إيقاع اللغة والمعنى .. في قصيدة الطفل لدى سليمان العيسى

29/03/2016 - 2:15:16

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. بهيجة مصري إدلبي - كاتبة سورية

  لا أحد يجادل في الدور التربوي والإبداعي الذي جسده الشاعر سليمان العيسى في كتاباته، منذ أن تحول إلى هذا العالم الذي يفيض بالبراءة، ليجعله بديلا من الهزيمة التي خلخلت الذات لدى الإنسان العربي بعد هزيمة 1967، وكأن الشاعر سليمان العيسى أراد من هذا التحول أن يحافظ على تماسك ذاته، وعلى حلمه الذي أربكه الانكسار، عبر استجابته للأمل المتمثل بالطفل العربي.


    هو من الشعراء الذين أسسوا لقصيدة طفلية مختلفة، سواء على مستوى الشكل، أو على مستوى المضمون، أو على مستوى الابتكارات الجديدة، أو على مستوى قراءة التراث بكافة أبعاده محليا، وعربيا، وإنسانيا، وكأنه يحاول في كل الأساليب ليبتكر وجودا لذاته عبر مرآة الأطفال.


    ولا شك أن وعي شاعر الأطفال بقضية اللغة يعني وعيه بفن الاتصال، أي وعيه بما ينطوي عليه النص من طاقة تواصلية متصلة بعالم الطفل من جهة، ومتصلة بفنية النص من جهة ثانية، لأنه بكتابته للنص الشعري إنما يبني عالما شديد الحساسية للطفل بالكلمات، وبالتالي تتحدد خصوصية النص المقروء من خصوصية البنية اللغوية وإيقاعها الداخلي الذي يحقق الاستجابة لدى قارئ مدهش وغامض هو الطفل.


    وإذا اختبرنا هذه المقولة لدى العيسى نجد أنه لا تكاد تخلو قصيدة من قصائده من هذه الخاصية؛ فالألفاظ لديه واضحة رشيقة خفيفة الوقع، سهلة النطق وفي متناول تأويل الطفل وسوف نختبر هذه الرؤية لديه عبر قصيدتين هما "رفيقي الأرنب" و"اسمي كامل".


    ففي الأولى "رفيقي الأرنب" تجدر الإشارة إلى المناص العنواني الذي يلعب دورا مهما في توجيه فهم الطفل، فالعنوان في قصيدة الطفل هو عتبة انتباهه للنص، فمنذ البداية يقرر الشاعر ومن بعده القارئ الطفل أن العلاقة بين الطفل والأرنب إنما هي علاقة رفقة، وعلاقة مودة، وألفة، وبالتالي يقبل الطفل على النشيد وهو مشحون بهذه الإشارة التوجيهية:


قفز الأرنب /  خاف الأرنب


كنت قريبا /  منه ألعب


    إضافة إلى المفردة الرشيقة، التي تتمثل أحيانا بالقفز والحركة، وكأن النشيد هو ذاته الأرنب الذي يقفز أمام الطفل خائفا للوهلة الأولى، فثمة جملة قصيرة اقتصرت على الفعل والفاعل في البيت الأول، ليستمر في هذا البناء البسيط الذي يدركه الطفل دون عناء، ويتواصل معه حيث يتراوح بناء الجملة بين الجملة الفعلية البسيطة، والجملة الاسمية، أما مستوى الخطاب الذي قدم الشاعر من خلاله النص، فنجده يتجلى في هذا الإيقاع العام المدروس بعناية فائقة. يبدأ الشاعر بوصف اللحظة المفاجئة التي يتجلى فيها قفز الأرنب وخوفه كحالة طبيعية، من ثم يقدم وصفا للون الأرنب:


أبيض أبيض / مثل النور


يعدو في البستان يدور


    ثم يبين للطفل طبيعة الأرنب، وهو يبحث عن ورقات خضر يخطفها كالبرق ويجري، بعد ذلك يتيح الشاعر للطفل أن يحلق في فضاء التأويل، وفي الخيال، وذلك برسم الصورة الشعرية الشفافة متيحا له ابتكار صور من خياله، توازي صورة الأرنب، وهو يركض، فيقرب له صورة فرو الأرنب وهو يعدو من صورة الموج، ليفسح للطفل التقاط ذلك من خلال مخيلة خصبة:


يا موجا من  فرو  ناعم


فوق العشب الأخضر عائم


    لتنتهي القصيدة بدعوة الطفل للأرنب إلى اللعب ، رابطا عتبة العنوان بنهاية القصيدة:


لا تهرب مني يا أرنب


أنت رفيقي هيا نلعب


بهذا الأسلوب السهل الذي يتدرج في تكثيف العلاقة بين الطفل والأرنب استطاع الشاعر أن يخلق جوا من المرح الطفولي، رشيقا حركيا منسجما مع إيقاع لعب الطفل، وإلفته مع الطبيعة، والقواسم بين طبيعته الفطرية وفطرية الطبيعة ذاتها، التي تحقق إيقاع التواصل الإنساني، بينه وبين الكائنات، حيث يتخيل الطفل أن الأرنب يدرك لغته وإشاراته ودعوته للعب.


    وما حقق هذا الانسجام أن النشيد مروي على لسان الطفل، ولا نرى أي تدخل من قبل الشاعر، وبالتالي يحقق انسجاما آخر، وهو تآلف الطفل مع النشيد لأنه جزء منه، وليس مرويا له من قبل الآخرين، ولا يغفل الشاعر قضية إثراء معجم الطفل اللغوي فيشرح المفردات الصعبة كما فعل بلفظة يعدو/يركض، وكان باستطاعته أن يستعمل يركض في القصيدة كفعل مألوف لدى الطفل ودون أن يشكل ذلك خللا في الوزن والمعنى، إلا أن الشاعر آثر أن يستعمل الفعل يعدو ويشرح معناه، ليضيفه الطفل إلى معجمه، بعدما يدرك معناه، سواء من خلال سياق الصورة التي يؤولها بخبرته من خلال حركة الأرنب، أو من خلال الشرح في الهامش، وبذلك يمكننا القول إن كل أشعار سليمان العيسى حققت المعادلة الجميلة التي كان يؤكد عليها دائما في أشعاره للطفل.


    لا ينفصل إيقاع المعنى عن إيقاع اللغة، وهذا ما سنختبره في القصيدة الثانية "اسمي كامل" حيث هذا الإيقاع ينسجم مع الإيقاعية العامة لدى سليمان العيسى في تحفيز التفكير والسؤال والخيال لدى الطفل، لأن السؤال هو السبيل إلى ترسيخ المعرفة لديه. وهو السبيل لتخصيب ذاكرته، وتنمية شخصيته، كما هو المعين الخصب لاختبار الأشياء، وبالتالي عندما نحفز لديه هذه الرغبة نتيح له حالة من التفكير، والتأمل.


    ويمكن اختبار مثال آخر أكثر طاقة على تحفيز الخيال والتفكير والسؤال، الذي يثيره لدينا نحن الكبار، فما بالنا ونحن نقدمه لعالم الطفولة بوعي تربوي فني مثير، يقول الشاعر:


اسمي كامل


وأبي عامل


وأنا أقرأ


أقرأ أشياء مكتوبة


أقرأ قصصا دون صعوبة


أقرأ أزهار الليمون


أقرأ حبات الزيتون


أقرأ محراث الفلاح


***


أقرأ ما يحكيه النور / ثم يغنيه العصفور


أقرأ أغنية المستقبل / تكتبها الأجيال


يكتبها الأطفال / والمستقبل حقل بذور


    فالشاعر حاول التدرج في تحفيز الخيال لدى الطفل من خلال البداية، بقراءة أشياء مكتوبة، وقراءة القصص دون صعوبة، وبعدما يتجاوز الطفل هذه المرحلة من القراءة، التي أتقنها، ينتقل الشاعر به إلى المرحلة الثانية وهي قراءة الأشياء التي تنتمي إلى لغة الصورة أو لغة الطبيعة، ولعل الطفل أقدر على قراءة هذه الأشياء من البالغين، لأنه يعد الطبيعة جزءا منه، ويتحدث معها كما يتحدث مع البشر، والكائنات الأخرى، وكأن الطبيعة كتاب آخر مكتوب بأبجدية مختلفة، يقرأ الطفل خلالها أبجدية الفطرة.


    وهنا يحفز الشاعر خيال الطفل، (فأزهار الليمون ـ وحبات الزيتون ـ ومحراث الفلاح ـ والنور ـ وأغنية العصفورـ وأغنية المستقبل) كلها تشبه الكتاب الذي يقرأ فيه القصص، والدروس، وبالتالي يمكن للطفل أن يؤولها بحرية، ويتفكر بها، ويتأملها، ويمكن ألا يؤولها تأويلات بعيدة، وإنما يكتفي بإيقاعها الذي يتشكل شيئا فشيئا في داخله، لتترك ظلالا من المعنى تتضح مع تقدمه بالعمر، ليصبح الخيال هو الزاد الذي يثري طاقته، ويحفز التفكير لديه بشكل بعيد، للربط بين المحسوس والمعنوي، بين القراءة والليمون، والزيتون، والنور، ومن هنا يدرك أن القراءة أوسع من الكتب، وأوسع من النصوص، لأن الطبيعة فيها أشياء كثيرة يمكن تأويلها، وقراءتها.


    ويمكننا القول في النهاية إن الشاعر سليمان العيسى كان يكتب للطفل الكائن في ذاته، وبالتالي استطاع أن يكشف عن روح الطفولة في النص، كما في ذاته، لتبقى قصائده نشيدا خالدا في ذاكرة الأطفال.