من ولادته، ثم لحق بها والده قبل أن يتم عامه الأول؛ ليتولى خاله الحاج متولى عماشة تربيته هو وإخوته .


وفى السابعة من عمره أصيب عبد الحليم بمرض البلهاريسيا نتيجة استحمامه فى الترعة، ليكون ذلك المرض اللعين سبباً فى عذابه طيلة حياته ثم وفاته .


وبعد أن تأكدت موهبته الغنائية فى مراحل الطفولة والصبا التحق العندليب بمعهد الموسيقى العربية قسم التلحين عام ١٩٤٣ بينما كان زميله الموسيقار الكبير الراحل كمال الطويل يدرس فى قسم الغناء وتخرج الاثنان عام ١٩٤٨.


وفور تخرج الفنان الكبير عمل مدرساً للموسيقى، ثم استقال بعد أن تم تعيينه فى الإذاعة المصرية عازفاً وليس مطرباً؛ لأن صوته لم ينل إعجاب لجنة الاستماع وقتها؛ ليبدأ مشواره الفنى عام ١٩٥٠ بأجر لم يتجاوز الـ٣٥ جنيهاً شهرياً من وظيفته كعازفٍ لآلة «الإيبوا « !.


ولم يصب الإحباط العندليب، أو يجعله يتراجع عن فكرة الغناء بل ازداد إصراراً وظل يُجرى تمارين متواصلة لصوته، كما أخذ يغنى فى حفلات كثيرة حتى كان عام ١٩٥٣ تاريخاً فاصلاً فى حياته حين غنى بحديقة الأندلس بمناسبة العيد الثانى لثورة ٢٣ يوليو، وقدم يومها أغنية «صافينى مرة»، ومن هنا بدأت شهرته.


وفى عام ١٩٥٤ اعتمدته الإذاعة مطرباً ومنحه الإذاعى الراحل حافظ عبد الوهاب اسمه الأول ليصبح عبد الحليم حافظ بعد أن كان عبد الحليم شبانه .


وفى نفس العام بدأ حليم رحلة البزنس فى عالم الغناء، من خلال واقعة رواها صديقه الراحل مجدى العمروسي، كانت بين حليم والمنتج بطرس البيضا صاحب شركة كايروفون الذى أراد طبع أغنية «فوق الشوك» وتوزيعها مقابل ٢٠٠ جنيه، لكن العندليب رفض وطلب فيها ٢٠٠٠ جنيه مع نسبة ٢٠ فى المئة من إيرادات فيلم «بنات اليوم « الذى كان من المفترض أن يقوم ببطولته، ويغنى فيه الأغنية، وكان لها هى الأخرى قصة طريفة ربما لا يعلمها البعض، فقد كتبها مهدى على ولحنها كمال الطويل، وكان من المفترض أن يغنيها الفنان الكبير محمد قنديل الذى كانت سيدة الغناء العربى أم كلثوم مغرمة بصوته، وترى أنه يملك حنجرة بها صوت يضاهى صوتها فى القوة والأداء، لكن قنديل رفض أن يغنيها بحجة أن كمال الطويل كان وقتها مُلحنًا ناشئاً ومهدى على مؤلفاً مغموراً؛ لتكون من نصيب حليم ! أعود مرة أخرى إلى رفض عبد الحليم ذلك العرض المادى الذى قدمه بطرس البيضا، فقد تسبب فى فشل الصفقة وتوقف المشروع حتى التقى العندليب بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وتناقشا معاً فى فكرة إنشاء شركة إنتاج.


وبالفعل شرع الاثنان ومعهما المصور السينمائى وحيد فريد فى الإعداد لتأسيس شركة صوت الفن وكان لحليم وعبد الوهاب نسبة ٧٥٪ مناصفة بينما كان لوحيد فريد ٢٥٪. وفى الخامس من يناير عام ١٩٧٥ دخل مجدى العمروسى شريكًا رابعًا بواقع ١٥ فى المئة تنازل عبدالحليم حافظ عن نصفها والنصف الآخر تنازل عنه محمد عبدالوهاب، ومن خلال هذه الشركة بدأ حليم مرحلة جديدة فى حياته مع عبدالوهاب.. وقدما أعمالهما الفنية بداية من أغنية «قالوا لى هان الود عليه» التى غنتها فايزة أحمد وغناها عبدالوهاب بصوته، ولم تكن من إنتاج الشركة فى البداية بل كانت من إنتاج شركة كايروفون، ثم بدأت «صوت الفن» تنتج أعمال عبدالحليم، وكان أول إنتاجها الغنائى «قلى حاجة» التى تم تصويرها فى الأوبرا القديمة عام ١٩٦٠. ولم تنتج الشركة أعمالاً سينمائية لحسابها إلا فى عام ١٩٦٢، وكان أول إنتاجها فيلم «الخطايا» الذى غنى فيه حليم أغانى «قلى حاجة، ومغرور ولست أدرى وحياة قلبى وأفراحه».


ومن الحكايات المثيرة والغريبة كانت حالة العداء أو دعونا نسمها الخلاف الكبير بين العندليب وموسيقار الأجيال فى بداية تعاونهما وشراكتهما الفنية من أجل تنفيذ عقد فيلمين وقعاهما من خلال شركة صوت الفن عام ١٩٥٤ وتقاضى عبدالحليم عنهما مبلغ ٦٠٠ جنيه، ومر عام ولم ينفذ عبدالوهاب وعده، بل اختفى تماماً عن أنظار حليم الذى أخذ يطارده كى يبدأ تصوير أول فيلم منهما دون جدوى، وبعد أن ذاعت شهرة عبدالحليم بأغنية (على قد الشوق) أرادت المنتجة مارى كوينى استثمار نجاحه، فاتفقت مع المخرج الراحل إبراهيم عمارة على أن يخرج له قصة «لحن الوفاء « التى ألفها محمد على سامي، وكتب لها السيناريو والحوار إبراهيم عمارة وسيد بدير، وتم استدعاء عبدالحليم حافظ لكى يمثل الدور الأول أمام الفنانة الكبيرة شادية والفنان حسين رياض والفنانة زوزو نبيل.. لكن عقده مع عبدالوهاب وقف عقبة كبيرة أمام إتمام المشروع الحلم قبل أن يكون الفيلم، وحاولت مارى كوينى مع عبدالوهاب حتى يستثنى عبدالحليم من شرط عدم العمل مع الغير.. لكنه رفض وتأجّل تصوير الفيلم إلى موعد آخر حتى يتنازل عبدالوهاب عن موقفه المتعنت، ثم جاءت عبدالحليم فرصة أخرى أمام سيدة الشاشة فاتن حمامة وعمر الشريف وأحمد رمزى الذى كان وجهًا جديدًا فى ذلك الوقت، فى فيلم (أيامنا الحلوة) من إخراج حلمى حليم، وهنا ضرب حليم عرض الحائط بعقد عبدالوهاب ووقع لـ»أيامنا الحلوة» وبدأ التصوير فعلاً.. فى الوقت الذى أقامت فيه مارى كوينى دعوى ضد عبد الوهاب تطالبه فيها بفسخ عقد الإذعان الذى وقعه مع عبد الحليم، وعندما شعر موسيقار الأجيال أن حليم على وشك أن يكسب القضية طلب مقابلته وأعطاه تصريحاً للعمل فى أفلام الغير، بشرط أن يكون تحت أمر شركة صوت الفن فى أى وقت، وكان هذا التصريح نافذة الأمل والمجد والشهرة فى حياة العندليب الذى طار من الفرحة وذهب إلى مارى كوينى يبشرها بالنبأ السعيد، وتخلصه من قيد عبد الوهاب الذى كاد ينهى حياته الفنية فى بداياتها. وبدأ حليم تصوير فيلم «لحن الوفاء» بعد أن انتهى من تصوير «أيامنا الحلوة» الذى كان فى مراحل التجهيز الأخيرة للعرض التجارية .


وانطلقت مسيرة حليم فى السينما وأصبح فتاها الأول ومعبود الجماهير حيث قدم ١٦ فيلما (لحن الوفاء، أيامنا الحلوة، ليالى الحب، أيام وليالي، موعد غرام، دليلة، بنات اليوم، الوسادة الخالية، فتى أحلامي، شارع الحب، حكاية حب، البنات والصيف، يوم من عمري، الخطايا، ثم معبودة الجماهير وأبى فوق الشجرة).


ومن خلال هذه الباقة من الأفلام التى لا تزال تحظى بمشاهدة عالية عند إذاعتها على الشاشة الصغيرة نرصد أجر العندليب الذى بدأ بـ٣٠٠ جنيه، ثم ٨٠٠ عن دوره فى أضعف أفلامه «دليلة « ثم ٨٠٠٠ جنيه فى «شارع الحب « مع صباح وحسين رياض وعبد السلام النابلسى وزينات صدقى وإخراج عز الدين ذو الفقار، وكانت القفزة الكبرى فى فيلم أبى فوق الشجرة عام ١٩٦٩ الذى تقاضى عنه مبلغ ٢٥ ألف جنيه فى سابقة لم تحدث فى تاريخ السينما وقتها، وهذا الفيلم كان الوحيد الذى مكث فى دور العرض ٥٨ أسبوعاً كاملة بسبب نجاحه المنقطع النظير، وشارك حليم فى بطولته نادية لطفى وميرفت أمين وعماد حمدى وسمير صبري، وكان مأخوذا عن قصة الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس «دمى ودموعى وابتساماتى «، وكتب له السيناريو والحوار إحسان عبد القدوس وسعد الدين وهبة ويوسف فرنسيس وأخرجه الراحل حسين كمال الذى لم يتمالك نفسه من البكاء خلال التصوير، عندما طلب من حليم أن يخلع قميصه لتصوير أحد مشاهد الفيلم وهو بلباس البحر ورأى جسده ولم يخل جزء واحد منه من مشرط الجراح بسبب خضوعه لـ٦٢ عملية جراحية، ولكن استطاع المخرج الكبير أن يصلح الموقف سريعا بالماكياج وزوايا التصوير، التى لعبت دورا فى إخفاء جراح حليم .
وبمناسبة الحديث عن أجر حليم فقد قيل إنه كان الأعلى أجرًا فى الغناء والتمثيل ويبدو ذلك أكثر وضوحاً فى أجره عن دوره فى المسلسل الإذاعى «أرجوك لا تفهمنى بسرعة «، وهو المسلسل الإذاعى الوحيد الذى قام ببطولته العندليب الأسمر وشاركه البطولة نجلاء فتحى وعادل إمام بالاشتراك مع عماد حمدى وماجدة الخطيب عن قصة الكاتب الكبير محمود عوض وأغانى محمد حمزة وألحان محمد الموجى وبليغ حمدى ومنير مراد، وإخراج محمد علوان، وأذيع المسلسل فى شهر رمضان أكتوبر عام ١٩٧٣م وتوقفت إذاعته بعد الحلقة التاسعة عند عبور القوات المصرية قناة السويس يوم ١٠ رمضان.


ثم أذيع كاملاً فى صيف العام التالي.. وكانت ميزانية المسلسل ٧٥٠٠ جنيه، تقاضى منها عبدالحليم وحده ٥٠٠٠ جنيه، فيما تقاضى الباقون ٢٠٠٠ جنيه، منها ٣٠٠ جنيه للكاتب الصحفى محمود عوض عن كتابة القصة والسيناريو والحوار، وكان ذلك أعلى أجر لكاتب قصة وسيناريو فى تلك الأيام .


ورغم ذلك عاش عبدالحليم فقيراً ومات فقيراً.. لأنه كان ينفق على فنه ببزخ شديد، بل كان الوحيد الذى يقوم بعمل أكثر من ثلاثين بروفة لكل أغنية على حسابه الخاص ولا يحصل من الشركة المنتجة إلا على ثمن تسجيل الأغنية فقط، ولم يمتلك شقة بها تليفون أو يركب سيارة إلا بعد سبع سنوات من الكفاح والحرمان، وكان حليم كريما مع أهله إلى أقصى درجة، فقد اشترى قطعة الأرض رقم ٨٠ بشارع جامعة الدول العربية وكان ينوى أن يقيم فيها ستديو موسيقى حديثا وصالة للبروفات، ويريد قبل رحيله أن يطمئن على أسرته ويجمعهم فى بيت واحد يسكن هو الطابق العلوى فى نفس العمارة، وبالفعل شرع حليم فى البناء وكان سعيداً بها كما الأطفال بل قال لأستاذنا مفيد فوزى «الواحد لما يعجز بأه وصوته يروح ويكون شاخ يلقى حتة شقة ملك يعيش فيها لغاية ما يقابل ربه وبعدين أحس أن علية وإسماعيل ومحمد وفردوس وشحاتة وأولادهم جنبى دا احنا عيلة صغيرة أوى ومش عاوزهم يتشتتوا بعد ما أموت أصلها ياعم مفيد دنيا مالهاش أمان إذا ماكنتش تعمل حسابك وتقابل غدرها تدوس عليك .. أنا فكرت فى العمارة دى علشان أموت مرتاح !» وأوصى عبد الحليم أن تظلّ شقته باسمه، وأن تظل مفتوحة لمن يحب أن يزورها من جمهوره أو معجبيه، وأن يسكنها من يشاء من أشقائه مع شحاتة وفردوس أبناء خالته، واللذان كانا يخدمانه من وقت أن انتقلا معه من العجوزة إلى شقته فى الزمالك .


بالمناسبة خلونى أتكلم عن ثروة العندليب، يمكن أشرت لها فى مقدمة مقالى لكن تعالوا نشوف التفاصيل: ثروة حليم الحقيقية شقة فى الزمالك أثثها بذوقه وأنفق عليها معظم ما كسب وبضعة آلاف من الجنيهات كان ينفق منها على مظهره ونصف عمارة شرع فى بنائها وكان يملك سيارتين إحداهما فيات ١٣٠ والثانية مرسيدس اسبور هدية من الملك الحسن وسيارة جيب صغيرة، وهناك سيارة أخرى أهداها له الملك سعود وقد أعادها حليم عندما اكتشف أن ضرائبها ١١ ألف جنيه، وشاليه بالعجمى اشتراه من شركة الإسكان والتعمير التى اشترته بدورها من إدارة الحراسات، ولما عادت الممتلكات لأصحابها بعد إلغاء الحراسات طالب الملاك الحقيقيون بالشاليه، وشاليه بالهرم يقع فى أرض حكر للآثار وتطالب به مصلحة الآثار، والطريف أن ورثة عبدالحليم حافظ قيل إنهم حصلوا بعد ذلك على ما يقرب من ٤٠ مليون جنيه قيمة نصيبه فى شركة صوت الفن والذى كان اشتراه المنتج محسن جابر، إلى جانب ثلاثة ملايين من الجنيهات مقابل موافقة الورثة على تحويل قصة حياته إلى مسلسل تليفزيونى هو العندليب ومثلها عند تحويل سيرته الذاتية إلى فيلم سينمائى «حليم» الذى قام ببطولته النجم الراحل «أحمد زكي».


وبعيداً عن قصة زواجه من السندريلا سعاد حسنى المثيرة للجدل بين مصدق ومكذب والتى لا أميل شخصياً إلى الخوض فيها بعد أن قابل النجمان وجه رب كريم هو الأعلم بالحقيقة، ارتبط العندليب بعلاقة صداقة قوية بالفنانتين الكبيرتين لبنى عبد العزيز ونادية لطفي، فكانتا الأقرب إليه من بين بطلات أفلامه، وتجمعهما به العديد من الذكريات الطريفة، حيث تتذكر لبنى عبد العزيز موقفاً طريفا مع «العندليب» خلال تصوير فيلم «الوسادة الخالية»، عندما أكد لها أن الملوخية تباع فى زجاجات وتتوافر فى الصيدليات، ما جعلها تصدقه !
أما نادية لطفي، فكانت على صداقة وطيدة مع «العندليب»، ودائما ما كان يشاركها أسراره، ويحرص على رؤيتها مهما طالت أسفاره خارج البلاد، وكان يناديها بـ «العندليبة الشقراء وكانت بطلة أفلامه الثلاثة « الوسادة الخالية» و»الخطايا» و»أبى فوق الشجرة».


وهنا أتذكر قصة الأزمة التى وقعت بينه وبين كوكب الشرق أم كلثوم والتى انتهت بمبادرة واعتذار منه، فقد بلغ التوتر ذروته فى علاقتهما فى أحد احتفالات ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، بعد أن تعمدت أم كلثوم أن يغنى حليم فى آخر الحفل دون مراعاة لظروف مرضه، وهو ما جعله يعلق غاضبا على موقفها فور صعوده على المسرح : «لا أدرى إن كان هذا تكريما لى أم مقلبا من السيدة أم كلثوم»، لتنهال من بعدها عاصفة من الانتقادات على حليم، ووصلت إلى تهديد مستقبله المهني، حتى قرر حليم أن ينهى خلافه مع أم كلثوم باتصاله هاتفيا بها، وقال لها: «أنا عبد الحليم حافظ أقدر آجى أشرب معاكى فنجان قهوة يا ست الكل؟»، فردت عليه: «أنا مستنياك يا واد»، ولتنتهى واحدة من أشهر الخلافات الفنية .


ولم يكن اعتذار حليم لكوكب الشرق الوحيد، فقد اعتذر أيضا للفنان الراحل صلاح نظمى بعدما قال عنه إنه «أثقل دم فى السينما المصرية»، ما جعل «نظمي» يحرر محضرا ضد عبد الحليم، ولكن تم الصلح بين الطرفين بعد أن اعتذر له حليم، وتنازل صلاح عن المحضر .


وكان عبد الحليم حافظ يرتبط بصداقات وطيدة مع العديد من الملوك والرؤساء العرب، مثل العاهل الأردنى الملك حسين بن طلال، الذى أوصل حليم بنفسه بسيارته فى إحدى المرات حتى سلم الطائرة المتجهة إلى القاهرة، وكذلك الرئيس الجزائرى أحمد بن بيلا، الذى أمر أن يذهب حليم إلى حفلاته فى الجزائر بسيارته الخاصة المصحوبة بموتوسكيلات الحراسة، بسبب الزحام الشديد، وتكالب المعجبين عليه .


وخلال مشواره الفنى الذى انتهى مبكرا بوفاته، ترك لنا العندليب الأسمر حوالى ٢٥٠ أغنية تنوعت بين العاطفية والوطنية والدينية، فضلاً عن ٥ دويتوهات غنائية شهيرة قدمها مع الفنانات شادية وسعاد محمد ونادية لطفي، ومن أكثر الملحنين الذين تعامل معهم عبد الحليم، الملحن محمد الموجى الذى غنى له ٤٦ أغنيةً، وفى السينما كما ذكرت ١٦ فيلماً وله مسلسل إذاعى واحد . لقد عاش حليم حياة بائسة بسبب المرض الذى أنهك جسده الهزيل، وتعطلت مسيرته الفنية أكثر من مرة بسبب العمليات الجراحية الكثيرة التى أجراها، وبلغت معاناته قمتها فى بداية عام ١٩٧٧، الذى توفى فى ثلثه الأول، حين غادر القاهرة يوم ٩ يناير لبداية رحلة علاجية، لإجراء فحوصات طبية للاطمئنان ليس أكثر، لكنه أصيب بـ»الصفراء» واضطر الأطباء لإعطائه حقن الكورتيزون بكميات كبيرة للقضاء على المرض. 


كان حليم يرغب فى العودة للقاهرة سريعا ليتمكن من إجراء بروفات أغنية «من غير ليه» التى لحنها له عبد الوهاب وكتبها مرسى جميل عزيز، وكان ينوى أن يغنيها لأول مرة فى حفل شم النسيم، وبالفعل حجز مقعدا فى الطائرة، لكن طبيبه طلب منه المكوث فى المستشفى.


وفى يوم ١١ مارس ١٩٧٧ ساءت حالته الصحية كثيرا وجاء طبيبه الخاص الدكتور ياسين عبد الغفار إلى لندن ليقيم «كونصلتو» طبيا برفقة أربعة أطباء آخرين، ومن وقتها كان حليم يعلم أن النهاية قد أوشكت، ويروى صديقه مجدى العمروسى أنه ذهب إليه فى حجرته ولم يجده، فانتابته حالة من الرعب لكنه رآه فى بهو المستشفى جالساً يخبئ وجهه بيديه ويبكى بحرقة. 


ثم كان الرحيل فى العاشرة من صباح يوم الأربعاء الموافق ٣٠ مارس، الغريب أنه لم يطرأ أى تغيير سيء على صحة حليم، بل بدأ يومه بشكل عادى بارتداء ملابس أخرى وغسل شعره وقلم أظافره، وفجأة حدث له نزيف شديد، استمر حتى صعدت روحه إلى بارئها فى الساعة العاشرة، لينتهى مشوار أسطورة الغناء العربى فى الغرفة رقم٤٢٩ بالدور الرابع فى مستشفى منجز كوليدج بلندن عن عمر ٤٧ سنة و٩ شهور و٩ أيام .


وفور إعلان خبر وفاته سادت حالة من الحزن الرهيب فى الوطن العربى وبكاه الملايين الذين تعلموا الحب على يديه وكانت أغانيه رسول غرام العشاق، وخرج فى جنازته أكثر من ٢.٥ مليون مصري؛ لتكون ثانى أضخم جنازة بعد جنازة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر .. مات العندليب وبقى صوته حياً يمتعنا بأغانيه العذبة ويرافق كل العشاق والمجروحين.