محمد صالح كجراي وترجمة رباعيات الخيام

29/03/2016 - 2:13:10

محمد صالح كجراى محمد صالح كجراى

مجذوب عيدروس - كاتب سوداني

    محمد عثمان محمد صالح كجراي شاعر سوداني من طراز فريد، بدأ بنشر أعماله في خمسينيات القرن الماضي، وقدم د. إحسان عباس ديوانه "الصمت والرماد" للنشر في بيروت وقد قدمه هذا الديوان لجمهور القراء في السودان وغيره، حيث كان التواصل ممكنا في ذلك الزمان، ونشر قصائده في عدد من المجلات العربية آخرها مجلة الدوحة القطرية التي نشرت له مجموعة كبيرة من أشعاره في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، شكلت مجموعته الشعرية "الليل عبر غابة النيون".


    كجراي ـ الذي ولد عام 1928 ـ عرف بانتمائه لليسار السوداني، وبدفاعه عن الثقافة العربية، وقد عمل معلما في السودان، وبعد انتصار الثورة الإريترية عمل لسنوات مفوضا للتعليم في الدولة الوليدة، وعاد إلى السودان حيث توفى في أغسطس 2003.


    في عام 2005 أصدر مصطفى عبد الله أحمد (أمادو) ضمن منشورات الخرطوم عاصمة الثقافة العربية آنذاك كتابا بعنوان "حصائد وإشارات – سياحة في عالم الشاعر محمد عثمان كجراي"، كما صدر في عام 2008 عن الشركة العالمية للطباعة والنشر والتوزيع كتاب "كجراي – عاشق الحرية والقول الفصيح دراسات في حياته وشعره" لجابر حسين، وقد اهتم بعض النقاد الذين تناولوا الشعر السوداني بشعر كجراي، ومنهم د. عبده بدوي ود. محمد مصطفى هدارة.


    وفيما يتعلق برباعيات الخيام فإن السودانيين قد تعرفوا عليها عن طريق ترجمة الشاعر أحمد رامي لها عن الفارسية، كما أن أجيالا من السودانيين قد درست ما كتبه إبراهيم عبد القادر المازني عن ترجمة الرباعيات، متضمنا ترجمة المازني للرباعيات التي كتبها باللغة الإنجليزية سكوت فيتزجيرالد، ونقد المازني للرباعيات مشهور في الأوساط السودانية حيث كان كتابه "حصاد الهشيم" مقررا على طلاب المرحلة الثانوية.


    ومن بين الذين قاموا بترجمة رباعيات الخيام في السودان الفنان التشكيلي والخطاط عثمان وقيع الله، والذي صاغ الرباعيات شعرا بالعامية السودانية، وما يعرف محليا بالدوبيت، ولم تنشر هذه الترجمة التي أشار إليها الروائي الطيب صالح، وهي الآن في حوزة أسرة الفنان عثمان وقيع الله بالسودان.


    وقام الفنان التشكيلي الراحل أحمد الطيب زين العابدين بإنجاز ترجمة للرباعيات مزودة برسوم، ولم تطبع حتى الآن هذه الترجمة. وفي مدينة ودمدني السودانية قدم المهندس  الراحل بابكر السلاوي تشطيرا لرباعيات الخيام في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وهي الآن في عداد المفقودات كما علمنا من أسرته.


    وقد تضمن كتاب "حصائد وإشارات - سياحة في عالم الشاعر محمد عثمان كجراي" نماذج من ترجمة كجراي للرباعيات بلغت ثلاثا وعشرين رباعية بدأت بهذه الرباعية:


انهض الآن ضيا الشمس يجتاح الغيوم


محقت في داره الصحو ملايين النجوم


وتعرى مسرح الليل فلاذت بالوجوم


فزع السلطان لما حل في القصر الضياء


    ولعل الرباعية القادمة التي تنقل تلك الروح الخيامية في صياغة كجراي المحكمة، هي التي تنقلنا إلى ذلك الجو الخيامي سواء أولئك الذين قرأوها في الترجمة الإنجليزية أو فيما فعله المترجمون العرب كإبراهيم العريض، ومحمد السباعي ورامي وأحمد الصافي النجفي، وعرار شاعر الأردن – مصطفى وهبي التل - والذي قام الدكتور يوسف بكار بإنجاز دراسة وافية عن رباعياته، وعن مجمل ترجمات عمر الخيام إلى العربية.


قبل أن نمضي من الساحة أطياف النهار


رنّ صوتُ داخل الحانة مبحوح القرار


أن هلموا ضاقت الخمر بأحضان الجرار


طبت نفسا أيها الداعي فقد حان اللقاء


    ولربما يتساءل البعض من محبي الشاعر الكبير كجراي وهم يرون فيه ذاك المناضل الثوري المنتمي إلى صفوف اليسار السوداني، والداعم للثورة الإريترية عن سر اهتمام كجراي برباعيات الخيام، ونقول إن الخيام قد انتبه له شعراء التفعيلة أيضا في بحثهم عن قناع يطلون من ورائه، وهو رمز كالحلاج وأبي العلاء المعري وجلال الدين الرومي وديك الجن وغيرهم. فمن اتخذهم شعراء السبعينيات ومن كانوا قبلهم أو بعدهم رموزا نجدها عند عبد الوهاب البياتي وأدونيس وعند شاعر سوداني كمحمد عبد الحي؛ فرمزية الخيام تشير إلى جانب من جوانب إبداع كجراي في الخروج على نمط الشعر الهتافي الذي عرف به جيل شعراء جيله، وفي كثير من شعره – والذي لم ينشر أكثره على الناس، أبعاد فلسفية تتجاوز نمطية القصيدة الستينية في الساحة السودانية والعربية:


يا خبيرا ظله يرتاد أبهاء الغرف


يعصر الكرم ولا يترك شيئا للصدف


 لِم تغويني لكي أنزع أثواب الشرف


أنا في ميزان دهري في عداد الشعراء


    وكجراي المتخفي في قناع عمر الخيام ارتضى بحكم الدهر عليه أن يكون شاعرا، ويلخص تجربته في البعد والاقتراب من فلسفة الخيام:


أدر الكأس فلسنا في عداد الخالدين


أن ترى صنفنا الحان بركب الملحدين


هؤلاء اتخذوا الكرمة لاهوتا ودين


ما اشتروه ضعف ما باعوه من كرم قديم


...


حينما كنت صغيرا كنت أعدو كالظليم


طالما حاولت أن أغدو كقديس حكيم


هكذا جربت أن أسلك خطا مستقيم


غير أني عدت بالباب الذي منه أتيت


    وربما كانت هناك مشابهات بين رؤيا كجراي ورؤى شعراء آخرين مثل إيليا أبي ماضي في قصيدته المشهورة "الطلاسم" والتي كانت لها لازمة (لست أدري)، والتي انتقدها البعض من زاوية عقدية. وللفنان الحق في التساؤل عن وجوده ومصيره وطرح ما يشاء من الأسئلة، وتقديم الإجابات إن شاء، وفق الصيغ التي يراها.


    وكجراي المعني أصلا بالحياة وبطرح الأسئلة عن الوجود والكون لم يكن يفرق بين نضال الشاعر والإنسان لتحقيق حياة أسمى وأرفع، في مواجهة العدم والدمار الذي يلحقه الطغاة بالشعوب، وبين التأمل الفلسفي العميق في معنى الحياة وجدواها قد وجد ضالته. في إعادة قراءة عمر الخيام وتقديمها بصياغة عربية تحمل من روح كجراي وثورته وتمرده وقلقه. وتقترب صياغة كجراي في هذه الرباعية من صياغة المازني – مترجمة عن فيتزجيرالد، وبحسبي تحت أفنان رطاب - زجاجة الخمر ونصف الرغيف وما حوى ديوان شعر طريف....إلخ.


يقول كجراي:


حط ركبي فوق ظل تحت أغصان الشجر


ومعي كسرة خبز وحبيب كالقمر


وزجاجات نبيذ بددت روح الضجر


وبحسبي هذه الجنة في قفر يباب


    وفي عودة إلى عمر الخيام وسيرته ورموزه الشعرية نجد أن كجراي وقد نشر مجموعة من قصائده في مجلة "الدوحة" منوها إلى أنه من ديوانه "كلمات إلى نيسابور"، والآن نجد أن تسمية الديوان – الذي لم يصدر بذات الاسم كان لها ما يبررها من اهتمام خاص بقراءة عمر الخيام وتتبع سيرته:


قل لنيسابور: للبهجة تنساب الأغاني


ينبض الورد بأشجاني فتخضر الأماني


    ولعل الرباعية هذه تقلب الصورة النمطية التي كانت سائدة في أذهان الكثيرين ممن حاولوا إلحاق الشاعر قسرا بتيار الاشتراكية الذي امتلأ  بالهتافية والزعيق في كثير من نماذجه.