السجن سجن ولو كان فى قصر!

30/03/2016 - 9:01:23

بقلم - حمدى رزق

وهذا خبر سعيد، خبر الأسبوع كما يقولون، إخلاء سبيل الصبى محمود محمد الشهير بـ«معتقل التيشيرت» بكفالة ألف جنيه بعد قضاء عامين فى السجن الاحتياطى متهما بارتداء تيشيرت مطبوع عليه «وطن بلا تعذيب»، تمنيناها هنا فى هذه المساحة الحرة فى مجلة حرة، ولم يخيب الله رجاء المؤمنين بوطن بلا ظلم ولا تعذيب.


كم من شباب مثل الصبى محمود، وفى مثل سنة، وظروف سجنه، كثير لايزالون خلف القضبان ينتظرون دائرة مستنيرة رحيمة مثل الدائرة ٢٢ جنايات القاهرة، مثل هذه الدوائر الجنائية الرحيمة التى تتعاطى روح القانون، تمنحنا أملا كبيرا فى تخفيف الوطأة عن شبابنا خلف القضبان فى السجون المصرية، مثل هذه الدوائر التى تنظر تجديد سجن الشباب، لو اعملت روح القانون لاستردادنا الروح والأمل فى العدالة.


عامان فى السجن لصبى كل تهمته تيشيرت، هذا كثير، ولربما يعاد سجنه مجددا إذا ما قضى بسجنه لاحقا، وهذا كثير على صبى فى مقتبل العمر، وإن أخطأ، العقوبة على قدر الخطأ، وخير الخطائين، وتنوير هذا الصبى وخضوعه إلى جلسات نصح وإرشاد وتوعية كفيل بإعادته ومن هم على شاكلته إلى جادة السبيل.


سجن محمود وضمه إلى قوائم المتهمين من السياسيين والجنائيين، ويسجن لعامين احتياطيا يحوله إلى إرهابى عتيد أو مسجل خطر خطير ، كل يوم قضاه هذا الشاب خلف القضبان يقينا اكتسب فيه أفكارا غريبة ومريبة سيعبر عنها لاحقا بعد استرداد أنفاسه أو حريته أيهما أقرب، أخشى غرست بداخله مفاهيم عجيبة ومصيبة من الصائب، ماذا يتعاطى هؤلاء فى السجون سوى الألم الممزوج بالغضب، والمرارة المضمخة بالثار، المحلاة بالانتقام، أخشى أن قلب الصبى تيبس، لم يعد يخفق بحب، ينضح بكره لمن قبض عليه وسجنه، ومن جدد سجنه، ومن على قضيته، ولن يخفف عنه الإفراج المشروط، على ذمة القضية والاتهام فى رقبته، بعد عامين من القهر، وقهر الرجال ما يستعاذ منه، ويخشى من قسوته على نفسية الرجال مابال الصبى، يسحق البشر سحقا ويسلمهم أشباح إلى طابور الغضب .


الإفراج عن معتقل التيشيرت أخيرا ولو على ذمة القضية، إلى حين، يعطينا أملا فى أفرجات تالية متتالية لشباب فى عمر الزهور، قبض عليهم عشوائيا على هوامش المظاهرات، والتجمعات، ومشوا خلف الشعارات البراقة، فسقطوا من حالق، وضاع مستقبلهم، وتبدد أملهم، وتحولوا إلى أرقام غبية خلف القضبان، تسرى عليهم لوائح السجون، وما أدراك ما لوائح السجون، السجن سجن ولو كان فى قصر بحديقة غناء.


مراجعة قوائم المتهمين خلف القضبان خاصة الفتيات وصغار السن، خليق بوزارة الداخلية التى تملك التفريدة كاملة، بالاسم والسن والمحافظة والمهنة والتهمة، مصلحة السجون بحوزتها الملف الكامل، تعرف القرد مخبى ولاده فى أى سجن من سجون الجمهورية، وبمعونة صادقة من مكتب النائب العام المستشار نبيل صادق، وبمساعدة محترمة من المجلس القومى لحقوق الإنسان برئاسة الفاضل محمد فائق، يمكن خلخلة هذا العبء الإنسانى من على أكتاف وزارة الداخلية، وتخفيف الوجع الإنسانى عن مؤسسة الرئاسة، وقبلها رد الحرية لأصحابها، وإراحة قلوب العائلات، وتبديد الغيوم التى تلون سماء الوطن بظلال ثقيلة الوطأة على النفوس التواقة إلى وطن بلا تعذيب، ولا ظلم.


كل نفس بما كسبت رهينة، ولكن هناك من قذفت به الأمواج على شاطئ الغضب، خوفا على وطنه أو طمعا فى لقطة بتيشيرت معارض، استولى على نفر من الشباب بعد ثورة ٢٥ يناير بعض من ميل إلى الاستعراض الشارعى بالمعارضة العلنية خرقا لقانون التظاهر، حركة يتبعها الندم، انتهت باتهامات ومحاكمات وسجون، أظن كثير منهم الآن بات أكثر تعقلا وحكمة، وبات نفر منهم نادمين على ما فعلوا حانقين على أوضاعهم يريدون الحرية ويطلبونها، أخشى أن يتحولوا داخل السجون إلى ناقمين إذا لم نخفف عنهم الألم، ونتقبل منهم الندم، ونقف معهم موقفا رحيما لا نفاق فيه لسلطة على حساب المواطن، ولا مجاملة لأمن على حساب الحرية، ولا خضوعا لإملاءات غربية، ولكن لمطالبات وطنية، تنطلق من أرضية وطنية، ومدادها من مياه النهر الخالد، تخشى أن تلوثه بصقات هؤلاء فى وجوهنا قرفا منا أن تخلينا عنهم فى محنة السجن.


نعم الرئيس أفرج عن أربع دفعات قبلا، وشكرنا عطفته، دفعة ورا دفعة، ولم نتأخر يومًا عن متابعة هذا الملف رئاسيا وحقوقيا وأمنيا، الإفراجات الرئاسية، كما يقولون، هذا أول الغيث، نثمن الإفراجات، تؤشر على قبول الرئيس لفكرة العفو الرئاسى، ونطمع فى المزيد، و المبادرة بالإفراج عن دفعات جديدة من الشباب ممن لم تلطخ أيديهم بالدماء، ولم يحملوا السلاح، ولم يتورطوا فى عنف أو استباحة، للأسف نفر من المثقفين الذين التقوا الرئيس اهتبلوا طلب هذا الحق فطلبوه لم يستحق وليس فى مكنة الرئيس دستوريا، فبات الرئيس مثل أعطى مالا يملك لمن يستحق، العفو الرئاسى يبدأ من حكم بات نهائى خلوا من الدرجات القضائية ولا أصبح تدخلا فى أعمال القضاء، وافتئات على الفصل بين السلطات، وللعلم الإفراج المشروط بكفالة عن سجين التيشيرت ليس عفوا رئاسيا ولم يتدخل فيه الرئيس من بعيد أو قريب، وماقال به الروائي الكبير إبراهيم عبد المجيد إمام الرئيس خارج الموضوع تماما، لأنه فى أيدى القضاء وليس الرئيس والقضاء، كان ينظر القضية يوم لقاء الرئيس بالصدفة البحتة وليس الرئيس هو من أفرج على سجين التيشيرت. 


توقفنا سيادة الرئيس كثيرا عند عتبة الدفعة الرابعة، هذا ليس كافيا، ليس هو المراد من الرئيس، مطلوب الإفراج عن دفعات أخرى، ومتتالية، الرئيس يملك الكثير من الهدايا فى عام الشباب، ونتمنى عليه أن يكون عنوان عام الشباب، عام بلا شباب فى السجون، ووطن بلا تعذيب، وأن تخلو السجون من أمثال معتقل التيشيرت ومثله كثير، والملفات جاهزة أمنيًا وعدليًا، وتنتظر التوقيع الرئاسى، لن نقبل منكم تكرار مقولة تشى بمعلوميتكم حال السجون «ياما فى السجن مظاليم»، وأعلم أنكم تعتقدون فى صحتها جيدا وتؤمنون عليها فى كل وقت، ونعلم أكثر أنكم لا تقبلون على ضميركم أن تظل هذه الحكمة خالدة فى السجون، لابد أن تتغير فى عهد السيسى «السجون خلوا من المظاليم»!!