غزل الزوجات فى الأزواج

29/03/2016 - 2:14:29

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد حسين الطماوى - كاتب مصري

غزل المرأة فى الزوج وداد تروم منه مزيدا من الوداد، وتواصل روحى مرغوب، وبذل القلوب فيه محمود، وحصاد طيب للرجل من حليلة تبدى الإخلاص والوفاء، وتنبيه للقلب إن غفا أو سها، وهو أنسب للزوجة الشاعرة من أى غزل آخر.


لأنه مما يخالف الآداب الدينية والاجتماعية أن تصطفى خليلا وتتغزل فيه جهرا أو خفية، وبينها وبين زوج عقد وكتاب، وهناك زوجات تغزلن فى أحباب مثل الشاعرة القوية ليلى الأخيلية التى تيمها حب توبة بن الحمير، وكلاهما كان زوجا وهو مذموم.


الزوج المحارب


والزوج هو حصن الزوجة وركنها الآمن، ومرآتها التى ترى فيها نفسها، وفوق هذا يلاطفها ويخالطها، وأملأ لفراغها ، فإذا تغيب عنها طويلا لسبب من الأسباب، لاتنسى جزءها الغائب، ولا تكفكف دمعها الهامر، وتخلد إلى وحشة غالبة وتستكين فى عزلة محزنة، وفى كتاب “ذم الهوى” لابن الجوزى البغدادى، أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه طاف بالمدينة ذات ليلة، وإذا به يسمع امرأة غاب عنها زوجها فى البعث (البعث . الجيش أو بعثة حربية) تقول وهى أسيانة :


تطاول هذا الليل تسرى كواكبه


وأرقنى أن لاضجيع ألاعبه


ألاعبه طورا وطورا كأنما


بدا قمرا فى ظلمة الليل حاجبه


يسر به من كان يلهو بقربه


لطيف الحشا لايحتويه أقاربه


ثم تنفست الصعداء وقالت : لهان على عمر بن الخطاب وحشتى وغيبة زوجى عنى. وعمر واقف يستمع .. فقال لها : يرحمك الله، ثم وجه لها بكسوة ونفقة، وكتب فى أن يقدم عليها زوجها.


وهذه الحكاية ليست فريدة فى بابها، وإنما هى حكاية الزوجات اللآتى غاب عنهن أزواجهن فى حروب خطرة، وتفوهن بأشعار تعرب عن التوجع والتفجع، وافتقاد الهناءة والمتاع، وتاريخ الأدب لم يسجل كل شىء ودونك حكاية تشبه سابقتها زمنها كان فى العصر الأموى، فقد جاء فى كتاب روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن القيم الجوزية أن عبدالملك بن مروان أرسل بعثا إلى اليمن، وغشى دمشق ليلا ليسمع ما يقول الناس فيه، فإذا بصوت امرأة قائمة تصلى، فتسمع إليها.. فلما انصرفت إلى مضجعها قالت : “أسألك الله أن ترد لى غائبى.. فتقر به عينى .. وأسألك أن تحكم بينى وبين عبدالملك” ثم تفوهت بأبيات شاجيات تقول فيها :


“تطاول هذا الليل فالعين تدمع


وأرقنى حزن لقلبى موجع


فبت أقاسى الليل أرعى نجومه


وبات فؤادى بالجوى يتقطع


إذا ما تذكرت الذى كان بيننا


وجدت فؤادى حسرة يتصدع


وكل حبيب ذاكر لحبيبه


يرجى لقاه كل يوم ويطمع


فذا العشر فرج ما ترى من صبابتى


فأنت الذى يدعو العباد فتسمع


ثم عرف الخليفة عبدالملك من حاجبه أنها زوجة يزيد بن سنان، وكان أرسله فى البعث، ثم سأل كم تصبر المرأة عن زوجها؟ قالوا ستة أشهر .


وأقوال امرأة يزيد بن سنان ليس من شعر الغزل فحسب، وإنما من نبض القلب الحنان، وقد اتسع طرحها، وطال شرحها لحالتها، وذكرت الزمن الذى اشتدت فيه معاناتها وهو الليل، والليل مع الوحدة يبعثان الذكرى، ويظهران المكنون من صور ماضية تسلطت على نفسها فتعمق إحساسها بمعضلتها وجفاء الأيام.


الزوج المسافر


وقد يضطر الزوج إلى السعى والدأب، من أجل المال والكسب وفى الأسفار أخطار، وحينئذ تدرك الزوجة أن مسراتها ذهبت، وتشعر ببرودة الوحدة، ويغيم عليها الأسى، ويأسرها الضنى، ولاتستطيع مغالبة الوحشة بالنسيان، ولا سلوى لها إلا تمثل زوجها الغائب، وتخيله بالتصور وفى الرؤى، وينطلق من قلبها المنتكس لحن حزين يعبر عن وجدها ولايخفف من أثقالها، وفى كتاب تزيين الأسواق بتفصيل أخبار العشاق لداود الأنطاكى، أن رجلا فارق زوجته فى سبيل الربح، فتأثرت وناجته قائلة:


أعمرو علام تجنبتنى


أخذت فؤادى وعذبتنى


فلو كنت يا عمرو خبرتنى


أخذت حذارى فما نلتنى


أما الزوج الغائب فقد لقيه رجل بار، وعرف سبب اغترابه فمنحه مالا جما وأعاده إلى زوجته، وينسب أبو الفرج الأصفهانى فى “الأغانى” هذه الحكاية لإبراهيم الموصلى.


وقد يزمع الرجل السفر، ويشحذ همته، ويعد عدته، إلا أن قرينته الصبة تسعى فى ثنيه عن مهمته ببثها الأشواق وحثها له على الإقامة، أو تقصير زمن السفرة، وتظل تحادثه وتحاججه، وتسكب عليه من فيض الحب، وتذكره بعواقب رحيله، وما سيحل بذريته من بعده، وكأنها تريد ألا يسافر قبل أن يقرر شيئاً مختلفا. وفى كتاب المستطرف فى كل فن مستظرف للإبشيهى، أن أعرابيا أراد السفر فقال لامرأته:


عدى السنين لغيبتى وتصبرى


وذرى الشهور بأنهن قصار فأجابته:


فأذكر صبابتنا إليك وشوقنا


وارحم بناتك إنهن صغار


فتأثر وألغى السفر، وهناك رواية أخرى تفيد أن هذا الأعرابى هو الحطيئة الشاعر الفحل.


عتاب


ولانعدم امرأة تكون عاطفتها أدق من عاطفة قرينها، ويكون تأثرها به شديدا، وتأثره بها واهنا، فلا يدغدغ حسها بملاطفاته، ولا يحفل بها، أو ربما يروح عن ذهنه باقتضابه فى أحاديثه معها، وقد يغريه اهتمامها الزائد به بالتغاضى عن لهفاتها ولفتاتها، وكل هذا يستثيرها وبخاصة إذا كانت ولوعة، وتريده مستهاما بها لتستجلى أعماقه، وفى مثل هذا الوضع المتباين يكثر بثها، وتنطق بألمها، فتعاتبه فى هذا وتدعو الله أن يحبها كما تحبه أو ينزع حبه من قلبها وفى “روضة المحبين” أن امرأة قالت تعاتب بعلها : “أسأل الذى قسم بين العباد معايشهم أن يقسم الحب بينى وبينك ثم أنشدت :


أدعو الذى صرف الهوى


منى إليك ومنك عنى


أن يبتليك بما ابتلا


نى أو يسل الحب منى


ورأيى فى هذه القضية أنه فى الحب يشقى من كانت مشاعره فائرة ويسعد من كانت مشاعره فاترة.


تفضل زوجها على الخليفة


والمرأة الأصيلة لاتغويها الجواهر الغالية، ولا تغريها المناصب السامية على ترك زوجها الفقير، وتظل على مبدئها، كما أن القوة الجبارة لاتستطيع أن تطأطئ هامتها العالية، وإليك حكاية سعاد وزوجها الأعرابى التى وردت فى كتابى “ذم الهوى” و “تزيين الأسواق..” وملخصها أن أعرابيا من عذرة تزوج ابنة عمه، وأنفق عليها حتى نفد ماله، فحضها أبوها على مفارقته، فما كان من الأعرابى إلا أن رفع أمره إلى الوالى، فلما نظرها الوالى أعجب بحسنها وفتنتها ومنح أباها عشرة آلاف درهم، وطلب من زوجها أن يطلقها ليتزوجها، فرفض الزوج فحبسه وعذبه، فطلقها مرغما، واقترن بها الوالى، ولكى يزيح الأعرابى الهم الذى ران عليه وتملك حوريته ذهب للخليفة معاوية وحكى له حكايته ليعيد إليه زوجته، فأرسل الخليفة رسالة مع وفد إلى الوالى أمره فيها بتطليقها لترجع إلى حليلها وهدده بالقتل إن لم يفعل، فاستجاب الوالى وطلقها وسلمها إلى الوفد، وعندما نظرها الوفد وجد أنها ذات هيئة وجمال.. حينئذ قال الوفد : هذه تصلح لأمير المؤمنين لا لهذا الأعرابى، وعندما رنا إليها معاوية وحدثها أعجب بصوتها وحسنها، وقال لزوجها : هل لك من سلو عنها بأفضل الرغبة؟ قال نعم إذا فرقت بين رأسى وجسدى وأنشد الأعرابى شعرا منه


والله والله لا أنسى محبتها


حتى أغيب فى رمس وأحجار


كيف السلو وقد هام الفؤاد بها


وأصبح القلب عنها غير صبار


فغضب معاوية وقال لسعاد : اختارى إن شئت، أنا، وإن شئت الوالى، وإن شئت الأعرابى، فاختارت زوجها وقالت :


هذا وإن أصبح فى أطمار


وكان فى نقص من اليسار


أكثر عندى من أبى وجارى


وصاحب الدرهم والدينار


أخشى إذا غدرت حر النار


هذا حليلى ما به من عار


(أطمار: ثياب بالية) ولكن معاوية لم تفارقه الأريحية العربية والنخوة، فأمر للأعرابى بعشرة آلاف دينار وناقة وخباء، وبعد انقضاء أيام العدة شعر الأعرابى بالظفر وهو يصحب امرأته إلى موطنه، وهكذا فضلت الأعرابية زوجها على الخليفة والوالى، واستحسنت سكنى الخيام التى تدوى فيها الرياح، ولم تلتفت للقصور الباذخة التى يرن فيها الذهب، ومع هذا يصعب أن تستخلص من هذه الحكاية أن كل امرأة كذلك، فليس هذا من خلائق كل إنسان، وليست جميع النساء من الجنس السامى المثالى.


جفاء الأزواج


وقد يجفو الرجل امرأته لأنها لم تحقق له حلمه فى الحياة بانجابها بنتا، وكان يصبو إلى أن تلد له ولدا، وخيبة الأمل تنشر الحزن فى نفسه، وتجعل العلاقة بينهما شائكة، وقد يؤدى هذا إلى غضبه وابتعاده عنها، أو يكون أحمق ويدفعا إلى ترك البيت، وكأن المرأة تستطيع التحكم فى تكوين الجنين، وتضن على زوجها بما كان يتوق إليه، ومما لاشك فيه أن الزوجة ترغب فى ولادة ذكر تسعد به وتسر به قرينها، ولكن لايمكن أن ترد قضاء الله.


وقد يراجع الزوج نفسه بعد هجر، ويعود، وحدث أن زوجة أبى حمزة الضبى ولدت أنثى، ففارقها وظل واجما محزونا فترة، وأقام فى خيمة مجاورة، ثم طاف بخيمة زوجته فوجدها ترقص ابنتها بالشعرعلى طريقة العرب فى ترقيص الأطفال بالأشعار، وكانت تنشد وتقول :


ما لأبى حمزة لايأتينا


يظل فى البيت الذى يلينا


غضبان أن لانلد البنينا


تا الله ما ذلك فى أيدينا


وإنما نأخذ ما أعطينا


ونحن كالأرض لزارعينا


ننبت ما قد زرعوه فينا


فسلبه بيانها، واستذابه رقيق عتابها، ولم يملك إلا إقرار حجتها فعطف عليها، وعاد إليها.


وقد يفتر حب الرجل لزوجته فيضايقها، وذرائعه واهية، وأسبابه تافهة، ولايبارك حبها ووفاءها، ولايتفتح لها ثغرة بحلو الكلام، ويبلبل خاطرها، فيزخر قلبها بالحزن وينطفئ وجهها النوار، ويسوء حالها، وتندم على أنها وافقت على أن تزوجته وفى عصمته، ويفيض لسانها بالشكوى قائلة :


يا من يلذذ نفسه بعذابى


ويرى مقاربتى أشد عذاب


لو كنت من أهل الوفاء وفيت لى


إن الوفاء حلى أولى الألباب


مازلت فى استعطاف قلبك بالهوى


كالمرتجى مطرا بغير سحاب


ياليتنى من قبل ملكك عصمتى


أمسيت ملكا فى يد الأعراب


وكثيرا ما تستقر الأحوال بين الزوجين، وتنظر الزوجة إلى قرينها بعين الرضا، وينثال كلام الهوى على شفاهها، وترسل النغم عذبا وتقول :


قصارك منى نصيحة مادمت حية


وود كماء المزن غير مشوب


وآخر شىء أنت لى عند مرقدى


وأول شىء أنت عند هبوبى


ومن طبيعة الأنثى أن تكتم صبابتها إذا عشقت من باب الحياء، أو خوفا من عائلتها، وخشية من افتضاح أمرها وذيوع سرها، فإذا تزوجت ممن أحبته باحت له بمكنون قلبها، وفى كتابى “مصارع العشاق..” للسراج و “تزيين الأسواق..” أن فتى لقى غادة فى زى رجل، تتدرع بدرع، وتضع عمامة سوداء على رأسها، فخاطبها على أنها رجل، ثم قامت لتصلح من شأن فرسها، فتزحزح الدرع عن ثدى كحق العاج، فعرف أنها أنثى، وأحبته وكتمت هواها، أما هو فسعى حتى وصل إلى أبيها وخطبها وتزوجها وفى ظل الزواج باحت وقالت :


كتمت الهوى إنى رأيتك جازعا


فقلت : فتى بعد الصديق يريد


فإن تطرحنى أو تقول فتية


يضر بها برح الهوى فتعود


فوربت، عما بى وفى الكبد والحشا


من الوجد برح فاعلمن شديد


زوجة الخليفة


ولا نستطيع أن ننكر الحظوظ والمصادفات السعيدة فى الحياة وهى من ضروب القضاء والقدر، وعطاء الحظ يفوق عطاء الترتيبات والحسابات، فقد تلقى فتاة فقيرة رجلا أسمى من كل الرجال وتنحاز إليها الدنيا، ويتزوجها، ويسبغ عليها الله من نعمه وآلائه الكثير، ويستضىء أفقها، ويعلو نجمها، وفى كتابى “تزيين الأسواق” و “الأغانى” أن الخليفة المتوكل تنزه فى بلاد الشام، وأشرف على كنيسة، ورأى فيها ابنة راهبها، واسمها شعانين، فأعجب بها وطلب منها أن تهبه نفسها، فسرها هذا وقدمت له شراباً وأحضرت آلة موسيقية وغنت


يا طالبا منى المودة مرحبا


روحى فداك لاعدمنك خاطبا


أنا عبدة لهواك، فاشرب واسقنى


واعدل بكاسك عن جليسك إذ أبى


قد والذى رفع السماء ملكتنى


وتركت قلبى فى هواك معذبا


فأرغبها حينئذ فأسلمت وتزوجها وكانت من أحظى النساء عنده وظلت معه فى قصره إلى أن قتل، ويمكن أن تكون شعانين هى سندريلا العرب.


وهذا القدر من الغزل ليس الغرض منه إبراز غزل الأزواج فحسب وإنما لنكشف عن قدرات المرأة العربية فى صوغ الشعر وارتجاله، وتعبيرها عن مستدق أحاسيسها ورغائبها، وإعرابها عن حسراتها ومسراتها، وبعض هذا الشعر جاء بمنزلة انتفاضات نفسية أظهرت احتجاجها على تصرفات زوجها حيالها.


وغزل الأزواج لم تخل منه أشعارنا المعاصرة، وغنى فيه المغنون والمغنيات : مثل سيد مكاوى الذى غنى “وليلة بعد ليلة؟ بقينا فى الحب عيلة..” وليلى مراد التى غنت لزوجها المنفصلة عنه فى أحد أفلامها “يا حبيب الروح..” وهدى سلطان التى غنت “عمرى مادقت الحب غير لما حبيتك؟ ولا شفت راحة قلبى إلا وأنا فى بيتك” وهذه مجرد أمثلة، ولأن شعر الغزل فى أكثر ما قيل ذاتى غنائى فقد عبر فيه الشعراء والشاعرات عن مشاعرهم تجاه الأزواج، ولأن الزواج أهم حدث فى حياة الإنسان فلايمكن تجاهله وبخاصة فى فن الغزل.