ليسوا أهلى

30/03/2016 - 9:25:50

أحمد سعدة

فى «نص الليل».. تتهيأ القلوب للشكوى والبوح بما فيها، وترسل أوجاعها إلى السماء، بعد أن يئست من رحمة أهل الأرض.. «المصور» تحاول أن تشارك قراءها هذه الآلام وتلك الاعترافات وتقدم لها الحلول


أنا فتاة فى بداية العشرينيات من عمرى.. عشت ما مضى من حياتى فى أسرة صغيرة من خالتى، التى أناديها بأمى، وزوج خالتى المحامى المثقف الذى أناديه بأبى.. وهما اللذان ربيانى منذ طفولتى، وتعاملا معى تمامًا كابنتهما، خصوصًا أن الله لم يرزقهما بأطفال.


أما أبى وأمى الحقيقيان، فإنهما يعيشان فى بلدة مجاورة ونادرًا ما يسألان عنى.. وفى الغالب فإن زياراتهما لنا تكون من أجل اقتراض مبالغ مالية، نظرًا لضيق حالتهما، فأبى عامل فى مصنع للطوب الطفلي، وأمى مريضة بالسكر وفى حزمتهما أربع بنات وولدان.


دخلت كلية الآداب، وتمت خطبتى فى السنة الأولى من الجامعة لشاب أُحبه ويحبنى.. وهاجم المرض أمى التى هى خالتى، وفارقت الحياة بسببه.


وبعد وفاتها حضر أبى وأمى، وطالبا بأن يأخذانى معهما لبيتهما، بحجة أنه لم يعد مقبولًا أن أعيش فى بيت واحد مع زوج خالتى، رغم أن الجميع يعرفون أنه والدى الذى ربانى.


إن الأم هى التى تُربى، والأب هو الذى يُعطى ويمنح الحنان.. وأنا بعد اثنين وعشرين عامًا أصبحت مطالبة بالعيش مع أم وأب، لا أحمل تجاهههما أية مشاعر.


ووافقت رغمًا عنى بعد ضغوط الجميع، وبكى زوج خالتى لفراقى، ووعد أن يتابعنى دومًا ويسأل عنى.. وانتقلت للعيش مع رجل وامرأة عجزت للآن أن أناديهما بأبى وأمى.. وأصبحت أعيش فى بيتٍ صغير مكتظ بالأخوة والأخوات الذين أشعر بالغربة بينهم.


وبعد أن كانت لى غرفة خاصة، أصبحت أنام على كنبة فى الصالة.. وملابسى وأدواتى توزعت بين شقيقاتى، وتحولت من فتاة جامعية كانت تعيش ميسورة الحال وسعيدة، إلى فتاة بائسة تعيش كالخادمة لأصغر طفل فى هذا البيت.. وكأنهم ينتقمون منى على لاشيء.. أو لأنهم أُجبروا على استعادتى حفاظًا على ماء وجههم أمام أقاربهم الذين يعرفون حكايتى.


ولأن الأخبار السيئة والمصائب تأتى دفعة واحدة، فقد تركنى خطيبى بعد أن علم بالقصة، وبعد أن رأى أهلى الجدد يتفننون فى إبعاده عنى.. وحزنت لفترة على فراقه.


وبعد شهور تقدم لى شاب آخر، ووافقت عليه، وتمسكت به كطوق نجاة وفرصة أخيرة للهروب من هذا الكابوس الثقيل.. وكانت الصدمة فى أن أهلى حاولوا استمالته لإحدى شقيقاتي، لكنه كان مصرًا على خطبتى.. وحاولوا بعدها بشتى الطرق إفساد العلاقة بيننا.


وباعوا شبكتى الذهبية، التى أهدانى إياها خطيبى، واستغلوا تمسكه بى أسوأ استغلال.. وشعرت أنى أعيش وسط مصاصى دماء، وليس بشرًا.. وعانيت من قسوتهم وعنفهم، وفى آخر مشاداتهم معى أوسعونى ضربًا.. ولم أستطع تفسير عدائيتهم ضدي.


وزوج خالتى كان يرسل لى نقودا فى السر، حتى لا تستولى عليها أمى.. وقام بشراء مستلزماتى وتجهيزى كعروس، واحتفظ بكل أجهزتى فى بيته انتظارًا لزواجى، وخوفًا من أن يبيعها والدى ويستولى على ثمنها.


وأنا الآن بعد سنة واحدة أفكر فى العودة لبيتى الذى تربيت فيه، وأعيش مع والدى المحامى النبيل، الذى منحنى الاهتمام والحنان وتبنانى.. لكن الكل يعارضنى ويقف أمامى.. وللمرة الثانية تم فسخ خطبتى ولنفس الأسباب والمشاكل.


وأهملت دراستى، ولم أعد أنتظم فى الحضور.. وأصابنى نوع من الاكتئاب تسبب فى فقدانى للشهية ونقصان وزنى، وأصبحت سجينة فى البيت، وغير مسموح لى بالخروج، أو زيارة صديقاتى.


رأسى سينفجر من التفكير، ولا أجد مخرجًا.


شئتِ أم أبيتِ، أنتِ الآن أمام أمر واقع.. وأهلك أيضًا أمام نفس الأمر.


وكلنا نحب النظافة والمأكل اللذيذ واللبس الشيك والصحة الجيدة.. ولا أحد يحب الفقر والبهدلة والمرض.. لكننا جئنا إلى هذه الحياة دون أن يسألنا أحد لأى أب تريد أن تنتمى؟ وأى امرأة تريدها أن تكون أمك؟.. وهل يسعدك أن تكون ابن المحامى، أم ابن عامل مصنع الطوب؟


وعيشتك معهم الآن ليست من اختيارك، وليست أيضًا من اختيارهم.. ولكنها عيشة إجبارية فرضتها ظروف المجتمع المحيط بكِ.


والزواج السريع ليس حلًا كما تعتقدين، فما أدراكِ أن تنتقلى إلى ما هو أسوأ.. ووسائل التغيير فى حياتك ليست معدومة، بشرط أن يكون لديكِ الاستعداد لذلك.


 


والمشكلة هنا تبدو لى فى رفضك المبدئى لقبول فكرة العيش مع أوضاع وظروف أهلك، بدلًا من محاولة تغييرها أو التعايش معها.. وهل سيكون هذا نفس رد فعلك لو أحببتِ شابًا فقيرًا، واخترتِ العيش معه رغم ظروفه؟


وأسباب عدائيتهم فى التعامل معكِ الآن، هى نفسها الأسباب، التى دفعتهم للتخلى عنكِ زمان، حينما كنتِ رضيعة.. وهى ببساطة. الفقر، وضيق ذات اليد.


وانتقالك المفاجئ من حياة ميسورة إلى حياة ضيقة هو سبب آلامك.. لكن ما أعظم الإنسان حين يغالب آلامه ويصبر عليها ويتكيف مع ظروفه، وما أجمله.. ولماذا لا يسمو بكِ هذا الألم ويكون دافعًا لشعورك بآلام أهلك وفقرهم وظروفهم، والرفق بهم؟


ليس أمامكِ سوى الانتظام فى دراستك، ومحاولة الاقتراب المخلص من أهلك وفهم أوضاعهم.. بدلًا من أن تنظرى إليهم باحتقار وقرف، وتضيفى إلى مشاكلهم مشكلة جديدة.


أنتِ فى حاجة لإظهار مودتكِ لهم.. بحاجة لأن تستقطعى جزءًا بسيطًا من النقود، التى يرسلها إليكِ زوج خالتك المحامى، وتشاركى بها فى احتياجاتهم المادية.


والاهتمام لا يُوَلِّد إلا اهتماما.. والحب لا يجنى سوى الحب.


وأمك فى حاجة لأن تواسيها فى مرضها.. ووالدكِ رجل طيب ومكافح يعمل فى مصنع للطوب رغم كبر سنه، ويكد ويعرق من أجل أسرته وأبنائه وبناته.. ونظرة واحدة إليه وهو يتحدى ظروفه بإصرار وعناد وبطولة، قد تكون سببًا فى إثارة مشاعر الرحمة والعطف والشفقة بداخلك عليه.


إن صموده فى هذه الحياة القاسية وحده يكفى، ويستحق التقدير.


وأرجو أن تعيدى النظر فى تقييم شامل لمشكلتك، وتضعى فى اعتبارك ظروف أهلكِ ومعاناتهم، بدلًا من النظرة الأنانية أحادية الجانب.