هل ثمّة من سبل للخلاص؟ .. أفكار للأزمنة المقبلة

29/03/2016 - 2:16:02

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

فخري صالح - ناقد أردني

    يلزم العرب المعاصرين إعادة نظر في مفهومهم للماضي، وفي طريقة استقبالهم لتراثهم، لكي لا يكون الماضي عبئا على الحاضر وقاطرة لتأخر العرب ودخولهم في حروب طويلة الأمد، لا تبقي ولا تذر وتدمر ما بناه أجدادنا القريبون الذين حلموا بعصر نهضة عربية جديدة لا تقطع مع الماضي ولكنها لا تتنكر للحاضر. لقد حلم النهضويون الأوائل (عبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وفرح أنطون وقاسم أمين وخير الدين التونسي وطه حسين، وآخرون كثيرون) بثقافة عربية جديدة  تنتقي من ماضي العرب ما جعل حضارتهم وثقافتهم جاذبة للبشرية ونموذجا احتذته أوروبا فصارت سيدة العالم الحديث، وتنتقي من الحضارة الغربية الحديثة ما يجعل العرب يتجاوزون عصور الظلمة التي دخلوها منذ قذف هولاكو الكتب في نهر دجلة واستباح بلاد العرب والمسلمين بسنابك خيله.


    لكن العرب المعاصرين مشغولون منذ سنوات بتصفية حسابات الماضي، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء وكأن الزمان تجمد في لحظة بعيدة في التاريخ، في زمن الفتنتين الصغرى والكبرى، على حد تعبير طه حسين في كتاباته التي حاولت استعادة معضلة الوجود العربي الإسلامي في لحظة من لحظات تأزمه. ما أقصد قوله هو أن ما يحدث الآن من نزاعات وحروب مذهبية وطائفية مستعرة ليس سوى نتاج للظن بأن على العرب والمسلمين أن يحلوا مشكلات الماضي ويحولوا هزيمة فريق على يد فريق آخر إلى نصر مؤزر بأثر رجعي.


الماضي مقيما في الحاضر


    هذا هو الجذر العقائدي، المذهبي والطائفي، والإطار الفكري والثقافي للخلافات والمعارك التي تعصف بالعالم العربي، وكذلك الإسلامي، في الوقت الحاضر. وهي خلافات تحتاج بالطبع نقاشا فكريا ثقافيا عقائديا منفتحا لا يتعصب فيه كلّ فريق لرأيه، حيث يكفّر السنة الشيعة، ويتهم فيه الشيعة السنّة باغتصاب الخلافة. هذا كلام ينبغي أن يكون المسلمون قد تجاوزوه منذ زمن بعيد، لكنهم في الحقيقة لم يفعلوا.


    في الإطار نفسه، وفي حمّى الخلافات المحمومة التي تذرّ قرنها بين سنّة العرب وشيعتهم، وسنّة المسلمين وشيعتهم عموما (إذ أن ثمة حربا ضروسا تقوم بين سنّة باكستان وشيعتها على سبيل المثال)، تشعر المكونات الدينية والطائفية والمذهبية واللغوية والثقافية، المسلمة وغير المسلمة، بالخوف على مستقبلها في ظل هذا التطاحن والتقاتل على معضلات الماضي وفتنه التي تعبر القرون ولا تخمد نارها رغم تغيّر الأحوال وعبور الإمبرياليات المتعاقبة على جسد هذه المنطقة التي أصابها جنون المذاهب والطوائف.


    لا شك أن ثمة جذورا سياسية واجتماعية عميقة تقيم في أساس هذه الخلافات المذهبية الطائفية التي تعصف بالعالمين العربي والإسلامي؛ فتهميش طائفة أو مذهب والافتئات على حقوقه الدينية والمذهبية يؤجج الصراع ويدفع تلك الطائفة أو الجهة المذهبية إلى الانتقام عندما تسمح لها الظروف (كما يحصل في العراق الآن). كما أن الأيدي الأمريكية، والإسرائيلية ـ الصهيونية تلوح في الخفاء وهي تحاول تأجيج هذا الصراع لكي يسهل تفكيك العالم العربي وتجزئته وتفتيته بحيث لا تقوم له ولدوله الضعيفة قائمة في أي يوم من الأيام. وأنا لا أستثني في الوقت نفسه الطموحات الإمبراطورية لدى بعض الدول الإسلامية التي تستغل هذا المناخ المذهبي الطائفي المحتقن لبناء أحلاف سياسية قائمة على البعد المذهبي الطائفي (قوس سنّي مقابل هلال شيعي).


    ثمّة عوامل كثيرة متصلة بلحم الحاضر ومشكلاته المعقدة وصراعاته السياسية والاجتماعية، والنزاع من أجل وضع اليد على السلطة، واستغلال أمور العقيدة والمذهب والأيديولوجية للتمكن من سدّة القوة. وهناك أيضا عاملا الإمبريالية الأمريكية الزاحفة ودولة إسرائيل الخائفة من تشكّل قوة عربية إسلامية تهدد وجودها وقوتها وتفوقها في المنطقة. لكن هذا لا ينفي وجود جذور عقدية مذهبية ثقافية تقيم في أساس الخلافات الناشبة في حاضر العرب والمسلمين في الوقت الراهن. وعلى العلماء والمفكرين العقلاء، المنتمين مذهبيا أو فكريا، أو حتى طائفيا أو قبليا، إلى هذه الطائفة أو ذلك المذهب، أن يعيدوا النظر في أسباب الخلاف ويجدوا حلولا تخلصنا من ثقل الماضي وضغطه الذي قد يدمّر الحاضر ويعصف بوجود ناسه المعاصرين.


العلم والثقافة خط الدفاع الأول


    لكن يبدو أن المسلمين لا يدركون على وجه الحقيقة مدى الأذى الذي تلحقه بصورتهم مجموعاتٌ قليلة تتبنّى عقيدة المواجهة الدمويّة مع العالم، مع أنفسهم أولا ومع الغرب ثانيا. فهذه المجموعات، التي تتبنّى فكر القاعدة أو فكر الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أو فكرا جهاديّا أو تكفيريّا، أو تصوّرا للعالم يقوم على قسمة العالم إلى دار للإسلام ودار للكفر، انتشرت في بقاعٍ عديدة ونشطت خلال العقدين الأخيرين إلى الحد الذي جعل العالم ينظر إليها بوصفها ممثلة للإسلام والمسلمين! لقد وسمت الإسلام بالعنف، ولطخته بدماء المسلمين قبل غيرهم لأنها تكفّرهم أو تكفّر بعضهم كما تكفّر البشرية جمعاء!


    ما يحدث الآن، من قتل وذبح وحرق باسم الإسلام، وذبح للصحفيين وعمّال الإغاثة الدولية، وتصفية للمخالفين في الدين والمذهب، وتفجير للمساجد، وقتل للسيّاح، على يد جماعات داعش، يشير إلى جنون الفكر التكفيريّ وهوسه وقدرته على حقن جرثومته في عقول شباب يائسين فقراء جهلة مستعدين للإتيان بأي فعل مهما كانت بشاعته لأنهم يعتقدون أن ذلك يدخلهم الجنّة. إنه مثالٌ بشع لما يمكن أن يؤدي إليه هذا الفكر التكفيريّ المتعصب، الذي يدعي أنه يحتكر الحقيقة، من عنف ووحشيّة.


    محاربة هذا النموذج من الفكر التكفيريّ لا تكون من خلال المواجهة المسلحة فقط، فمن يعتنقون هذا الفكر مستعدون للموت، بل راغبون فيه مندفعون إليه. إن استئصاله ممكنٌ فقط من خلال تحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص العمل للشباب الذين تنتشر بين صفوفهم بطالة مرعبة، خصوصا بعد تعمّق آثار الأزمة الاقتصادية العالمية في معظم أركان الكرة الأرضيّة. والأهم من ذلك هو تحسين ظروف التعليم والتربية والتثقيف، ونشر التعليم المدنيّ في الدول العربية والإسلامية، وتقديم صورة متسامحة للإسلام والمسلمين، فقد شُوهت صورة الدين وأصحابه بحيث يلزم عمل سنوات وعقود لتصحيح هذه الصورة.


    ما حدث ما كان يمكن أن يحدث لولا انهيار التعليم في العالمين العربي والإسلاميّ، وتصاعد العداء للثقافة بين صفوف السياسيين التقنيين الجهلة في المجتمعات الغربية وكذلك العربية والمسلمة، إضافة إلى تصاعد الهجمة الإمبريالية الغربية على المنطقة، وتوحّش السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ما جعل هذه التيارات التكفيرية تصور عملها بوصفه كفاحا ضد الاستعمار والإمبريالية!


    إن نوعيّة التعليم والثقافة هي التي ستحدد في المستقبل إمكانية التخلص من هذا الفكر التكفيريّ أو تصاعده. فليفهم إذن رجال السياسة، ونساؤها، الذين يعادون التعليم والثقافة ولا يعترفون إلا بسياسات السوق، أن العالم، بما فيه بلاد العرب والمسلمين، بحاجة إلى الاستثمار في التعليم والثقافة والعودة إلى الاهتمام بالأدب والإنسانيات، ما يضمن عدم انتشار الأفكار المتطرفة.


الإسلام الحضاريّ هو قارب النجاة


    ليس الإسلام دينا وعبادة فقط بل هو لحظة ثقافية حضارية مضيئة في تاريخ البشرية. إنه تصوّرٌ رحبٌ ومتفتح للعلاقة المثلثة التي تقوم بين الله والإنسان والعالم. ولهذا استطاع هذا الدين أن يقنع ملايين، بل مئات الملايين من البشر، باعتناقه والإيمان به، كما دفع قبائل وأعراقا وأقواما وثقافات إلى الاندراج في تلك اللحظة الثقافية الحضارية التي سطعت شمسها على العالم على مدار قرون ماضية.


    بسببٍ من هذا الوعي بالإسلام بوصفه خطابا حضاريا ثقافيا، ورؤية متفتحة ومنفتحة على العالم، تشكّل غير المسلمين، من أتباع الديانات والعقائد الأخرى، في فضاء الإسلام، واندرج وعيهم بالعالم والوجود ضمن اشتراطات الخطاب الإسلامي الثقافي الحضاري. كان غير المسلم، في أزمنة صعود الحضارة العربية الإسلامية، جزءا من هذا الفضاء الكليّ المسمّى "دار الإسلام". ولعل هذا الشعور بالانتماء إلى ثقافة ذات خصائص وأقوالٍ تشجع على الحرية والتسامح الدينيين والمواطنة العامّة هو الذي جعل مراحل معيّنة من الحضارة العربية الإسلامية تشهد ازدهارا ثقافيا وأدبيا وفلسفيا وعمرانيا لا نقع عليه في تاريخ الحضارات الإنسانية الأخرى. لقد كانت الأندلس مصهرا للثقافات والمعارف والتصوّرات المختلفة، بل المتناقضة أحيانا، حول سبل العيش والتصوّر والمعتقد. وهذا ما جعل الحقبة الأندلسية قمة نهوض العالم الإسلامي، كما حوّلها إلى لحظة تواصل واستمرارية مع الحضارة الغربية التي واصلت من حيث انتهت اللحظة الحضارية الأندلسية.


    الجانب المضيء في الحقبة الأندلسيّة من اللحظة الحضارية العربية الإسلامية يتمثل في كونها من صنع مسلمين وغير مسلمين، مؤمنين وغير مؤمنين، عربٍ وغيرِ عرب. ولهذا اتخذت سمات الحضارة الكونيّة القادرة على الاستفادة مما سبقها من حضارات، والطامحة في الوقت نفسه إلى التأثير في ما بعدها من حضارات آخذة في التشكّل والصعود. وقد أتاح النصّ الديني الإسلاميّ نفسه، القرآن الكريم والحديث النبويّ وكذلك التأويلات المتعددة للنص الديني، المجال لحريّة الاعتقاد، بحيث انصهرت أعراق وأقوام وثقافات وشعوب وعادات في نسيج كليّ اسمه الإسلام. ويمكن للراغب في التيقن من هذه الرؤية الإسلامية المنفتحة أن يراجع الآيات والأحاديث التي تحض على حرية الاعتقاد لكي يعرف أن الإسلام الذي يبشّر به الدعاة الجدد، ممن يطلقون على أنفسهم أو يُطلَق عليهم "شيوخ السلفيّة" أو "المتسلّفة"، هو نسخةٌ متطرفة متصلّبة من الإسلام الذي يعاني عقدة الاضطهاد والإحساس بالهزيمة الحضارية وغروب شمس الحضارة العربية الإسلامية في القرون الأربعة أو الخمسة الماضية.


    إن دعوات العودة إلى ماضي الإسلام الصحيح، والقول بالفرقة الناجية، والحديث عن صيغة وحيدة مطلقة للإسلام ومذهبٍ لا ثاني له، تصبّ جميعها في التضييق على الإسلام والمسلمين، وتضيّق من آفاق الإسلام الواسعة الرحبة، وتغتال روح الإسلام السمحة، وتقوّض أسس الإسلام الحضاري؛ الإسلام الذي يحتضن العالم ولا يخنقه، ينظر إليه كلحظة تواصل لا لحظة انفصال وقطيعة. في هذا الإسلام الحضاريّ، ومن خلال النظر إليه كنسقٍ أو خطابٍ ثقافي حضاري، لا كمعتقد ديني وعبادة فقط، تكمن نجاة المسلمين المعاصرين، وانعتاقهم من هذا الشعور الخانق بالحصار، وخلاصهم من الاحتراب الذي وصل إلى بيتهم الداخليّ فأشعل نارا هائلة لا ندري متى تنطفئ.


    إن ما يحدث الآن، نتيجة للحظة التعصّب والتطرّف والتقوقع والمذهبيّة القاتلة التي تأخذ بخناق العرب والمسلمين في الوقت الراهن، هو إعلان حرب على الذات والعالم؛ حربٍ خاسرة دون أي شكّ، بل إنها تمثل نوعا من الانتحار الجماعيّ العنيد للمسلمين. لا مجال إذن، لتحقيق الخلاص، سوى بالعودة إلى نموذج الإسلام الحضاريّ الذي استطاع هضم اللحظات الحضارية الأخرى، والتأثر بالثقافات المختلفة والتعايش معها، انطلاقا من طبيعة الإسلام الوسطيّة التي تنبذ العنف والتعصّب والرؤية الواحديّة للعالم.