دماء على جدار السلطة (١٧) خروجًا عن مبادئ الإسلام

30/03/2016 - 9:55:14

بقلم - رجائى عطية

أفاض المؤرخون القدامى والمحدثون، فى تحليل ورصد أسباب انهيار وسقوط الدولة الأموية، وتعددت فى ذلك الاجتهادات وتنوعت الأسباب، فمن قائل: إن بعض الخلفاء الأمويين شغلوا باللذات والانغماس فى الترف والبذخ، أو أخطأوا فى سياسة الخراج، أو أفرطوا فخلقوا لأنفسهم تارات وخصومات، أو لم يحسنوا السياسة مع الموالى فظلموهم لحساب العرب، أو لأن بعض ولاتهم لجأ إلى العنف فى الجباية، أو لأن سياسة البعض فجرت العصبية بين النزارية المضرية، والقحطانية اليمنية، ومن قائل إنهم تعصبوا لأنفسهم على بقية القرشيين، وعادوا بنى هاشم وأهل البيت والعلويين، فضلًا عن الشيعة والخوارج، أو لأن بعض خلفائهم عقد ولاية العهد لأكثر من واحد على التوالى، مثلما فعل الأمويون فى مؤتمر الجابية (٦٤ هـ) بعقد الولاية لمروان بن الحكم، ومن بعده لخالد بن يزيد بن معاوية ثم لعمرو بن سعيد بن العاص، ومثلما فعل مروان بن الحكم ذاته بعد أن تنصل من العهد فعقد الولاية لولديه عبد الملك ثم عبدالعزيز، ومثلما فعل عبد الملك نفسه بعقد ولاية العهد لابنيه الوليد ثم سليمان، ومثل الوليد الثانى بن يزيد بن عبد الملك الملقب «بالخليفة الفاسق»، الذى عقد ولاية عهد مزدوجه لابنيه الغلامين، اللذين لم يبلغا الحـلم: الحكـم، ثم عثمان، مما أدى إلى فسخ ولاية العهد أكثر من مرة بما جَرّ إليه ذلك من خصومات ونزاعات أضعفت الأسرة الأموية.


ولاشك أن ذلك كله وغيره صحيح، بيد أن كل هذه الأسباب وغيرها ترجع على تعددها وتنوعها، إلى سبب « جامع »، يمثل الأصل والجذر والأساس، هو جرثومة التوريث، هذا التوريث الذى أعطى الحكم للطالح كما صادفه الصالح أحيانًا، وحال من ثم دون البيعة العامة التى تنهض على الفرز والتجنيب، وعلى حرية الاختيار، وحرية المبايعة، التى قضى عليها بجعلها تصدر تحت سطوة أو سيف صاحب السلطة، الذى يطلب أو بالأحرى يأمـر الرعـية بأن تبايع من يراه، انصياعًا لعصبية الأسرة بعامة ولعاطفة الأبوة بخاصة، وانصياعًا وهذا هو الأخطر لإرادة وشوكة صاحب السلطة والسلطان، دون نظر للمعايير الموضوعية وجوب اختيار الأصلح والأكفأ بغض النظر عن قبيلته أو أسرته أو أبيه، الأمر الذى قذف إلى دست الحكم بحكام ضعاف عاطلين من المواهب والقدرات والإمكانيات، وبعضهم عاطل من القيم والأخلاق، ومنهم الغارق فى الفسق والخلاعة والمجون، وهى عيوب جذرية تنعكس على رؤية الحاكم وعلى تقديره وعلى موازينه وعلى مسلكه وتصرفاته، وتقذف بحصاد بالغ السوء لا يجنى مرارته سوى الدولة والأمة بأسرها، أما عشاق السلطة المتصارعون عليها، فهم فى لهو بها وبثمارها وعزها وفخفختها وأبهتها وشوكتها، عن الحكم وشواغله وأعبائه، معنيين بالوصول إلى السلطة، وتكريس الوجود فيها، وضمان استمرارها فى النفس وفى الذرية، والحيلولة دون تركها أو التخلى عنها .


ثنائية ولاية العهد!


بالميراث !! ولا جدال أن ازدواج أو ثنائية ولاية العهد المعيب على هذا النحو، أو ثلاثيته، كما حدث إثر مؤتمر الجابية فى ذى العقدة سنة ٦٤ هـ، بعقد الولاية لمروان بن الحكم على أن تؤول من بعده إلى خالد بن يزيد بن معاوية ثم إلى عمرو بن سعيد بن العاص، ثم تكرر مثل هذه البيعة المزدوجة، التى أعجبت حكامًا آخرين ـ لاشك أن ذلك قد ضاعف من آثار عيوب التوريث، وفَجَّر الصراع على السلطة داخل البيت الواحد وبين الأخوة، فتحولت الأخوة إلى عداوة، وصرفت أنظار هؤلاء المتصارعين عن مصالح الأمة والدولة وما تستوجبه.


التوريث الذى قامت عليه الدولة، هو سبب سقوطها!


وهذا الانصراف عن الواجب، لا يأتى بخير، ولا يمكن أن ينتج خيرًا، ولذلك تعددت وتراكبت وتنوعت مثالب الحكم الأموى، وتزايدت جرائره مع هذه الممارسات الضريرة، وحتى رأينا أن الحكم صار هو اللعبة الأساسية، التى يتنافس ويتصارع فيها الجميع إلى حد الغدر والخيانة، والقتل ودس السم إذا لزم الأمر، أخذًا بقاعدة ترددت منذ وفاة الحسن بن على المشكوك فى سببها، إن لله جنودًا من عسل!! ومع هذا الانحراف المعيب عن غاية الحكم ودواعى الإصلاح، غرق أداء الدولة الأموية فى بحر من الأخطاء والجرائر، فكان ما أحصاه المؤرخون القدامى والمحدثون من أسباب إنهيار وسقوط الدولة، وكان من المفارقات أن يكون «التوريث»، الذى قامت عليه الدولة الأموية، هو العامل الأساسى فى انهيارها وسقوطها، ولكن لا أحد يتعظ أو يتعلم من الدرس!


لا أحد يتعظ أو يتعلم!


وما فتئت ولاية العهد والإرث وإيثار الأبناء، تقيم ضغائن وتوهن ما بين الأخوة من صلات، وتتكرر هذه الحوادث فلا يتعظ اللاحقون بما كان من فساد الأمر بين السابقين، وقد رأينا أن ولاية العهد المزدوجة بين عبد الملك وأخيه عبد العزيز، كادت تقيم نزاعًا بينهما لرغبة عبد الملك فى أن يخلع أخاه عبد العزيز من ولاية العهد التى عقدها له من بعده أبوهما مروان بن الحكم، وقد روى الطبرى فى تاريخه، حوارًا حادًا دار بين الأخين عبد الملك وعبد العزيز فى هذا الشأن، واحتدم بينهما الخلاف، حتى أرسل عبد العزيز إلى أخيه أنهما قد بلغا من العمر ما يأذن بالرحيل، ولا يدرى أحدهما أيهما يأتيه الموت أولًا ؛ ويقول لعبد الملك : «فإن رأيت ألا تغثث (أى تفسد) علىّ بقية عمرى فافعل! » . ويقال إن عبد الملك رَقَّ لأخيه نوعًا ما، ولكنه بقى على رغبته وجعل يدير فيها الحوار مع من حوله ليسهلوا عليه ما يريد، حتى مات عبد العزيز فأراحه موته مما كان قد أزمعه من خلعه وجعل ولاية العهد لابنيه الوليد ثم سليمان، ودارت أقاويل ـ غير مؤيدة، بأن عبد العزيز مات مسمومًا، وقد لا يكون ذلك الظن صحيحًا، ولكنه دال على أثر توريث السلطة فى خلق جو بين الأخوة من الشكوك والظنون التى أحلت العداوة والصراع محل التساند والوئام !


وكما لم يتعظ عبد الملك بن مروان من ذلك، ولا مما جرى بينه وبين ابن عمومته عمرو بن سعيد بن العاص حتى اضطر إلى الغدر به وذَبَحَهُ بيده ذبح الشاه، فإن ابنه الوليد كاد يقع فى هذا الشر مع أخيه سليمان، الذى عقد له أبوهما عبد الملك ولاية الأمر من بعده، وقال بعض المؤرخين: إن الوليد بن عبدالملك أزمع فى مرضه، الذى مات فيه سنة ٩٦ هـ ـ أزمع خلع أخيه سليمان من ولاية العهد المعقودة له من أبيهما عبد الملك، والبيعة لابنه هو ليتولى الأمر من بعده، فأبى سليمان قبول ما عرضه عليه، ورفض ما عرضه عليه من أموال، فتجاهله عبد الملك وكتب إلى عماله أن يبايعوا لابنه عبد العزيز، ودعا الناس إلى ذلك، فلم يجبه أحد إلاَّ الحجاج وقتيبة وبعض الخواص، فكتب الوليد إلى أخيه سليمان أن يأتيه لعله يتحرج فى مواجهته فيقبل، إلاَّ أن سليمان فهم المراد فأبطأ على أخيه ولم يذهب إليه حتى قضى نحبه، ولكن بقيت الحفيظة بين سليمان والحجاج الثقفى الذى كان قد سارع إلى تأييد ما أراده الوليد، وكتب كتابًا لولاته وأمرائه أن يخلعوا سليمان، فأضمرها له سليمان ولم ينجه منه إلاَّ موت الحجاج سنة ٩٥هـ قبل ولاية سليمان سنة ٩٦ هـ، إلاَّ أنه صب موجدته على عمال الحجاج فعزلهم عن مواقعهم!


حتى عمر بن عبدالعزيز لم ينـج من هذا الكيـد!


وأدت المنافسة على وراثة السلطة إلى تمرد الأمويين على رغبة سليمان بن عبد الملك، وكان صالحًا عادلًا مستقيمًا، فى مبايعة ابن عمه عمر بن عبدالعزيز من بعده، فلم يبال بهم سليمان، وكتب كتابًا وختمه بالبيعة له ثم لأخيه يزيد بن عبد الملك، وأمر ألا يعرف أحد بما فيه، وقال لبعض مقربيه إنه يتخوف من إخوته ألاَّ يرضون ببيعة ابن عمهم وزوج أختهم التقى الورع العادل الحكيم عمر بن عبد العزيز، فأمر ألا يفض الكتاب إلاَّ بعد موته، وبأن يُضْرب عنق من يرفض البيعة. وهذا الجو الخانق فى الصراع المرير على السلطة، لا يترك فرصة ولا مساحة للتكافل والتساند للصالح العام، ومع أن أحدًا لم يختلف قط على حسن سيرة عمر بن عبد العزيز فى إدارة الأمور بالقسط والحكمة منذ ولايته سنة ٩٩ هـ، إلاَّ أن أبناء عمه المتطلعين إلى جعل الإرث، الذى قطعه سليمان بمبايعة عمر، جعلوا ونفٌر من الأمويين ينظرون شذرًا إلى ولاية عمر بن عبدالعزيز، الذى حمل لقب الخليفة الراشد الخامس من فرط عدله، ويضيفون بإنصافه للهاشميين وآل البيت والعلويين، ويتربصون به، حتى دارت أقاويل كثيرة حول موته، وهو لما يزل فى التاسعة والثلاثين فى أرجح الروايات، وأنه أعطى السم، حتى قال لبعض ناصحيه بالتداوى فى مرضه، إنه ليعلم الساعة التى سُقِىَ فيها، وأنه تحقق من ذلك قبل أن تفيض روحه فى رجب سنة ١٠١ هـ، وعرف الغلام الذى جُند لذلك بألف دينار.


العودة إلى حبل الإرث !


وقد كان من نكبات « إرث » السلطة، أن عاد حبل الإرث بوفاة عمر بن عبد العزيز إلى أبناء عبد الملك بن مروان، فتولى يزيد بن عبد الملك الحكم سنة ١٠١ هـ، وكانت ولايته نكبة دالة على السوس الذى جعل ينخر فى الدولة بفعل الإرث الضرير .. فقد كان يزيد بن عبد الملك مشهورًا باللهو والخلاعة والتشبيب بالنساء حتى رويت عنه فى ذلك الحكايات، ولأن من مثل هذا يقع بضعفه وانشغاله بمتعته فريسة للواشين والنمامين، فقد سعوا لإفساد الأمر بينه وبين أخيه هشام، لولا أن استطاع هشام أن يداريه ويستوعبه بحكمته، وارتحل ليقيم بجواره مخافة أهل البغى والسعاية بالشـر . وكان من حسن حظ الدولة الأموية أنه بوفاة يزيد بن عبد الملك، أن تولى الحـكم أخـوه «هشام بن عبد الملك»، نحو عشرين عامًا، مرت بسلامٍ لم يؤخذ عليه فيها شىء، فقد كان حكيمًا حازمًا عاقلًا.


إلاَّ أن محنة الصراع على السلطة اشرأبت ثانيةً بوفاة «هشام بن عبد الملك» سنة ١٢٥ هـ، فتولى الحكم من بعده، تبعًا لشجرة الميراث، الوليد الثانى بن يزيد بن عبد الملك، ويبدو أنه ورث خصال السوء عن أبيه يزيد بن عبد الملك، وأن هذه الخصال السيئة لم تحل بينه وبين ولاية العرش، فقد كان معروفًا كأبيه باللهو والخلاعة والمجون وشرب الخمر، وسوء الخلق والسيرة، وانتهاك الحرمات، حتى أطلق عليه الناس والمؤرخون من بعدهم «الخليفة الفاسق».. وكان من فسقه أنه أراد الحج ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة، ولم يرجع عن ذلك إلاَّ حين خوفوه من ثورة الناس، واشتهر بالتلوط حتى راود أخًا له عن نفسه، وضج الناس من مجونه وفسقه.. وقد أمعن فى شروره، فعزل عمال عمه هشام بن عبد الملك وعذبهم أشد أنواع العذاب، وعقد ولاية العهد لابنه الغلام الحكم وولاه دمشق، ومن بعده لابنه الغلام عثمان وولاه حمص، وهما غلامان لم يحتلما، مقتديًا فى هذه الثنائية بمن لجأوا من قبله إلى ولاية العهد المزدوجة.. وقد مَرَّ بنا كيف ضج الناس منه، وخشى البيت الأموى من عواقب أفاعيله وانتهاكاته، فعزموا على التخلص منه، فاجتمعوا عنده ولم تفلح حيلته فى التخلص، فقتله يزيد بن الوليد بيده، وقُطِعَتْ رأسه، ونُصِبَتْ على رمح إقتداء بالبدعة الجارية، وتولى من بعده ـ تبعًا لشجـرة الميراث ـ يزيد الثالث بن الوليد بن عبد الملك المسمى «بيزيد الناقص»، لأنه انتقص من أعطيات الجند، وتوفى عام ١٢٦ هـ بعد خمسة أشهر من توليه الحكم.


ولا يمكن لعاقل أن يسيغ تولى هؤلاء ـ دست الحكم وهم على ما هم عليه من ضعف ومجون وانحراف، وما كان ذلك ليكون لو لم تكن بدعة الميراث التى ابتدعها معاوية، ولم يشأ أحد من الولاة من بعده الرجوع عنها!


ومن المفارقات والعجائب، أن يزيد الثالث بن الوليد بن عبد الملك، برغم ولايته القصيرة التى لم تستمر سوى خمسة أشهر عمت فيها الفتنة أنحاء البلاد، أبى إلى أن يعقد عهدًا كسابقيه لمن يليه، فبايع لأخيه إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك بولاية العهد، فتضحك الأقدار من هذا العبث، وراجت روايات أنه مات مسمومًا وأن الذى سقاه السم هو هو أخوه إبراهيم، الذى عقد له ولاية العهد!


ولم تطل ولاية إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، فما هى إلاَّ شهور من مبايعته فى أواخر سنة ١٢٦ هـ، حتى انتفض عليه مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، فاضطر إلى أن يخلع نفسه فى سنة ١٢٧ هـ ليبايع مروان الذى أطلق عليه الناس: «مروان الحمار» على ما مرّ بنا، وعاش «إبراهيم» إلى أن قتل سنة ١٣٢ هـ فيمن قتلوا من بنى أمية فيما سمى «وقعة السفاح»!


أما «مروان الحمار»، الذى حاز اللقب لأنه لم يكن يجف له «لبد» (وهو ما يوضع على ظهر الحمار)، من كثرة خروجه لقتال الخارجين عليه، فإنه قد ثارت فى عهده القلاقل والفتن والاضطرابات حتى سقطت الدولة الأموية سنة ١٣٢ هـ، وقامت دولة بنى العباس.


العرق الدساس! ونظام الأسرات!


منذ جرّ معاوية بن أبى سفيان، الأمور إلى الملكية الوراثية، حتى صار الحكم حكم «أسرات»، قائم على الميراث وعلى «عصبية الأسرة»، فكان ذلك أمر الدولة الأموية حتى وهنت بفعل صراعات الميراث أيضًا، وانهارت، فتولى الحكم الأسرة العباسية، وتفرعت عن الدولة العباسية، أو خرجت عليها، أو استقلت عنها ـ دول قائمة جميعًا على الأسر وعلى القبليات، وطوال العصر العباسى، شاهد العالم الإسلامىـ قيام فرع للدولة الأموية التى نهض عليها عبد الرحمن الداخل الأموى بالأندلس، وظلت منفصلة عن الدولة العباسية، منتهجة ذات نهج الميراث، وظهرت الدولة الحمدانية فى الشام ومصر، ودولة بنى بويه فى فارس والعراق والأهواز وكرمان، والدولة الصفارية، والدولة السامانية، والدولة الطولونية، والدولة الإخشيدية، والدولة الفاطمية، ودولة الأغالبة ودولة الأدارسة بالمغرب، وعدة دول للأتابكة، ودولة السلاجقة، والدولة الأيوبية فى مصر والشام، والدولة المرابطية بالمغرب، والدولة الغزنوية فى آسيا، والدولة الموحدية التى أقامها ابن تومرت بالمغرب، ودولة الحفصيين والمرينيين، وحتى إنهارت الدولة العباسية، وقامت الدولة العثمانية، التى التزمت هى الأخرى بالملكية الوراثية، وكان هذا هو أيضًا شأن الدول، التى تفرعت عنها أو خرجت عليها!


إلى الأندلس


وحين خرج عبد الرحمن الداخل الأموى على الدولة العباسية، ولحق بالأندلس سنة ١٣٨ هـ، أقام بالأندلس دولة أموية فرعية بعد سقوط الدولة الأموية سنة ١٣٢ هـ، ونقل معه إلى الأندلس قاعدة الملكية الوراثية، وظل الأمويون يحكمون بهذا الميراث حتى قيام دولة بنى حمود منذ سنة ٤٠٨ هـ، وتوارثت ولاية الأمر على ذات القاعدة فيما سمى عهد ملوك الطوائف الأول، إلى أن تفرعت الممالك بين الطوائف وعلى ذات قاعدة الأسر والإرث، فبنو عباد فى إشبيلية، وبنو زيرى فى غرناطة، وبنو برزال بقرمونة إلى أن ضمت إلى إشبيلية، وبنو يحيى فى «لَبْلَة» إلى أن ضمت إلى إشبيلية، وبنو جهور فى قرطبة، وبنو الأفطس ببطليوس، وبنو ذى النون فى طليطلة، والعامريون ببلنسية، وبنو صمادح بالمرية إلى أن ضمت إلى بلنسية، وبنو هود فى سرقسطة، ثم بنو نصر فى غرناطة منذ ٦٢٩ هـ، وهكذا ظلت جرثومة عشق وتوارث السلطة ماضية فى الأندلس حتى غربت شمس الدولة الإسلامية هناك!


امتداد الجرثومة


ومع امتداد نظام الأسر بالميراث، مثلما كان فى الدولة الأموية، فإن ممارسات الدولة العباسية وما تفرع عنها، وممارسات الأسر فى الأندلس، وممارسات الدولة العثمانية والدول التى تفرعت عنها أو حكمت فى ظلها أو تحت رايتها، فإن بدعة عشق السلطة وتوارثها، ظلت على ما هى عليه، وظلت الدماء تراق على مذبحها، دون أن يتعظ أحد من عشاق السلطة بما كان، أو يفكر فى الالتزام الحقيقى بمبادئ وقيم الإسلام!


(للحديث بقية)