مصر والسعودية

30/03/2016 - 9:51:06

  عادل سعد عادل سعد

بقلم - عادل سعد

عندما فقدت الأمة العربية والإسلامية أبا متعب،جلالة الملك عبد الله بن عبد العزيز خادم الحرمين الشريفين، افتقدنا البدوى البسيط المحب لدينه ووطنه وعروبته.


وبالفعل كان أبو متعب نموذجا للملك القريب من شعبه لأبعد الحدود، وكان يتحدث من القلب ليقول: «أنا لا أحكم إلا بكم»، وفى كل وقت يستغل الفرصة ليوزع الأموال على الفقراء ويسدد مديونيات الشباب.


لم يكن أبدا ضد مصر،كان على طول الخط يحفظ وصية والده المؤسس جلالة الملك عبد العزيز، بأن مصر ميزان العرب، والسعودية لا غنى لها عن مصر، ومصر لا غنى لها عن السعودي


وفى هذا الخصوص ارتجفت بشدة مرتين، الأولى عند ثورة ٣٠ يونيه وخروج الشعب المصرى لإسقاط حكم الإخوان، وقتها هرول المرشد وجماعته للاستقواء بالخارج، وفرضت أوربا عقوبات وكشرت الولايات المتحدة عن أنيابها، ووسط كل هذا الضباب وسقوط سوريا وارتفاع ألسنة اللهب فى ليبيا، سافر الأمير سعود الفيصل إلى باريس، ليلقى خطابا تاريخيا فى وسط أوربا وفى عقر دار من يهددون مصر، وكان ابن بطل حرب البترول فى أكتوبر– جلالة الملك فيصل يرحمه الله – قاطعا كأبيه. ووقف ليعلن أن السعودية لن تسمح بسقوط مصر، ولا إذلال مصر، ولن تسمح بالتدخل فى شئونها الداخلية، ولا بتقسيمها وأن أى عدوان على مصر هو عدوان على أمن السعودية، والمملكة لن تقف لتتفرج،على من يعرضون أمن شقيقتها مصر للخطر.


أتذكر – والله – أن دموعى تساقطت، عند الاستماع لذلك الخطاب من سعود الفيصل، وأرجو ليخرس كل الأدعياء، أن يذاع هذا الخطاب مرة أخرى، بعد مرور كل هذه الشهور.


أما أبو متعب فقد كانت رسالته واضحة لكل دول مجلس التعاون الخليجي: هل تتذكرون مصر ؟ وكيف وقفت إلى جواركم درعا حاميا فى حرب الخليج ؟ الآن جاء دوركم فهل تردون الجميل؟


وتأثرت بشدة عندما توقف الملك عبد الله بطائرته قادما من المغرب ليتوقف فى مصر، ووقتها خرج السفلة ليعترضوا، ويقولون كيف لم ينزل من الطائرة، ولماذا يصعد السيسى للطائرة ويقبل رأسه ... إلخ ، وكنت أعرف وغيرى كثيرون أن الرجل مريض جدا لدرجة أنه يسافر داخل مستشفى طائر، ولا يقوى على الحركة، ومع ذلك أصر أن يتوقف فى القاهرة، ليطمئن من السيسى على مصر.


أما الأمير سلمان بن عبد العزيز، والذى تولى الآن عبء الحكم، فليس من قبيل المبالغة أن أصفه بالرجل القوى والحكيم والمحب لمصر.


فى الرياض شاهدت بنفسى حادث يكشف معدن الرجل،كان معنا صديق مخرج صحفى كبير، مات شقيقه فى السعودية،ونحن هناك، وبكى أشقاؤه لأنهم يريدون دفنه بالبقيع، وكان ذلك مستحيلا لأن القانون يمنع نقل الجثث من منطقة لأخرى، وداخ صاحبنا بحثا عن حل حتى نصحه أحدهم بمقابلة الأمير سلمان، وراح عند القصر وهو يظن أن أحدا لن يقابله وفى النهاية تجرأ وقال للواقف على الباب اسمه وأعطاه جواز السفر المصري، وفى عشر ثوان انفتحت الأبواب ليجد نفسه فى مواجهة الأمير سلمان شخصيا فأجهش بالبكاء، أعتقد الأمير أن أحدا آذاه فهون عليه، مؤكدا أن حقه سيعود، ولما حكى صديقنا حكاية أخوه وحزن أمه لرغبتها فى أن يدفن بالقرب من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأثر الأميروانتفض واقفا وهو يقول : “هون عليك أنتم يا مصريون تحبون الله ورسوله” وكتب خطابا دمغه بخاتمه الخاص، بالسماح بدفن شقيقه فى أى مكان بالسعودية،وقام ليودعه وهو يلح عليه ويسأله: هل تريد شيئا آخر؟


هذا هو سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وندعو الله أن يوفقه، ويوفق شعب المملكة العربية السعودية ،بإذن الله تعالى،فى ظل حكمه الرشيد, واليوم مع اقتراب موعد زيارة جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز للقاهرة نصدر عددا تاريخيا لا ينسى بعنوان : « ٩٠ عاما العلاقات المصرية السعودية حصن العروبة والإسلام «


وبصدور هذا العدد نستعيد فى مركز الهلال للتراث لمؤسستنا العريقة (دار الهلال) – تأسست فى ١٨٩٢م – دورها القديم كرائدة فى صحافة الأعداد الخاصة وصناعة الجمال.


حرصنا أن تكون كل صفحات العدد متعة رائقة للعقل والنظر بلا افتعال.


عند طرح الفكرة هاجمنا ضغط الوقت، ولم يكن أمامنا سوى ثلاثة أيام، أعتقد أننا قضينا منها ٦٠ ساعة فى عمل متواصل.


وفى اليوم الثالث كانت أمامنا جبالاً من الصور والموضوعات والأفكار.


كان عادل عبد الصمد يصل الليل بالنهار إلى جوارماكينة التصوير لالتقاط جواهر لا تنسى عن العلاقات المصرية السعودية من بين مئات الآلاف من الإصدارات المنسية والأوراق المتهالكة الصفراء.


وشباب مركز التراث أعلنوا حالة الطواريء للانتهاء من أى كتابات أو صور.


وفى أرشيف المعلومات خلية نحل لا تهدأ لعرض نماذج الصور.


وفى النهاية حشرت دماغى داخل جهاز الكمبيوتر ولم تخرج.


وعندما أسندت رأسى لأستريح ،كنت مطمئنا لأن الكنوز راحت إلى مكان آمن، وكانت البشائر قد أهلت وأرسل المخرج الكبير محمد أبو طالب بروائعه، وجلسنا نتفرج على إنتاجنا وكأننا نراه لأول مرة.


وكان غالى محمد رئيس مجلس إدارة دار الهلال ورئيس تحرير المصور يروح ويجئ كالأتوبيس للاطمئنان على سرعة الإنجاز.


دوران ماكينات الطباعة وشراء الورق والأحبار الخاصة والتجليد وإبداعات التجهيز قصة أخرى، تسابق عليها الزملاء فى المطبعة، الذين صارت مطبوعات مركز الهلال للتراث شفرة سرية لديهم لاستعادة مجد المؤسسة القديم .


سألت صديقى أشرف الشاذلى : هل ستقدرعلى تصحيح ٢٨٠ صفحة خلال يومين .. مع الدقة ؟ فقال حاضرين.


وما أجمل أن تجد خلفك كل هذا الجيش من المخلصين.


كان الإصداررسالة لكل من يهمه الأمر، بأننا بإخلاصنا وأفكارنا وكنوزنا المطمورة ليس لنا مثيل.


وبعثنا بمناسبة زيارة جلالة الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية، وهو رجل عزيز على مصر، برسالة إلى كل الأشقاء فى السعودية وأهلنا فى مصر، الذين أعتقد أنهم سيتفاجأون بكل هذا الكم من المعلومات والصور.


لم ننشر أى إعلانات حتى لا نخدش كرامة العدد.


ودفعنا العدد للأسواق ونحن واثقون بلا حدود من ثقة القراء، بعد أن صارت إصدارات مركز الهلال للتراث علامة للجودة.


وما أجمل أن تحب ..وتعمل .. وتنجح ..فى هذا الزمن الصعب.